النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 9

41- حديث الثقلين

قال في صدد رده لحديث الثقلين بلفظه المشهور : " لم يرد في مسلم هذا الحديث بهذا اللفظ ولفظ مسلم ما يلي : عن زيد بن أرقم قال : قام رسول الله (ص) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال : أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال كل هؤلاء حرم الصدقة قال نعم .

نقول : الظاهر من الكاتب هنا أنه ينكر صحة حديث الثقلين بلفظه المشهور لأن مسلم لم يذكره كذلك ، ولكن الذي يظهر من كتاب آخر له أنه ينكر صحة الحديث حينما قال : " الحديث فيه كلام من حيث صحته وثبوته عن النبي (ص) … وقد ثبت من حديث جابر في مسلم أن النبي (ص) لما خطب في حجة الوداع قال : قد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله ، ولم يذكر أهل البيت وهو

-ج 2 ص 10 -

الذي إذا تمسك به الإنسان لا يضل أبدا " ، فنحن أمام جهالة فادحة وعظيمة ، ويكفيك أن ترى مصادر الحديث وتصحيحات العلماء حتى تعرف ذلك .

فقد رواه الحاكم في ( المستدرك ) عن زيد بن أرقم (رض) قال : قال رسول الله (ص) : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض " .
ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
وقال الذهبي في التلخيص : على شرط البخاري ومسلم (1).

كما رواه الحاكم كجزء من واقعة الغدير مرتين الأولى عن أبي الطفيل عن زيد قال : لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمن فقال : " كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض " .

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله ، شاهده حديث سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل أيضا صحيح على شرطهما ، ثم أورد الحديث الثاني عن زيد قال : قال رسول الله (ص) : " أيها الناس إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي " (2) .

وكذلك رواه الترمذي في ( السنن ) وحسنه : عن زيد بن أرقم (رض) قال رسول الله (ص) : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء

 

(1) المستدرك على الصحيحين ج3 ص161.

(2) المصدر السابق ج3 ص118.  
 

-ج 2 ص 11 -

إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما قال : هذا حديث حسن غريب (1).

ورواه النسائي في الخصائص من ( السنن الكبرى ) وقال محققا الكتاب البنداري وكسروي : إسناده ثقات لكن عنعنه حبيب بن أبي ثابت وهو ثقة يدلس لكن له متابعة (2) .
وفي ( الخصائص ) المطبوعة وحدها تحقيق البلوشي ، قال المحقق : " الحديث صحيح رجاله ثقات من رجال الشيخين غير أن فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت وهو مدلس لكنه توبع وسليمان هو الأعمش " (3).

ورواه أحمد في ( المسند ) في عدة مواضع في مسند أبي سعيد الخدري قال محققو الطبعة : " حديث صحيح بشواهده " (4) .

ذكره الهيثمي في ( المجمع ) عن زيد بن ثابت ثم قال : رواه أحمد وإسناده جيد (5) .

ورواه في مسند زيد بن أرقم على النحو التالي عن علي بن ربيعة : " لقيت زيد بن أرقم وهو داخل على المختار أو خارج من عنده فقلت له : أسمعت رسول الله (ص) يقول : إني تارك فيكم الثقلين ؟ قال : نعم " .

قال محققو الطبعة إسناده صحيح على شرط البخاري (6) ، وذكر الخبر في ( فضائل الصحابة ) وقال المحقق وصي الله : " إسناده صحيح " (7) .

 

(1) سنن الترمذي ج5 ص662 ، 663 .
(2) السنن الكبرى للنسائي ج5 ص130.
(3) الخصائص للنسائي ص96.

 (5) مجمع الزوائد ج9 ص162.
(6) مسند أحمد ج32 ص64.
(7) فضائل الصحابة ج2 ص707 .
 
 

(4) مسند أحمد ج17 ص 170 وروى في ص 211 ، ص 308 من نفس الجزء ، وفي ج18 ص 114 وفي مسند زيد بن ثابت ج35 ص456.

 
 

-ج 2 ص 12 -

ورواه أيضا في الجزء الأول وذكر المحقق في الحاشية الطرق المختلفة للخبر ثم قال : " فبهذه الطرق الكثيرة يزيد الحديث قوة وصحة " (1) .

وذكره ابن أبي عاصم في ( السنة ) عن زيد بن ثابت وقال محقق الكتاب : إسناده حسن فيه شريك بن عبدالله صدوق ،وفيه القاسم بن حسان قال عنه الحافظ مقبول ووثقه البعض وضعفه آخرين وقد توبع (2) ، وذكر الحديث مرة أخرى ، وقال المحقق معلقا على سنده : إسناده حسن فيه كثير بن زيد صدوق يخطئ وشيخ المصنف صدوق (3).

والحديث مروي أيضا في ( المعجم الكبير ) بعدة طرق (4) ، وذكره الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) في باب العمل بالكتاب والسنة عن زيد بن ثابت ثم قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات (5).
وذكره ابن حجر في ( المطالب العالية ) ثم قال : هذا إسناد صحيح (6) .
وذكره السيوطي في ( الجامع الصغير ) وصححه (7) .
وصححه الألباني في ( السلسة الصحيحة ) تحت رقم 1761 (8) .
ورواه أبو يعلى في مسنده في ثلاث مواضع (9) .
ورواه الطحاوي في ( مشكل الآثار ) (10) .
ورواه علي بن الجعد في مسنده (11) .

 

(1) فضائل الصحابة ج1 ص210 ، ورواه أيضا في ج2 ص 723 ، وص 747 ، وص 978 ، وص 988.

 
  (2) السنة لابن أبي عاصم ج2 ص 1021 .
(3) المصدر السابق ج2 ص1027 .
(4) المعجم الكبير ج5 ص 154وص166وص169.
(5) مجمع الزوائد ج1 ص 170 .
(6) المطالب العالية ج4 ص 252 .
(7) الجامع الصغير ص 157 .
(8) السلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص 355 .
(9) مسند أبي يعلى ج1 ص297 ، ص 303 ، ص376
(10) مشكل الآثار 2 ص 211 .
(11) مسند ابن جعد ص 397 .
 
 

-ج 2 ص 13 -

قال الألباني : " بعد تخريج هذا الحديث بزمن بعيد كتب علي أن أهاجر من دمشق إلى عمان ثم أن أسافر منها إلى الإمارات أوائل سنة ( 1402 ) هجرية فلقيت في ( قطر ) بعض الأساتذة الطيبين فأهدى إلي أحدهم رسالة له مطبوعة في تضعيف هذا الحديث ، فلما قرأتها تبين لي أنه حديث عهد بهذه الصناعة ، وذلك من ناحيتين ذكرتهما له :
الأولى :
انه اقتصر في تخريجه على بعض المصادر المطبوعة المتداولة ، ولذلك قصر تقصيرا فاحشا في تحقيق الكلام عليه ، وفاته كثير من الطرق والأسانيد التي هي بذاتها صحيحة أو حسنة فضلا عن الشواهد والمتابعات ، كما يبدو لكل ناظر يقابل تخريجه بما خرجته هنا .

الثانية : أنه لم يلتفت إلى أقوال المصححين للحديث من العلماء ولا إلى قاعدتهم التي ذكروها في " مصطلح الحديث " أن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة الطرق فوقع في هذا الخطأ الفادح من تضعيف الحديث الصحيح .

وكان نما إلي قبل الالتقاء به واطلاعي على رسالته أن أحد الدكاترة في ( الكويت ) يضعف هذا الحديث ، وتأكدت من ذلك حين جاءني خطاب من أحد الأخوة هناك يستدرك علي إيرادي الحديث في ( صحيح الجامع الصغير ) … لأن الدكتور المشار إليه قد ضعفه ، وأن هذا استغرب مني تصحيحه ! ويرجو الأخ المشار إليه أن أعيد النظر في تحقيق هذا الحديث ، وقد فعلت ذلك احتياطا ، فلعله يجد فيه ما يدله على خطأ الدكتور ، وخطئه هو في استرواحه واعتماده عليه ، وعدم تنبهه للفرق بين ناشيء في هذا العلم ومتمكن فيه ، وهي غفلة أصابت كثيرا من الناس الذين يتبعون كل من كتب في هذا المجال وليست له قدم راسخة فيه والله المستعان " (1).

 

(1) السلسلة الصحيحة ج4 ص 358 .

 
 

-ج 2 ص 14 -

هذه أهم مصادر الحديث مع التصحيحات التي ذكرها العلماء .

ثم الاعتراض على دلالة الرواية مع التسليم بسندها يقوم على محورين :
الأول : اعتراض يختص بالمتن المذكور في صحيح مسلم ، إذ أنه لا يتضمن حثا من رسول الله (ص) على التمسك بأهل البيت ، وقد صرح الكاتب بذلك في كتاب آخر له حينما قال : " فالذي أمر بالتمسك به كتاب الله وأما أهل بيت النبي (ص) فأمر برعايتهم وإعطائهم حقوقهم التي أعطاهم الله تبارك وتعالى إياها " .

والرد على هذا واضح بملاحظة صحة الخبر باللفظ الذي رواه الحاكم : " أيها الناس إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي " .

ولنا مع ذلك وقفة مع الحديث بلفظ مسلم .
إذ من الواضح أن رسول الله (ص) كان في غدير خم في مقام وصية المسلمين ، لأنه قد ذكر لهم اقتراب أجله الشريف أولا ، ثم بين لهم أنه قد ترك لهم أمرين فقال (ص) : " وأنا تارك فيكم ثقلين " فالقرآن وأهل البيت (ع) كلاهما ثقل ، وقد بين النووي في شرحه لصحيح مسلم معنى الكلمة حينما قال : " ثقلين سميا بذلك لعظمهما وكبر شأنهما وقيل لثقل العمل بهما " (1).

وقال ابن الأثير في ( النهاية ) : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ، سماهما ثقلين لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل ، ويقال لكل خطير ( نفيس ) ثقل فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما " (2) .

 

(1) شرح صحيح مسلم للنووي ج15ص180 .
(2) النهاية لابن الأثير ج1 ص211 . والعجب من الألباني حينما ينقل عبارة ابن الأثير " لأن الأخذ بهما " يضع بين قوسين بعدها يعني الكتاب والسنة تفسيرا لضمير التثنية في حين أنه من الواضح أن ابن الأثير نقل رواية كتاب الله وعترتي ، اعتقد لا يمكن أن تجد أوضح من هذا التعصب وإخفاء الحقائق ، راجع السلسلة الصحيحة ج4 ص360.

 
 

-ج 2 ص 15 -

والمعنى يفهم من عدة قرائن أساسية وهي :
1- رسول الله (ص) يوصي بشأن خطير وبأمرين ، فكيف يقصد بأحدهما أنه أساس للهداية بعد رسول الله (ص) ولا يكون الثاني كذلك مع أنه (ص) جعلهما في سياق واحد وعبر عنهما بعبارة تدل على اتحادهما في النفاسة ، فمن الجلي أن المعنى الذي أراده رسول الله (ص) وهو يتحدث عن أهل البيت (ع) يحمل أكثر من مجرد حسن التعامل معهم (ع) .

2- التعبير عن العترة بأنها ثقل ، فإذا كان المعنى الذي ذكره الكاتب هو المقصود فلا حاجة أن يعبر عن العترة بأنها ثقل آخر ، فمن أين اكتسبت العترة وصف الثقل إن كان المقصود مجرد حسن التعامل معهم .

ثم ما هي الصعوبة في حسن التعامل مع أهل البيت (ع) حتى يسمون ثقلا ؟ أليس الثقل هو ثقل العمل بالحق سواء المتضمن في الكتاب أو الموجود عن العترة ؟

3- كونه (ص) ذكرهم كعدل للقرآن لا يمكن إن يفهم منه إلا مدخليتهم في الهداية ، لذا مثل الملا علي القاري في كتابه ( مرقاة المفاتيح ) يقول : " فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته " (1) .

وقال الألباني : " فتبين أن المراد بـ ( أهل البيت ) المتمسكين منهم بسنته (ص) فتكون هي المقصود بالذات في الحديث ولذلك جعلها أحد ( الثقلين ) في حديث زيد بن أرقم المقابل للثقل الأول وهو القرآن " (2) .

وكما تلاحظ فإن هذه الدلالات تؤخذ من نص صحيح مسلم دون النظر إلى النصوص الأخرى الصريحة في كونهم (ع) مرجعية للدين والهداية .

 

(1) مرقاة المفاتيح ج10 ص 531 .

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص360 .  
 

-ج 2 ص 16 -

الثاني : اعتراض يتعلق بالمقصود من كلمة " عترتي أهل بيتي " .
فحديث صحيح مسلم المذكور في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب (ع) يظهر منه أن زوجات النبي (ص) من أهل البيت وكذلك بني هاشم الذين حرموا الصدقة بعده ، ونصه كالتالي : " … يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته ، قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده ، قال : ومن هم ؟ قال : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس ، قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟! ، قال : نعم " (1) .

ولكن العجب أن الرواية التالية لهذا الحديث مباشرة في صحيح مسلم ينفي زيد بن أرقم فيها أن تكون نساء النبي (ص) من أهل بيته فعن زيد بن أرقم قال : " دخلنا عليه فقلنا له لقد رأيت خيرا لقد صاحبت رسول الله (ص) وصليت خلفه " ، قال مسلم : وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان غير أنه قال : " ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله عز وجل هو حبل الله ، من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة وفيه فقلنا من أهل بيته نساؤه قال : لا وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده " (2) .

والحديثان في الظاهر متناقضان ، وهو ما أوقع النووي شارح مسلم في حيرة تجلت بقوله : " فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال : نساؤه لسن من أهل بيته فتتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم وأمر باحترامهم وإكرامهم وسماهم ثقلا ووعظ

 

(1) صحيح مسلم ج4 ص 1873 .

(2) المصدر السابق ج4 ص 1874 .  
 

-ج 2 ص 17 -

 في حقوقهم وذكر ، فنساؤه داخلات في هذا كله ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة بعده ، وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة فاتفقت الروايتان " (1) .

نقول : المهم في كلامه الإقرار بأن حديث الثقلين لا يتعلق بالنساء ، والقارئ ملتفت إلى أن هذه الروايات تبقى متناقضة إذ كيف يقول زيد بن أرقم في نفس الوقت لنفس السائل الراوي أن نساؤه من أهل بيت النبي (ص) وفي نفس الوقت يقسم بالله تعالى أنهن لسن من أهل البيت ؟

نعم ، قد يتفق الحديثان إذا وضعت علامة استفهام بعد قول زيد بن أرقم نساؤه من آل بيته ؟ ثم يكمل : ولكن ، فهو استفهام استنكاري ، ويصبح معنى لكن الاستدراك في الكلام ، فهو ينكر على السائل أن زوجات النبي (ص) من أهل البيت .

يبقى من الواضح أن علماء السنة حاولوا على مدى التاريخ صرف عبارة العترة وأهل البيت عن معناه الذي فسره به رسول الله (ص) - كما في الصحاح - بالخمسة أصحاب الكساء ، وصرف إلى معنيين آخرين ، الأول : معنى شاملا لزوجاته ، والثاني : لقرابته الآخرين وأبناء عمومته .

ومن الواضح أن زيد ينفي كون المقصود النساء نفيا قاطعا ، ويحاول أن يقول أن المقصود هو المعنى الثاني ، ولكن ما علاقة من حرم الصدقة كي يكون بحيث يذكرون كعدل للقرآن الكريم ، فالحديث عن مرجعية الدين كما هو صريح النص ، وكما صرح بدلالته على ذلك كل من القاري والألباني وقد مرت كلمتهما في ذلك .

وعند تتبع النصوص الواردة في مصادر أهل السنة ترى أن رسول الله (ص) حدد المقصود بأهل البيت في عدة روايات حينما قال (ص) : " اللهم هؤلاء أهل بيتي "

 

(1) صحيح مسلم بشرح النووي ، المجلد الثامن ج15 ص 180 .

 
 

-ج 2 ص 18 -

مشيرا إلى علي وفاطمة وابناهما ، فهنا معنى عينه الشارع واصطلح عليه لأهل البيت بذلوا أقصى الجهد لإخفائه على مدى تاريخ الإسلام الطويل .

ويكفي أن ترجع إلى صحيح مسلم لمعرفة ذلك وذلك في موردين :
الأول : ما رواه في باب فضائل أهل بيت النبي (ص) عن عائشة أنها قالت : خرج النبي (ص) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم جاء الحسين فدخل معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1) .

وروى نحوه الحاكم النيسابوري عن عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت في بيتي نزلت : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، قالت : فأرسل رسول الله (ص) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : هؤلاء أهل بيتي .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ، وقال الذهبي : على شرط البخاري (2) .

الثاني : ما رواه في باب من فضائل علي بن أبي طالب عن سعد بن أبي وقاص قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال : ما منعك أن تسب أبا التراب ؟ فقال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله (ص) فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم … ولما نزلت هذه الآية : فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال : " اللهم هؤلاء أهلي " (3) .

 

(1) صحيح مسلم ج4 ص1883 .

(2) المستدرك على الصحيحين ج3ص158 . (3) صحيح مسلم ج4 ص1871 .  
 

-ج 2 ص 19 -

وروى نحوه الترمذي عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : لما أنزل الله هذه الآية ( تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب صحيح (1) .

وبذلك تنحصر لفظة أهل البيت بعلي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين (ع)، فتفسير رسول الله مقدم على تفسير الصحابة وفهمهم لأحاديثه (ص) .

ولم يخل أهل السنة من علماء منصفين في هذا الأمر ، فقد صرح المناوي في ( فيض القدير ) بأنهم المقصودون قائلا : " ( أهل بيتي ) تفصيل بعد إجمال بدلا أو بيانا وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " (2) .

 

(1) سنن الترمذي ج5 ص225 .

(2) فيض القدير ج3 ص 18 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب