النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 125

53- الإمام الخميني رحمه الله والزواج من الرضيعة

ثم يقول معلقا على كلام الإمام الخميني طيب الله ثراه الذي يقول في ( تحرير الوسيلة ) : " لا بأس بالتمتع بالرضيعة تقبيلا وضما وتفخيذا " .
أين الغيرة من قبول مثل هذا الحكم ؟


نقول : الإمام الخميني رحمه الله في صدد بيان عدم جواز وطء الزوجة قبل بلوغها تسع سنوات فقال " لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين دواما كان النكاح أو منقطعا ، وأما سائر الاستمتاعات كالمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة " (1) .

فإذا كان الاعتراض على تزويج الرضيعة فهو من مسلمات المسلمين فقد ذكر الجزيري في ( الفقه على المذاهب الأربعة ) : " يختص الولي المجبر بتزويج الصغيرة والصغير والكبيرة والكبير إذا جنا ، والكبيرة العاقلة البالغة إذا كانت بكر حقيقة أو حكما فللولي المجبر تزويج هؤلاء بدون استئذان ورضا بشروط … " (2) ، ثم يحدد المقصود بالصغيرة حينما ينقل رأي الحنابلة : " يختص الولي المجبر بإجبار غير المكلف - وهو الصغير – بكرا كانت أو ثيبا وهي من كانت دون تسع سنين " (3) ، فلا

 

(1) تحرير الوسيلة ج2 ص241 .

(2) الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص 28 . (3) المصدر السابق ج4 ص 34 .  
 

- ج 2 ص 126 -

أعتقد أن هناك ممن ينكر أن دون تسع سنين يشمل الرضيعة ، والأعجب أنه يفترض أن تكون الصغيرة التي هي دون تسع سنين ثيبا .

بل في زواج رسول الله (ص) من عائشة وعمرها ست سنين ودخوله بها وهي تسع سنين دليل على أن المسألة مسلمة فقد روى مسلم عنها أنها قالت : تزوجني النبي (ص) وأنا بنت ست سنين وبنى بي وأنا بنت تسعة سنين " (1) .

والمفسرون حينما يتعرضون لقوله تعالى ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) (2) يصرحون بأن المقصود باللائي لم يحضن الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض ، وروى ابن كثير خبر أبي ابن كعب انه قال : يا رسول الله إن عددا من النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الأحمال قال فأنزل الله عز وجل ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ … ) (3) .

واستدل الشيخ العمراني بالآية في جواز تزويج الولي للصغيرة قال في كتابه ( البيان ) : " فإن كانت صغيرة جاز للأب تزويجها بلا خلاف والدليل عليه قوله تعالى ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) ، وتقديره وكذلك عدة اللائي لم يحضن وإنما يجب على الزوجة الاعتداد من الطلاق بعد الوطء فدل على أن الصغيرة التي لم تحض يصح نكاحها ، ولا جهة يصح نكاحها معها إلا أن يزوجها أبوها " (4) .

 

(1) صحيح مسلم ج2 ص1039 .
(2) الطلاق 4 .

(3) تفسير ابن كثير ج4 ص 407 .
(4) البيان في مذهب الإمام الشافعي ج9 ص 178 .
 
 

- ج 2 ص 127 -

وأما عبارتهم الصريحة بشمول التزوج لمن هي رضيعة فعديدة ، منها عند ذكر المسألة المعروفة عن حرمة زوجتي الرجل عليه لو إحداهما رضيعة والأخرى كبيرة فرضعت الكبيرة الصغيرة ، وممن نص عليها السرخسي في ( المبسوط ) قال : " ولو أن رجلا له امرأتان إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة وللكبيرة لبن من غيره ولم يدخل بها فأرضعت الكبيرة الصغيرة بانتا منه بغير طلاق لأنهما صارتا أما وبنتا … " (1) .

وقال في موضع آخر : " … ولكن عرضية الوجود بكون العين منتفعا بها تكفي لانعقاد العقد كما لو تزوج رضيعة صح النكاح … " (2) .

وقال الجزيري في ( الفقه على المذاهب الأربعة ) تحت عنوان منع المرأة نفسها من الدخول لعدم قبضها الصداق : " وقد صرحوا بأنه يكره للزوج أن يستلم الزوجة وهي صغيرة لا تطيق أو مريضة أو ذات هزال عارض … ، ويقصد لا تطيق أي لا تطيق الجماع " (3) .
ألا تعني كلمة " يكره " أن الأمر جائز وليس حراما عند المذاهب الأربعة ؟
فهل يختلف الأمر بعد ذلك عما قاله الإمام الخميني ؟

وأما عبارات ابن قدامة في المغني فهي أوضح من عبارة الإمام الخميني بل هو ينقل قول أحمد بن حنبل ومع ذلك لم يتندر به المتسلفون : " … فأما الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فظاهر كلام الخرقي تحريم قبلتها ومباشرتها لشهوة قبل استبرائها ، وهو ظاهر كلام أحمد وفي أكثر الروايات عنه قال : تستبرأ وإن كانت في المهد وروي عنه أنه قال : إن كانت صغيرة بأي شيء تستبرأ إذا كانت رضيعة ؟!

 

(1) المبسوط للسرخسي المجلد 15 ج30 ص265 .
(2) المصدر السابق المجلد 8 ج15 ص 95 .

(3) الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص144 .  
 

- ج 2 ص 128 -

وقال في رواية أخرى : تستبرأ بحيضة إذا كانت ممن تحيض وإلا بثلاثة أشهر إن كانت ممن توطأ وتحبل ، فظاهر هذا انه لا يجب استبراؤها ولا تحرم مباشرتها .

وهذا اختيار ابن أبي موسى وقول مالك وهو الصحيح لأن سبب الإباحة متحقق وليس على تحريمها دليل فإنه لا نص فيه ولا معنى لأن تحريم مباشرة الكبيرة إنما كان لكونه داعيا إلى الوطء المحرم أو خشية أن تكون أم ولد لغيره ولا يتوهم هذا في هذه فوجب العمل بمقتضى الإباحة ، فأما من يمكن وطؤها فلا تحل قبلتها ولا الاستمتاع منها بما دون الفرج قبل الاستبراء إلا المسبية على إحدى الروايتين " (1) .

بل هم يتحدثون بما لم يقل به الشيعة وهو جواز وطيء الزوجة قبل أن تبلغ سن التاسعة قال الجزيري وهو ينقل رأي الحنفية في تعداد شروط وجوب النفقة : " الشرط الثاني أن تكون الزوجة مطيقة للوطء منه أو من غيره ، ولا يشترط لذلك سن خاص بل يقدر بحسب حال الزوجة ، إذ قد تكون صغيرة بدينة تطيق وقد تكون كبيرة هزيلة لا تطيق ،فإذا كانت صغيرة تطيق الوطء وسلمت نفسها فإن النفقة تجب على الزوج " (2) .

وقال عند نقل رأي الحنابلة : " ثانيها أن تكون ممن يوطأ مثلها أي بأن تكون صالحة للوطء ، وقيده بعضهم بشرط أن تكون بنت تسع سنين فإذا كانت ضخمة تطيق الوطء وهي دون تسع فإنها لا نفقة لها على هذا القيد وظاهر كتب الحنابلة أنه لا تجب لها النفقة وهي دون تسع على أي حال ، فإن كانت صغيرة تطيق الوطء فإن على وليها أن يقول لزوجها تعال استلم زوجتك فمتى سلمت الزوجة نفسها أو أسلمها وليها وكانت تطيق الوطء وجبت نفقتها على الزوج " (3) .

 

(1) المغني لابن قدامة ج9 ص 159 .

(2) الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص 493 . (3) المصدر السابق ج4 ص497 .  
 

- ج 2 ص 129 -

وقال عند بيان رأي المذاهب في عدة الصغيرة : " المالكية قالوا : لا تجب العدة على الصغيرة إلا إذا كانت تطيق ولو كانت دون تسع سنين ،أما إذا لم تطق الوطء فإنها لا تجب عليه العدة ولو كانت تزيد على تسع سنين ، وعلى كل حال فعدتها بالأشهر ما لم تحض .
الحنابلة قالوا : إذا طلق الزوج الصغيرة لا يوطأ مثلها وهي التي دون تسع سنين فإنها لا تعتد ولو دخل بها وأولج فيها … .
الحنفية قالوا : العدة تجب على الصغيرة ولو طفلة ثم إنه إن طلق الصغيرة التي لم تحض وكانت دون تسع سنين فإن عدتها تنقضي بالأشهر قولا واحدا " (1) .

وتطرق إلى الأمر المرغيناني في ( الهداية شرح بداية المبتدي ) حينما تحدث عن وجوب النفقة على الصغيرة وعدمه قائلا : " قوله ( لا يستمتع بها ) أي لا توطأ وصرح في الذخيرة بأن المراد من الاستمتاع الوطء ، وبه قيد الحاكم قال : لا نفقة للصغيرة التي لا تجامع فلا نفقة لها إلى أن تصير إلى حالة تحتمل الوطء سواء كانت في بيت الزوج أو الأب ، واختلف فيها فقيل : أقلها سبع سنين ، وقال العتابي : اختيار مشايخنا تسع سنين ، والحق عدم التقدير ، فإن احتماله يختلف باختلاف البنية …

والظاهر إن من كانت بحيث تشتهي للجماع فيما دون الفرج مطيقة للجماع في الجملة ، وإن لم تطقه من خصوص زوج مثلا فتجب لها النفقة ومن لا فلا تجب لها النفقة " (2) .

وقال ابن الهمام الحنفي في شرحه للكلام السابق : " لأن امتناع الاستمتاع إنما هو لمعنى فيها والاحتباس الموجب هو ما يكون وسيلة إلى المقصود مستحق بالنكاح وهو

 

(1) الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص479 –480 .
(2) الهداية شرح بداية المبتدي ج4 ص 345 ، متن الكتاب طبع مع شرحه فتح القدير .

 
 

- ج 2 ص 130 -

الجماع أو دواعيه ولم يوجد لأن الصغيرة التي لا تصلح للجماع لا تصلح لدواعيه لأنها غير مشتهاة ، واستشكل بالرتقاء والقرناء ونحوهما فإن المقصود المستحق بالنكاح فائت ولهن النفقة ، وأجيب بأن الدواعي غير فائتة بأن يجامعهن تفخيذا أو غيره بخلاف الصغيرة لما ذكرنا حتى قالوا : إن كانت الصغيرة مشتهاة ويمكن جماعها فيما دون الفرج يجب النفقة " (1) .

 

(1) شرح فتح القدير ( شرح للكتاب السابق ) ج4 ص 344 – 345 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب