النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 175

59- سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم

قيل : " ومرة يروون- أي أهل السنة- أنه- أي النبي (ص) سها في صلاته فلم يدر كم صلى من ركعة " .
قال الكاتب : نعم روينا هذا فكان ماذا ؟ والشيعة يروون مثل هذا ... وذكر بعض ما ورد في مصادر الشيعة من حديث سهو النبي (ص) في الصلاة.

نقول : لا يصح لكاتب أن يعتمد في تحديد عقيدة قوم ومذهب على مجرد وجود روايات في مصادرهم ، وإلا لن يبقى هناك مقياس علمي لتمييز عقائد هذه الجماعة عن غيرها .
فالروايات تخضع أولا لدراسة العلماء وتمحيصها ومناقشة التعارض الموجود ورفعه ثم يقال بعد ذلك أنها معتمدة عند هذا الفريق في تحديد بعض الأمور العقائدية أم لا .
ولذا يجب تتبع مناقشة علماء الطائفة لما ورد في مصادرهم وتحديد المقبول منها عندهم عن غيره .

وقد جمع العلامة المجلسي كلمات العلماء السابقين في موسوعته العظيمة ( بحار الأنوار ) قال بعد أن ذكر أن الاختلاف الواقع في باب العصمة بين علماء الفريقين يرجع إلى أقسام أربعة :

- ج 2 ص 176 -

" وأما النوع الرابع وهو الذي يقع في أفعالهم فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال : الأول : مذهب أصحابنا الإمامية وهو أنه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرة ولا كبيرة ولا عمدا ولا نسيانا ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه ولم يخالف فيه إلا الصدوق وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد رحمهما الله فإنهما جوزا الإسهاء لا السهو الذي يكون من الشيطان ، وكذا القول في الأئمة الطاهرين " (1) .

ولتوضيح رأي الشيخ الصدوق ، وتفريقه بين السهو والإسهاء ، ننقل ما قاله في ( من لا يحضره الفقيه ) :
" إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي (ص) يقولون لو جاز أن يسهو (ع) في الصلاة جاز أن يسهو في التبليغ لأن الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة ، وهذا لا يلزمنا وذلك لأن جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي (ص) فيها ما يقع على غيره ، وهو متعبد بالصلاة كغيره ممن ليس بنبي ، وليس كل من سواه بنبي كهو فالحالة التي اختص بها هي النبوة والتبليغ من شرائطها ، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة لأنها عبادة مخصوصة والصلاة عبادة مشتركة وبها تثبت له العبودية وبإثبات النوم له عن خدمة ربه عز وجل من غير إرادة له وقصد منه إليه نفى الربوبية عنه لأن الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله الحي القيوم ، وليس سهو النبي (ص) كسهونا لأنه سهو من الله عز وجل ، وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ ربا معبودا دونه ، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا ، وسهونا من الشيطان ، وليس للشيطان على النبي (ص) والأئمة صلوات الله عليهم سلطان إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وعلى من تبعه من الغاوين ، ويقول الدافعون لسهو النبي (ص) وإنه لم يكن في الصحابة من

 

(1) بحار الأنوار ج 11ص89 .

 
 

- ج 2 ص 177 -

يقال له ذو اليدين وأنه لا أصل للرجل ولا للخبر ، وكذبوا لأن الرجل معروف وهو أبو محمد عمير بن عبد عمر والمعروف بذي اليدين ، وقد نقل عنه المخالف والمؤالف ، وقد أخرجت عنه أخبارا في كتاب وصف قتال القاسطين بصفين .

وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رحمه الله) يقول : أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي (ص) ولو جاز أن ترد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن نرد جميع الأخبار ، وفي ردها إبطال الدين والشريعة ، وأنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب متفرد في إثبات سهو النبي (ص) والرد على منكريه إن شاء الله تعالى " (1) .

وظاهر الطبرسي في تفسيره موافقتهما حيث قال :
" وأما النسيان والسهو فلم يجوزوهما عليهم فيما يؤدونه عن الله تعالى ، وأما ما سواه فقد جوزوا عليهم أن ينسوه أو يسهو عنه مالم يؤدي ذلك إلى الاخلال بالعقل " (2) .

والعلامة المجلسي يظهر منه التوقف في البداية فيقول :
" وإنما أوردت هذه الكلمات منها لتطلع على مذاهبهم في العصمة ، فإذا أحطت خبرا بما تلونا عليك ، فاعلم أن هذه المسألة في غاية الاشكال لدلالة كثير من الآيات والأخبار على صدور السهو عنهم (ع) نحو قوله تعالى ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) ، وقوله تعالى ( وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) وقوله تعالى ( فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ) وقوله ( فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) وقوله ( لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) وقوله ( فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ ) ، وما أسلفنا من الأخبار وغيرها وإطباق الأصحاب إلا

 

(1) من لا يحضره الفقيه ج1ص234 .

(2) مجمع البيان ج2 ص317 .  
 

- ج 2 ص 178 -

ما شذ منهم على عدم جواز السهو عليهم ، مع دلالة بعض الآيات والأخبار عليه في الجملة وشهادة بعض الدلائل الكلامية والأصول المبرهنة عليه ، مع ما عرفت في أخبار السهو من الخلل والاضطراب وقبول الآيات للتأويل ، والله يهدي إلى سواء السبيل " (1) .

لكنه رجع وقال على نحو واضح بعد نقل كلام للسيد المرتضى :
" ويظهر منه عدم انعقاد الإجماع من الشيعة على نفي مطلق السهو عن الأنبياء (ع) وبعد ذلك كله فلا معدل عما عليه المعظم لوثاقة دلائلهم وكونه أنسب بعلو شأن الحجج (ع) ورفعة منازلهم " (2) .

وأما الروايات التي نقلت من مصادر الشيعة فقد درسها علماء الشيعة والتفتوا إليها وعلقوا عليها ، وكان الشيخ المفيد أول من علق عليها وناقشها بشكل واضح ومفصل ، ففي رسالة خاصة بالرد على من قال بسهو النبي (ص) - نقلها العلامة المجلسي في ( البحار ) - قال معلقا على الروايات الواردة والمثبتة لسهو النبي (ص) :
" من أخبار الآحاد التي لا تثمر علما ولا توجب عملا ومن عمل على شيء منها فعلى الظن يعتمد في عمله بها دون اليقين " (3) .

ثم أخذ الشيخ المفيد في ذكر إشكالات مفصلة على الروايات الواردة في مصادر الشيعة والسنة .
وكذلك نقل العلامة المجلسي أراء وأقوال كبار علماء الطائفة ، وكذلك تعليقاتهم على الأخبار الواردة ، منهم الشيخ الطوسي بعد أن ذكر في ( البحار ) خبر

 

(1) بحار الأنوار ج17 ص 118 .

(2) المصدر السابق ج17 ص 120 . (3) المصدر السابق ج17 ص122 .  
 

- ج 2 ص 179 -

( التهذيب ) الذي يذكر جواب الباقر (ع) على من سأله : هل سجد رسول الله (ص) سجدتي السهو قط ؟ فقال (ع) : " لا ، ولا سجدهما فقيه " :
" قال الشيخ رحمه الله في ( التهذيب ) بعد إيراد هذا الخبر : الذي أفتي به ما تضمنه هذا الخبر ، فأما الأخبار التي قدمناها من أن النبي (ص) سها فسجد فإنها موافقة للعامة ، وإنما ذكرناها لأن ما يتضمنه من الأحكام معمول بها على ما بيناه .

وقال رحمه الله في مقام آخر في الجمع بين الأخبار : مع أن في الحديثين الأولين ما يمنع من التعلق بهما ، وهو حديث ذو الشمالين وسهو النبي (ص) وهذا مما تمنع العقول منه .

وقال رحمه الله في ( الاستبصار ) بعد ذكر خبرين من الأخبار السابقة : مع إن في الحديثين ما يمنع من التعلق بهما ، وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي (ص) وذلك مما يمنع منه الأدلة القاطعة في أنه لا يجوز عليه السهو والغلط " (1) .

واستمر المجلسي في نقل تعليقات علماء آخرين فقال :
" وقال المحقق – أي الحلي – رحمه الله في ( النافع ) : والحق رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة .
وقال الشيخ المفيد نور الله ضريحه فيما وصل إلينا من شرحه على عقائد الصدوق (رض): فأما نص أبي جعفر رحمه الله بالغلو علىمن نسب مشايخ القميين وعلمائهم إلى التقصير فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلو الناس إذا ، وفي جملة المشار إليهم بالشيخوخة والعلم من كان مقصرا وإنما يجب الحكم بالغلو على من نسب المحققين إلى التقصير سواء كانوا من أهل قم أو غيرها من البلاد وسائر الناس ، وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد رحمه الله لم

 

(1) بحار الأنوار ج 17ص102 .

 
 

- ج 2 ص 180 -

نجد لها دافعا في التقصير ، وهي ما حكي عنه أنه قال : أول درجة الغلو نفي السهو عن النبي (ص) والإمام (ع) ، فإن صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصر ، مع أنه من علماء القميين ومشيختهم ، انتهى كلامه زاد الله إكرامه .

وقال العلامة – أي الحلي – في ( المنتهى ) في مسألة التكبير في سجدتي السهو : احتج المخالف بما رواه أبو هريرة عن النبي (ص) قال : ثم كبر وسجد والجواب هذا الحديث عندنا باطل لاستحالة السهو على النبي (ص) .
وقال في مسألة أخرى : قال الشيخ : وقول مالك باطل لاستحالة السهو على النبي (ص) .

وقال الشهيد رحمه الله في ( الذكرى ) : وخبر ذي اليدين متروك بين الامامية لقيام الدليل العقلي على عصمة النبي (ص) عن السهو لم يصر إلى ذلك غير ابن بابويه " (1) .

وأما بالنسبة إلى من تأخر عن العلامة المجلسي من علمائنا ، فقد قال الحر العاملي في ( الوسائل ) بعد أن ذكر بعض الروايات المروية في مصادر الشيعة :
" ذكر السهو في هذا الحديث وأمثاله محمول على التقية في الرواية ، كما أشار إليه الشيخ وغيره ، لكثرة الأدلة العقلية والنقلية على استحالة السهو عليه مطلقا ، وقد حققنا ذلك في رسالة مفردة ، وذكرنا لذلك محامل متعددة " (2) .

وقال الشيخ محمد حسن النجفي في كتابه ( جواهر الكلام ) :
" فما يظهر من بعض متأخري المتأخرين من الميل إليه أخذا بظواهر بعض الأخبار الموافقة للعامة المعارضة بأقوى منها المعرض عنها بين قدماء الأصحاب ومتأخريهم إعراضا يسقطها عن الحجية إنما نشأ من اختلال الطريقة … " ، إلى أن قال :

 

(1) بحار الأنوار ج 17 ص 110 .

(2) وسائل الشيعة ج5 ص308 .  
 

- ج 2 ص 181 -

" بل معتضدة بما دل على بطلان الصلاة بالحدث مثلا والاستدبار ونحو ذلك خالية عما اشتملت عليه جملة من تلك الأخبار من سهو النبي (ص) المخالف لقواعد الامامية العقلية " (1) .

وقال السيد عبد الله شبر في (حق اليقين ) :
" اعلم أن بعض علمائنا كالصدوق واستاذه …ذهبا إلى جواز السهو على النبي (ص) واستندا في ذلك إلى بعض الأخبار الشاذة الموافقة للعامة وإن رويت بطرق عديدة …"
واستعرض تلك الطرق ثم قال :
" وهذه الأخبار مع مخالفتها لاجماع الشيعة المحقة بل ضرورة المذهب وشذوذها وموافقتها لمذهب العامة الذين أمرنا بخلافهم يقع الكلام فيها من وجوه …" (2) .
ثم أخذ في ذكر إشكالات عديدة على الروايات .

وقال السيد الخوئي في ( مستند العروة الوثقى ) :
" هذا وربما يستدل أيضا بجملة من الروايات الواردة في سهو النبي (ص) في صلاة الظهر وتسليمه على الركعتين المشتملة على قصة ذي الشمالين وأنه (ص) بعد أن سأل القوم وتثبت من سهوه تدارك الركعتين ثم سجد سجدتي للسهو ، وفي بعضها كصحيح الأعرج التصريح بأنه (ص) سجد سجدتين لمكان الكلام .

وفيه أولا : أن هذه الروايات في نفسها غير قابلة للتصديق وإن صحت أسانيدها لمخالفتها لأصول المذهب على أنها معارضة في مؤداها بموثقة زرارة المصرحة بأنه (ص) لم يسجد للسهو ... " (3) .

 

(1) جواهر الكلام ج 12ص264 .

(2) حق اليقين ص93 . (3) مستند العروة الوثقى ج6 ص329 .  
 

- ج 2 ص 183 -

وقال العلامة السبحاني في ( مفاهيم القرآن ) :
" ومع ذلك كله فهذه النظرية مختصة به وبشيخه ابن الوليد ومن تبعهما كالطبرسي في مجمعه على ما سيأتي ، والمحققون من الإمامية متفقون على نفي السهو عنه في أمور الدين حتى مثل الصلاة " (1) .

وأما ما روي عن الإمام الرضا (ع) كما في ( عيون أخبار الرضا ) في لعن القوم الذين يزعمون أن النبي لم يقع عليه السهو في الصلاة فهي رواية ضعيفة السند (2) .
فتميم القرشي الراوي ضعفه ابن الغضائري (3) ، وأبوه مجهول وكذلك أحمد بن علي الأنصاري .
بل الخبر مرفوض من قبل علماء الشيعة وإن فرض وجوده بأسانيد صحيحة في بعض مصادر الشيعة ، وبعضهم حمل صدورها من المعصوم (ع) على التقية .

فخبر أبي بكر الحضرمي الذي نقله الكاتب عن ( التهذيب ) ذكره الشيخ الطوسي مع خبر آخر فبعد أن قال : " ومن سهى في فريضة الغداة و المغرب أعاد " ، استدل على ذلك ببعض الأخبار ثم نقل خبر أبي بكر قائلا :
" وأما ما رواه سعد ... فليس في هذين الخبرين ما ينافي ... والذي يكشف عما ذكرناه ما رواه سعد عن أيوب ... فبين (ع) في هذا الخبر أن من لا يدري ما صلى يجب عليه الإعادة حسب ما قدماه مع أن الحديثين الأولين ما يمنع من التعلق بهما وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي (ص) وهذا ما تمنع العقول منه ... " (4) .

 

(1) مفاهيم القرآن ج5 ص 190 .
(2) عيون أخبار الرضا ص326 .
(3) الرجال لابن الغضائري ص 45 .

(4) تهذيب الأحكام ج2 ص 180 ، والخبر فيه قول الصادق (ع) : " إن رسول الله (ص) سهى فسلم في ركعتين ، ثم ذكر حديث ذي الشمالين ، فقال : ثم قام فأضاف إليها ركعتين " .  
 

- ج 2 ص 183 -

والخبر الآخر الذي روي عن زيد وفيه أن (ص) صلى خمسا ونقل عن ( التهذيب ) أيضا ، علق عليه الشيخ قائلا :
" هذا خبر شاذ لا يعمل عليه لأنا قد بينا أن ممن زاد في الصلاة وعلم ذلك يجب عليه استئناف الصلاة ، وإذا شك فإنه يسجد السجديتين المرغمتين ، ويجوز أن يكون (ع) فعل ذلك لأن قول واحد له لم يكن مما يقطع به ، ويجوز أن يكون كان غلطا منه وإنما سجد السجدتين احتياطا " (1) . وغلطا منه من قول الواحد .
والحق أنه من أخبار الزيدية التي تسربت إلى مصادرنا .
وأما الشيخ الصدوق فقد مر بك تخطئة كل من جاء بعده له .

وأما الآيات التي ذكرها دليلا على سهو النبي (ص) فقد أجاب عنها العلامة الشيخ جعفر السبحاني جوابا شافيا في كتابه ( مفاهيم القرآن الكريم ) : " إن بعض المخطئة استدلت على تطرق الخطأ والنسيان إلى النبي (ص) ببعض الآيات غافلة عن أهدافها ، وإليك تحليلها :
1- قال سبحانه وتعالى ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (2) .
زعمت المخطئة أن الخطاب للنبي (ص) وهو المقصود منه ، غير أنها غفلت عن أن وزان الآية وزان سائر الآيات التي تقدمت في الأبحاث السابقة وقلنا بأن الخطاب للنبي ولكن المقصود منه هو الأمة ويدل على ذلك ، الآية التالية لها قال تعالى ( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (3) ، فان المراد أنه

 

(1) تهذيب الأحكام ، ج2 ص 350 ، والخبر فيه عن علي (ع) قال : " صلى بنا رسول الله (ص) الظهر خمس ركعات ثم انفتل ، فقال له بعض القوم : يا رسول الله هل زيد في الصلاة شيء ؟ ... " .

 
(2) الأنعام 68 . (3) الأنعام 69 .
 

- ج 2 ص 184 -

ليس على المؤمنين الذين اتقوا معاصي سبحانه من حساب الكفرة شيء بحضورهم مجلس الخوض ، وهذا يدل على أن النهي عن الخوض تكليف عام يشترك فيه النبي و غيره ، وإن الخطاب للنبي لا ينافي كون المقصود هو الأمة .
والأوضح منها دلالة على أن المقصود هو الأمة قوله سبحانه ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) (1) .
والآية الأخيرة مدنية ، والآية المتقدمة مكية ، وهي تدل على أن الحكم النازل سابقاً متوجه إلى المؤمنين ، وأن الخطاب وإن كان للنبي لكن المقصود منه غيره .

2- ( وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) (2) ، والمراد من النسيان نسيان الاستثناء ( إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ ) ، ووزان هذه الآية ، وزان الآية السابقة في أن الخطاب للنبي والمقصود هو الأمة .

3- ( سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) (3) ، ومعنى الآية سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة فلا تنسى ما تقرأه ، لكن المخطئة استدلت بالاستثناء الوارد بعده ، على إمكان النسيان ، لكنها غفلت عن نكتة الاستثناء ، فإن الاستثناء في الآية نظير الاستثناء في قوله تعالى ( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ

 

(1) النساء 140 .

(2) الكهف 23-24 . (3) الاعلى6-7 .  
 

- ج 2 ص 185 -

عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) (1) ، ومن المعلوم أن الوارد إلى الجنة لا يخرج منها ، ولكن الاستثناء لبيان أن قدرة الله بعد باقية ، فهو قادر على الاخراج مع كونهم مؤبدين في الجنة ، وأما الآية فالاستثناء فيها يفيد بقاء القدرة الإلهية على إطلاقها ، وإن عطية الله أعني الإقراء بحيث لا تنسى لا ينقطع عنه سبحانه بالإعطاء بحيث لا يقدر بعد على إنساءك بل هو باق على إطلاق قدرته فلو شاء أنساك متى شاء ، وإن كان لا يشاء ذلك .

وبما أن البحث مركز على عصمة النبي الأعظم من الخطأ والنسيان دون سائر الأنبياء ذكرنا الآيات التي استدلت بها المخطئة على ما تتبناه في حق النبي الأكرم ، وأما بيان الآيات التي يمكن أن يستدل بها على إمكان صدور السهو والنسيان عن سائر الأنبياء وتفسيرها فمتروك إلى مجال آخر .

ونقول على وجه الإجمال أنه تستظهر من بعض الآيات صحة نسبة النسيان إلى غير النبي الأعظم أعني قوله سبحانه وتعالى ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) (2) ، وقوله سبحانه في حق موسى ( فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ) (3) ، وقوله سبحانه أيضا عنه ( فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) (4) ، وقوله عز وجل في حقه أيضا ( قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) (5) ، لكن البحث في هذه الآيات موكول إلى مجال آخر " (6) .

ونقول كلمة النسيان في الآيات المتعلقة بآدم وموسى (ع) حملت عند الأغلب على النسيان بمعنى الترك .

 

(1) هود / 108

(2) طه / 115 (3) الكهف / 61 (5) الكهف / 73 (4) الكهف/ 63  
(6) مفاهيم القرآن الكريم ج5 ص 188-189 .
 

- ج 2 ص 186 -

وقد وردت الكلمة بهذا المعنى في قوله تعالى ( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) (1) ، قال ابن الجوزي في ( زاد المسير ) :
" ( أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ) أي فتركتها ولم تؤمن بها ، وكما تركتها في الدنيا تترك اليوم في النار " (2) .

وقال ابن كثير في تفسيره :
" ( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسييتها وأعرضت عنها وأغفلتها كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك ( فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا ) ، فإن الجزاء من جنس العمل " (3) .

وعليه يكون المعنى في قصة آدم (ع) فترك ولم نجد له عزما ، ولذا ورد في تفسير العياشي عن أحدهما (ع) إنه سأل كيف أخذ الله آدم بالنسيان ؟ فقال : إنه لم ينس ، وكيف ينسى وهو يذكره ويقول له إبليس ( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) " (4) .

فمعنى المنقول عن الإمام (ع) أنه كيف يكون النسيان بمعنى الغفلة عن النهي وإبليس يصرح في كلامه بذكر النهي الإلهي ويعلل النهي ، فلا بد أن يكون المعنى ترك ما كان يجب أن يفعله من اجتناب الشجرة ، وهو إما جائز على آدم (ع) قبل النزول للأرض أو من ترك الأولى الذي نجيز صدروه من الأنبياء (ع) وهو لا يضر بعصمتهم ، عموما هي مسألة أخرى وحديثنا هنا عن النسيان فقط .

 

(1) طه / 126 .
(2) زاد المسير ج5 ص 245 .

(3) تفسير ابن كثير ج3 ص178 .
(4) تفسير العياشي ج2 ص 9 ، والآية من سورة الأعراف / 20 .
 
 

- ج 2 ص 187 -

وكذلك الآيات المذكور في قصة موسى (ع) والعبد الصالح ، فالنسيان فيها بمعنى الترك ، والمعنى لا تؤاخذني بما تركت من تعهدي بالصبر وعدم السؤال ، المفهوم من قوله تعالى ( قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا ) وقوله تعالى ( فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ) أي لا تؤاخذني لتركي الصبر والسؤال عن الأمر .

ولا ندعي أن الأنبياء (ع) لا يصدر منهم ما كان الأولى تركه ، وهذا المورد منها ، والذي يبعد ان يكون النسيان بالمعنى المعهود عدم إمكان تحقق النسيان من موسى مع هذا الفاصل الزمني القصير وتكرر الأمر ، فهو ذاكر للأمر ولكن هول الأمر جعله يتدخل ويسأل تاركا ما قاله في البدء .

ومع ذلك هناك من احتمل أن يكون النسيان بمعناه المعهود ، قال السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء :
" وأما قوله ( لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة :
أحدها : أنه أراد النسيان المعروف ، وليس بعجب مع قصر المدة ، فإن الإنسان قد ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب وغيره .
والوجه الثاني : أنه أراد لا تأخذني بما تركت ، ويجري مجرى قوله تعالى ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) أي ترك ، وقد روي هذا الوجه عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله (ص) قال : قال موسى ( لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) يقول بما تركت من عهدك .
والوجه الثالث : إنه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان ، وسماه نسيانا للمشابهة ...

- ج 2 ص 188 -

وإذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها ، وإذا حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه أن النبي (ص) إنا لا يجوز عليه النسيان عن الله تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير فأما فيما هو خارج عما ذكرناه فلا مانع من النسيان " (1) .
فالظاهر من السيد المرتضى أنه يرحج الثاني وإن لا يقطع برفض الثالث .

وقال السيد الطباطبائي في ( الميزان ) :
" والمعنى لا تؤاخذني بنسياني الوعد وغفلتي عنه و لاتكلفني عسرا من أمري ، وربما يفسر النسيان بمعنى الترك والأول أظهر " (2) .

وقال الشيخ ناصر مكرام الشيرازي في ( الأمثل ) :
" لا يوجد ثمة مانع من الاصابة بالنسيان في المسائل والموراد التي لا ترتبط بالأحكام الإلهية والأمور التبليغية ، أي في مسائل الحياة العادية ( خاصة في الموارد التي لها طابع الاختبار كما هو الحال في موسى هنا .. ) " (3) .
ويمكن أن يقال ذلك بالنسبة إلى قوله تعالى عن يوشع بن نون ( فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ) (4) ولكن يبعده قوله تعالى ( وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) ، فذكر كلمة الذكر كمقابل للنسيان يبعد أن يكون النسيان هنا بمعنى الترك .
نعم يرد إشكال آخر في نسبة نسيان يوشع إلى الشيطان ، قال السيد الطباطبائي في الميزان جوابا عن ذلك :

 

(1) تنزيه الأنبياء ص 121 .
(2) الميزان في تفسير القرآن ج13 ص 344 .

(3) الأمثل ج9 ص 225 .
(4) الكهف / 63 .
 
 

- ج 2 ص 189 -

" ولا ضير في نسبة الفتى نسيانه إلى تصرف من الشيطان بناء على أنه كان يوشع بن نون النبي ، والأنبياء في عصمة إلهية من الشيطان لأنهم معصومون مما يرجع إلى المعصية ، وأما مطلق إيذاء الشيطان فيما لا يرجع إلى معصية فلا دليل يمنعه قال تعالى ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) " (1) .


فوات صلاة الفجر على النبي (ص)
قيل : ويروون أنه (ص) كان يصبح جنبا في رمضان فتفوته صلاة الفجر .
قال ردا على ذلك : هذا كذب ... والحديث الذي في البخاري ليس فيه أنه تفوته صلاة الفجر فزادها من عند نفسه .

نقول : الخبران في الصحاح ، فروايات الاصباح جنبا رواها الشيخان في صحيحيهما ، ورواية مسلم عن أبي بكر قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقص يقول في قصصه : من أدركه الفجر جنبا فلا يصم ، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث ( لأبيه ) فأنكر ذلك ، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة (رض) فسألهما عبد الرحمن عن ذلك ، قال : فكلتاهما قالت : كان النبي (ص) يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم قال : فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمن ، فقال مروان : عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول ، قال : فجئنا أباهريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله ، قال فذكر له عبد الرحمن ، فقال أبوهريرة : أهما قالتاه لك ، قال : نعم ، قال : هما أعلم ، ثم رد أبوهريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس فقال أبوهريرة : سمعت ذلك

 

(1) الميزان ج13 ص 341 ، والآية 41 من سورة ص .

 
 

- ج 2 ص 190 -

من الفضل ولم أسمعه من النبي (ص) ، قال فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك ، قلت لعبد الملك : أقالتا في رمضان قال :كذلك ، كان يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم " (1) .

وكذلك رواية فوات صلاة الفجر على رسول الله (ص) مذكورة في الصحيحين ، فقد ذكر البخاري في كتاب الصلاة باب مواقيت الصلاة وفضلها باب الأذان بعد ذهاب الوقت عن أبي قتادة :
" قال سرنا مع النبي (ص)ليلة فقال بعض القوم لو عرست بنا يا رسول الله قال أخاف أن تناموا عن الصلاة قال بلال أنا أوقظكم فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام فاستيقظ النبي (ص)وقد طلع حاجب الشمس فقال يا بلال أين ما قلت ، قال ما ألقيت علي نومة مثلها قط " (2) .

عموما ما دام الخبران مذكورين في الصحيحين فلا داعي لتهويل خطأ أنهما ليسا حديثا واحدا بل حديثان ، ولعل الخطأ نتج من وضع الفاء بدل الواو ، فالمقصود أنهم يروون أنه (ص) كان يصبح جنبا في رمضان وتفوته صلاة الفجر أي ويروون كذلك أنه (ص) كانت تفوته صلاة الفجر .

نعم قد يناقش في خبر نوم النبي (ص) عن صلاة الفجر لذكره في مصادر الشيعة فقد قال الشهيد في ( الذكرى ) :
" روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (ع) قال : قال رسول الله (ص) إذا دخل وقت المكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة قال : فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم

 

(1) صحيح مسلم ج 2 ص 779 ، وذكره البخاري مختصرا في صحيحه ج3 ص38 .
(2) صحيح البخاري ج1ص154 ، وذكره مسلم أيضا في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب قضاء الصلاة الفائتة ... ج1 ص471 ، وروي هذا المعنى عن آخرين غير أبي قتادة .

 
 

- ج 2 ص 191 -

بن عتيبة وأصحابه فقبلوا ذلك مني ، فلما كان في القابل لقيت أبا جعفر (ع) فحدثني أن رسول الله (ص) عرس في بعض أسفاره ، وقال : من يكلؤنا ، فقال بلال : أنا ، فنام بلال وناموا حتى طلعت الشمس ، فقال : يا بلال ما أرقدك ؟ فقال : يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم ، فقال رسول الله (ص) قوموا فتحولوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة ، وقال : يا بلال أذن ، فأذن فصلى رسول الله ركعتي الفجر وأمر أصحابه فصلوا ركعتي الفجر ، ثم قام فصلى بهم الصبح ، ثم قال : من نسي شيئا من الصلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله عز وجل يقول ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) (1) ...

ولم أقف على راد لهذا الخبر من حيث توهم القدح في العصمة ، وقد روى العامة عن أبي قتادة وجماعة من الصحابة في هذه الصورة أن النبي (ص) أمر بلالا فأذن ، فصلى ركعتي الفجر ، ثم أمره فأقام ، فصلى صلاة الفجر " (2) .

ونقل الحر العاملي قول الشيخ بهاء الدين : " والرواية المتضمنة لنومه (ص) صحيحة السند قد تلقاها الأصحاب بالقبول ، حتى قال الشهيد في الذكرى أنه لم نجد لها رادا ، فقبول من عدا الصدوق من الأصحاب لها شاهد صدق بأنهم لا يعدون ذلك سهوا والعرف يدل عليه " (3) .

وكذلك نقل العلامة المجلسي في ( البحار ) قول الشيخ البهائي قدس الله روحه بعد نقله لهذا الخبر وخبر ابن سنان وإن يظهر منه التردد في قبول قولهم ، قال :

 

(1) طه / 14 .

(2) الذكرى ص 134 . (3) التنبيه بالمعلوم ص59 .  
 

- ج 2 ص 192 -

" وربما يظن تطرق الضعف إليهما لتضمنها لما يوهم القدح في العصمة ، لكن قال شيخنا في ( الذكرى ) أنه لم يطلع على راد من هذه الجهة ، وهو يعطي تجويز الأصحاب صدور ذلك وأمثاله عن المعصوم ، وللنظر فيه مجال واسع " (1) .

وروى الكليني في ( الكافي ) محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران قال : سألته عن رجل نسي أن يصلي الصبح حتى طلعت الشمس قال : يصليها حين يذكرها فإن رسول الله (ص) رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ثم صلاها حين استيقظ ، ولكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلى " (2) .

وروى الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن النعمان عن سعيد الأعرج قال : سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : " نام رسول الله (ص) عن الصبح ، والله عز وجل أنامه حتى طلعت الشمس عليه وكان ذلك رحمة من ربك لنا سألا ترى لو أن رجلا نام حتى تطلع الشمس لعيره الناس ، وقالوا : لا تتورع لصلواتك ، فصارت أسوة وسنة ، فإن قال رجل لرجل : نمت عن الصلاة ، قال : قد نام رسول الله (ص) فصارت أسوة ورحمة رحم الله بها هذه الأمة " (3) .

وقد صرح العلامة المجلسي في ( مرآة العقول ) إن الخبر الأول موثق والثاني صحيح ثم قال :
" قوله (ع) أنامه أقول : نوم النبي (ص) كذلك أي فوت الصلاة مما رواه الخاصة والعامة وليس من قبيل السهو ، ولذا لم يقل بالسهو إلا شاذ ، ولم يرد ذلك أحد كما ذكره الشهيد s .

 

(1) بحار الأنوار ج17 ص108 .

(2) الكافي ج3 ص394 ، ح 8 . (3) المصدر السابق ج3 ص 394 ح9 .  
 

- ج 2 ص 193 -

فإن قيل : قد ورد في الأخبار إن نومه (ص) مثل يقظته ويرى في النوم ما يرى في اليقظة ، فكيف ترك (ص) الصلاة مع تلك الحال ؟! قلت : يمكن الجواب عنه بوجوه :
الأول : إن إطلاعه في النوم محمول على غالب أحواله ، فإذا أراد الله أن ينيمه كنوم ساير الناس لمصلحة فعل ذلك .
الثاني : أنه (ص) لم يكن مكلفا بهذا العلم كما كان يعلم كفر المنافقين ويعامل معهم معاملة المسلمين .
الثالث : أن يقال أنه (ص) كان في ذلك الوقت مكلفا بعدم القيام لتلك المصلحة ولا استبعاد فيه ، والأول أظهر " (1) .

وروى الصدوق في ( من لا يحضره الفقيه ) قال : الحسن بن محبوب عن الرباطي عن سعيد الأعرج قال : سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : إن الله تبارك وتعالى أنام رسول الله (ص) عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، ثم قام فبدأ فصلى الركعتين اللتين قبل الفجر ثم صلى الفجر ، وأسهاه في صلاته فسلم في الركعتين ثم وصف ما قاله ذو الشمالين ، وإنما فعل ذلك به رحمة لهذه الأمة لئلا يعير الرجل المسلم إذا هو نام عن صلاته أو سها فيها ، فقال : قد أصاب ذلك رسول الله (ص) " (2) .

وقد ذكر الصدوق طريقه إلى ابن محبوب في ( المشيخة ) قائلا : " وما كان فيه عن الحسن بن محبوب فقد رويته عن محمد بن موسى بن المتوكل (رض) عن عبدالله بن جعفر الحميري وسعد بن عبدالله عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب " (3) .
قال السيد الخوئي في ( المعجم ) : " والطريق صحيح " (4) .

 

(1) مرآة العقول ج15 ص 65 ، في المطبوع " لم يرو ذلك أحد " ، لا " لم يرد ... " كما ثبتنا .

 
(2) من لا يحضره الفقيه ج1 ص233 . (3) شرح مشيخة الفقيه ص 49 . (4) معجم رجال الحديث ج5 ص91 .
 

- ج 2 ص 194 -

والحسن بن محبوب وثقه الشيخ في فهرسته ورجاله وقال النجاشي : وعده الكشي من الفقهاء الذي أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم " (1)

والرباطي قال السيد الخوئي : " الظاهر أنه علي بن الحسن بن رباط المتقدم ترجمته " (2) ، وقال في ترجمته : " قال نجاشي : علي بن الحسن بن رباط البجلي أبو الحسن كوفي ثقة معول عليه " (3) .

وسعيد الأعرج قال النجاشي : " سعيد بن عبدالرحمن قيل بن عبدالله الأعرج السمان أبوعبدالله التيمي ( التميمي ) مولاهم كوفي ثقة " (4) .
فالخبر تام سندا ، ولكن رفض لما يتعلق بالسهو ينسحب على ما تضمنه من النوم عن الصلاة .

نعم رفض أستاذنا الكبير وشيخنا الجليل الشيخ جواد التبريزي حفظه الله تلك الروايات باعتبار مساسها بمكانة النبي بين الناس قال : " نقول : إن نوم النبي (ص) عن الصلاة حتى ولو لم يحصل منه أدنى ضرر فهو غير مقبول عندنا ، لأن عامة الناس لا يفهمون أن هذا النوم رحماني لا شيطاني فيقل اعتقادهم فيه (ص) وتؤدي نتيجة ذلك عكس المطلوب لما يثيره هذا الأمر من حالة التنفير منه (ص) .

فاعتقادنا هو أن النبي (ص) والأئمة (ع) وسائر الأنبياء (ع) معصومون عن السهو والاشتباه ونوم الغفلة ، فإن وقوعها منهم يستلزم نقض الغرض وخلاف الحكمة " (5) .

 

(1) معجم رجال الحديث ج5 ص 89 -90 .
(2) المصدر السابق ج23 ص 97 .
(3) المصدر السابق ج11 ص 326 .

(4) المصدر السابق ج 8 ص121 .
(5) رسالة في نفي سهو النبي (ص) ص 9 .
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب