|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 193 |
|
58- علم
الصحابة
قال دفاعا عن علم الصحابة :
" والصحابة (رض) هم أعلم
الناس بعد رسول الله (ص)، وكانوا يروون حديث رسول الله
(ص)
، وإذا كان أصحاب رسول الله (ص) ينقلون حديث رسول الله
(ص)
بغير فهم أو علم فيغيرون المعنى وقد يؤدي إلى عكس
المقصود فمن إذا يفهم ؟ ... أليسوا أصحاب رسول لله (ص)
هم الذين كان رسول الله (ص) يرسلهم ليعلموا الناس دينهم
" .
إن أكبر خلل فكري يعيشه السنة يتعلق بالصحابة ومحاور
الخلل متعددة فتارة هو يتعلق :
1- بتعريف الصحابي ، وأن كل من لاقى الرسول
(ص) ولو مرة
واحدة هو صحابي .
2- وأخرى بعدالة الصحابة ، وإن كلهم عدول من أسلم قبل
الفتح أو بعده من تلبس بالفتنة وغيره .
3- وثالثة بعلم الصحابة وتحديد العالم من غيره ،
وهوكلام القائل هنا إنهم كلهم علماء .
4- ورابعة بطريقة التعامل مع أخطاء الصحابة بل
انحرافاتهم الواضحة ، فيصل الأمر عندهم إلى أن يصرح
العظيم آبادي في ( عون المعبود ) :
" إن الصحابة خصوا في ترك الحدود بما لم يخص به غيرهم
فلأجل ذلك لا يفسقون بما يفسق به غيرهم خصوصية لهم …
وقد ترك عمر إقامة حد الخمر على فلان لأنه من أهل بدر
وقد ورد فيهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " (1) .
فبالنسبة لمحور العلم الذي نتحدث عنه الآن فالعجب من
مقولة كل الصحابة علماء ؟! فنحن لا نجد مجتمعا من
المجتمعات كلهم كانوا متخصصين في معرفة الدين ، وهكذا
بالنسبة إلى الطبقات التالية للصحابة ، لم يقل أحد إن
كل التابعين كانوا علماء ، فلماذا يراد من الأمة أن
تعتقد أن الصحابة كلهم علماء ؟!
نعم إن قصد بذلك مجموعة خاصة من الصحابة ممن لاقى
النبي (ص) وتعلم منه فالحق مع القائل ، وإن كنا سنختلف
في تحديد من تعلم ممن لم يتعلم ، ومن هو عالم حقا ومن
تلبس بلباس العلماء منهم .
وإما إن قصد بذلك كل من لاقى النبي
(ص) كما هو ظاهر
تعريفهم للصحابي فهي الطامة الكبرى ، كيف والبخاري
ينقل في صحيحه عن أبي هريرة قوله : " إن الناس يقولون
أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت
حديثا ثم يتلو إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات
إلى قوله الرحيم ، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم
الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم
العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله
(ص) بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون
" (2) .
| |
(1) عون المعبود في شرح سنن بي داود ج12 ص 120 .
(2) البخاري ج1 ص 40 ، وروى
مسلم مثله في صحيحه ج4 ص1939 . |
|
|
وقد ذكر البخاري الخبر في كتاب الاعتصام بالكتاب
والسنة تحت باب الحجة على من قال إن أحكام النبي (ص)
كانت ظاهرة وماكان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي (ص) وأمور
الإسلام .
وقال ابن حجر شارحا عنوان الباب و الخبر : " ... وهذه
الترجمة معقودة لبيان أن كثيرا من الأكابر من الصحابة
كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي (ص) أو يفعله من الأعمال
التكليفية ، فيستمر على ما كان أطلع عليه هو إما على
المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه واما على البراءة
الأصلية ... ، قلت : وقد عقد البيهقي في المدخل باب
الدليل على أنه قد يعزب على المتقدم الصحبة الواسع
العلم الذي يعلمه غيره ، ثم ذكر حديث أبي بكر في الجدة
، وهو في الموطأ ، وحديث عمر في الاستئذان ، وهو
المذكور في هذا الباب ، وحديث ابن مسعود في الرجل الذي
عقد على امرأة ثم طلقها فأراد أن يتزوج أمها ، فقال :
لا بأس ، واجازته بيع الفضة المكسرة بالصحيحة متفاضلا
، ثم رجوعه عن الأمرين معا لما سمع من غيره من الصحابة
النهي عنهما ، وأشياء غير ذلك ، وذكر فيه حديث البراء
: ليس كلنا كان يسمع الحديث من النبي (ص) كانت لنا صنعة
وأشغال ولكن كان الناس لا يكذبون ، فيحدث الشاهد
الغائب وسنده ضعيف ، وكذا حديث أنس ما كل ما نحدثكم عن
رسول الله (ص) سمعناه ، ولكن لم يكذب بعضنا بعضا " (1) .
هذا وقد روى البخاري اعتراف عمر إنه من الملتهين
بالصفق بالأسواق ، قال : عن عبيد الله بن عمير : " أن
أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب (رض)، فلم
يؤذن له وكأنه كان مشغولا ، فرجع أبو موسى ففرغ عمر ،
فقال : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له ، قيل
: قد رجع ، فدعاه ، فقال :كنا نؤمر بذلك
| |
(1) فتح الباري ج13 ص 321 . |
|
|
، فقال :
تأتيني على ذلك بالبينة ، فانطلق إلى مجلس الأنصار ،
فسألهم ، فقالوا : لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو
سعيد الخدري ، فذهب بأبي سعيد الخدري فقال عمر : أخفي
هذا علي من أمر رسول الله (ص) ، ألهاني الصفق بالأسواق
يعني الخروج إلى التجارة " (1) .
وموارد جهل بعض كبار الصحابة بالمسلمات من الأحكام
متعددة ، ذكرنا بعضها في الجزء الأول من الكتاب (2) .
نضيف لها ما ذكره البيهقي في ( المدخل إلى السنن ) عن
هشام بن يحيى المخزومي أن رجلا من ثقيف أتى عمر بن
الخطاب (رض) فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم
النحر ، ألها أن تنفر قبل أن تطهر ؟ فقال عمر (رض): لا ،
فقال له الثقفي : إن رسول الله (ص) أفتاني في مثل هذه
المرأة بغير ما أفتيت ، قال : فقام إليه عمر (رض) يضربه
بالدرة ، ويقول : لم تستفتوني في شيء قد أفتى فيه رسول
الله (ص) " (3) ؟
وكذلك نقل البخاري في صحيحه كتاب الصوم باب قول الله
تعالى " وكلوا واشربوا " عن عدي بن حاتم قال : لما
نزلت ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ) عمدت إلى عقال
أسود وعقال أبيض ، فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر
في الليل ، فلا يستبين لي ، فغدوت على رسول الله (ص)
فذكرت له ذلك ، فقال : إنما ذلك سواد الليل وبياض
النهار" (4).
| |
(1) صحيح البخاري ج3 ص72 ، ورواه
مسلم في صحيحه ج3 ص 1695 .
(2) النفيس في بيان رزية الخميس ، الجزء الأول ص 362 . |
(3) المدخل إلى السنن الكبرى ج 1 ص 104 .
(4) صحيح البخاري ج 3 ص36 . |
|
|
فهذا شاهد على أن الصحابة لم يكونوا يفهمون المعنى
الشرعي للآيات كما ينبغي ، ولو لم يراجع عدي بن حاتم
رسول الله (ص) في ذلك الأمر لبقي على اعتقاده في الآية ،
ثم صار فعله حجة بعد وفاة رسول الله (ص) كفعل باقي
الصحابة ، وقس في تاريخ الصحابة من أمثلة هذه الحادثة
الكثير .
ويقول ابن حزم في كتابه ( الإحكام ) :
" فمن المحال أن يأمر رسول الله (ص) باتباع كل قائل من
الصحابة (رض) ، وفيهم من يحلل الشيء وغيره منهم يحرمه ،
ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن
جندب ، ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة
وحراما اقتداء بغيره منهم ، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبا اقتداء بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب
وأبي بن كعب ، وحراما اقتداء بعائشة وابن عمر ، ولكان
بيع الثمر قبل ظهور الطيب فيها حلالا اقتداء بعمر
حراما اقتداء بغيره منهم ، وكل هذا مروي عندنا
بالأسانيد الصحيحة تركناها خوف التطويل بها ، وقد بينا
آنفا إخباره عليه السلام أبا بكر بأنه أخطأ .
وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره
(ص) فيبلغه ذلك
فيصوب المصيب ويخطىء المخطىء ، فذلك بعد موته (ص) أفشى
وأكثر ، فمن ذلك فتيا أبي السنابل لسبيعة الأسلمية بأن
عليها في العدة آخر الأجلين فأنكر (ص) ذلك وأخبر أن
فتياه باطل .
وقد أفتى بعض الصحابة وهو
(ص) حي بأن على الزاني غير
المحصن الرجم حتى افتداه والده بمائة شاة ووليدة فأبطل
(ص) ذلك الصلح وفسخه ، وذكر (ص) السبعين ألفا من أمته
يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر ، فقال بعض
الصحابة هم قوم ولدوا على الإسلام فخطأ النبي (ص) قائل
ذلك .
وقالوا إذا نام النبي
(ص) عن صلاة الصبح ما كفارة ما
صنعنا ؟ فأنكر النبي (ص) قولهم ذلك ، وأراد طلحة بحضرة
عمر بيع الذهب بالفضة نسيئة ، فأنكر ذلك عمر ، وأخبر
أن النبي (ص) حرم ذلك .
وباع بلال صاعين من تمر بصاع من تمر ، فأنكر النبي
(ص)
ذلك ، وأمره بفسخ تلك البيعة ، وأخبره أن هذا عين
الربا ، وباع بعض الصحابة بريرة ، واشترط الولاء ،
فأنكر النبي (ص) ذلك ، ولام عليه ، وقال عمر لأهل هجرة
الحبشة : نحن أحق برسول الله (ص) منكم ، فكذبه النبي
(ص)
في ذلك … " ، ثم ساق ابن حزم أمثلة أخرى (1) .
وقال في الختام :
" وأما قولهم إن الصحابة (رض) شهدوا الوحي فهم أعلم به
فإنه يلزمهم على هذا أن التابعين شهدوا الصحابة فهم
أعلم بهم فيجب تقليد التابعين ، وهكذا قرنا فقرنا حتى
يبلغ الأمر إلينا فيجب تقليدنا ، وهذه صفة دين النصارى
في اتباعهم أساقفتهم وليست صفة ديننا " (2) .
| |
(1) الإحكام في أصول الأحكام المجلد2 ج6 ص 252 -253 . |
(2) الإحكام في أصول الأحكام المجلد2 ج6 ص 250 . |
|
|
|