النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 163

57- حديث خلق الله آدم على صورته

عندما ذكر حديث أبي هريرة عن النبي (ص) : " إن الله خلق آدم على صورته " كمثال لحديث لا يحسن بعض الصحابة فهمه وقد يؤدي إلى عكس ما قصده رسول الله وقد يؤدي إلى الكفر لصعوبة إدراك الصحابي للمعنى الحقيقي .
رد على ذلك بقوله : " الحديث عند مسلم ولفظه عن أبي هريرة عن رسول الله : إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته "
ثم قال : " فأنت ترى ... كيف بتر ... هذا الحديث ليموه ويدلس " .

نقول : العجب إن الخبر لم ينقل مرة واحدة فقط وعلى نحو ما نقله عن مسلم هنا ، بل نقل في مواضع أخرى ، فليس هنا بتر في الحديث بل المقصود هو حديث آخر أورده البخاري ومسلم .

والمقصود ما رواه البخاري في كتاب الاستئذان باب بدو السلام عن همام عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال : " خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال : اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس ، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن " (1) .

 

(1) صحيح البخاري ج 8 ص 62 .

 
 

- ج 2 ص 164 -

ورواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها ، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (1) .

ومما يدلك على إن العلماء فهموا الظاهر المستهجن من الرواية ، ولذا ترددوا في قبولها مع وجودها في الصحاح ما ذكره الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) قال :
" عن أبي زيد بن أبي الغمر قال : قال ابن القاسم : سألت مالكا عمن حدث بالحديث الذين قالوا : " إن الله خلق آدم على صورته " ، والحديث الذي جاء " إن الله يكشف عن ساقه" ، و " أنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد " ، فأنكر مالك ذلك إنكارا شديدا ، ونهى أن يحدث بها أحد ، فقيل له : إن ناسا من أهل العلم يتحدثون به ، فقال : من هو؟ قيل : ابن عجلان عن أبي الزناد ، قال :لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ، ولم يكن عالما ، وذكر أبا الزناد فقال : لم يزل عاملا لهؤلاء حتى مات ، ... قلت : أنكر الإمام ذلك لأنه لم يثبت عنده ولا اتصل به فهو معذور ، كما أن صاحبي الصحيحين معذوران في إخراج ذلك - أعني الحديث الأول والثاني - لثبوت سندهما ، وأما الحديث الثالث فلا أعرفه بهذا اللفظ ، فقولنا في ذلك وبابه الإقرار والإمرار وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم " (2) .

بل صرح ابن حجر في ( فتح الباري ) بورود الخبر بسند رجاله ثقات بلفظ " فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن " ، قال :
" لكن ثبت عند مسلم تعليل آخر للخبر إنه أخرج الحديث المذكور من طريق أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة وزاد ( فإن الله خلق آدم على صورته ) ، واختلف في الضمير على من يعود ؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه ، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها ،

 

(1) صحيح مسلم ج4 ص 2183 .

(2) سير أعلام النبلاء ج 8 ص104 .  
 

- ج 2 ص 165 -

وقال القرطبي : أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه ( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ) ، قال : وكأن من رواه أورده بالمعنى متمسكا بما متوهمه فغلط فيه ، وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة ثم قال : وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى .
قلت : الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في ( السنة ) والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات (1) ، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول قال : من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن (2) ، فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه أو من تأويله على ما يليق بالرحمن جل جلاله .

... وقال حرب الكرماني في ( كتاب السنة ) سمعت إسحاق بن راهويه يقول : صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ، وقال إسحاق الكوسج : سمعت أحمد يقول : هو حديث صحيح ، وقال الطبراني في كتاب السنة حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : قال رجل لأبي : إن رجلا قال : خلق الله آدم على صورته – أي صورة الرجل – فقال : كذب هو قول الجهمية " (3) .

وقال في كتاب الاستئذان بعد ذكر ما قيل في مرجع الضمير :
" وقيل الضمير لله ، وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه ( على صورة الرحمن ) والمراد بالصورة الصفة ، والمعنى إن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك ، وإن كان صفات الله تعالى لا يشبهها شيء " (4) .

 

(1) السنة لابن أبي عاصم ج1 ص 362 ، المعجم الكبير للطبراني ج12 ص 329 .

 
(2) المصدر السابق ج1 ص 364 .
(3) فتح الباري ج5 ص 183 .
(4) المصدر السابق ج11 ص3 .
 

- ج 2 ص 166 -

وقال القاضي عياض في ( إكمال المعلم ) : " هذا حديث ثابت عن أهل النقل وقد رواه بعضهم " إن الله خلق آدم على صورة الرحمن " ولا يليق هذا عند أهل النقل ،ولعله نقل من رواه بالمعنى الذي وهمه ،وظن أن الضمير عائد على الله – سبحانه – فأظهره وقال : " على صورة الرحمن " ، واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره ، والذي قال لا يخفى فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث فليس بمركب ... وعجبا من ابن قتيبة في قوله صورة لا كالصور مع كون هذا الحديث يقتضي ظاهره عنده خلق آدم على صورته ،فقد صارت صورة الباري – سبحانه – على صورة آدم (ع) على ظاهر هذا على أصله ، فكيف يكون على صورة آدم ويقول إنها لا كالصور وهذا يناقض .

... فإذا ثبت افتقاره إلى التأويل قلنا : اختلف الناس في تأويله ، فمنهم من أعاد الضمير إلى المضروب ... وقال آخرون إن الضمير عائد على آدم نفسه ... وقال آخرون : إن الضمير يعود إلى الله – سبحانه – ويكون له وجهان أحدهما : أن يراد بالصورة الصفة ... والوجه الثاني عند أصحاب هذا التأويل أن تكون إضافة الصورة إضافة تشريف واختصاص كما قيل في الكعبة بيت الله " (1) .

لكن القاضي عياض رجع واعترف إن الاحتمالات التي ذكرت هي خاصة برواية ( إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ) وأما الخبر الآخر الذي ذكره البخاري ومسلم فقد قال عنه : " وإنما يبقى الإشكال كله في الحديث الآخر الذي لم يذكر فيه هذا السبب مثل حديث البخاري في باب السلام ( إن الله خلق آدم على صورته قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة )

 

(1) إكمال المعلم ج8 ص 87 .

 
 

- ج 2 ص 167 -

وخرجه مسلم أيضا بعد هذا بنصه في باب خلق آدم ، ومثل هذا ، لكن تقدم فيه من التأويلات ما يكفي بعضها " (1) .

وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم تعليقا على الحديث :
" هومن أحاديث الصفات وقد سبق في كتاب الإيمان بيان حكمها واضحا ومبسوطا ، وأن من العلماء من يمسك عن تأويلها ويقول : نؤمن بأنها حق أن ظاهرها غير مراد ولها معنى يليق بها ، وهذا مذهب جمهور السلف ، وهو أحوط وأسلم ، والثاني أنها تتأول على حسب ما يليق بتنزيه الله تعالى وأنه ليس كمثله شيء ... " (2) .

وقال السيوطي في ( الديباج ) على شرح مسلم :
" خلق آدم على صورته هذا من أحاديث الصفات التي يؤمن بها ويمسك عن الخوض فيها أو تؤول بحسب ما يليق بتنزيه الله تعالى ، وأحسن ما قيل في تأويله إن الإضافة للتشريف كناقة الله وبيت الله أي الصورة التي اختارها لآدم " (3) .
أفبعد هذا يقال إن الناقل بتر الحديث .

 

(1) إكمال المعلم ج8 ص 91 .
(2) شرح النووي على صحيح مسلم ج16 ص 166 .

(3) الديباج على صحيح مسلم ج5 ص 539 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب