|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 223 |
|
خامسا : آدم عليه السلام
وذكر ضمن استعراض روايات الشيعة التي تسيء لمقام
الأنبياء في نظره رواية تتعلق بحسد آدم (ع) للخمسة أصحاب
الكساء (ع) :
نقول : نقل
الرواية الصدوق عن عبدالواحد النيسابوري عن علي بن
محمد بن قتيبة عن حمدان بن سليمان عن عبدالسلام الهروي
قال : قلت للرضا (ع) يا ابن رسول الله أخبرني عن الشجرة
التي أكل منها آدم (ع) ... قال : ... فإياك أن تنظر
إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري ، فنظر إليهم بعين
الحسد وتمنى منزلتهم " (1) .
ونقل الخبر بسند آخر في ( معاني الأخبار ) (2) .
والخبر ضعيف ، فالسند الأول فيه عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار لم يذكر له توثيق صريح .
والثاني رواه الشيخ الصدوق عن شيخه أحمد بن محمد بن
الهيثم العجلي الثقة الذي نقله بسند ينتهي إلى المفضل
بن عمر ولكن سلسلة الرواة بينهما مجاهيل .
وتجد في مصادرنا ما يعارض هذا النقل
، فقد نقل العلامة
المجلسي في ( بحار الأنوار ) :
" … فلما رفعت – الحجب – إذا آدم بخمسة أشباح قدام
العرش فقال يا رب من هؤلاء قال : يا آدم هذا محمد نبيي
وهذا علي أمير المؤمنين ابن عم نبيي ووصيه وهذه
| |
(1) عيون أخبار الرضا ج1ص306 و معاني الأخبار ص124 . |
(2) معاني الأخبار ص 108 . |
|
|
فاطمة ابنة
نبيي وهذا الحسن والحسين ابنا علي وولدا نبيي ، ثم قال
يا آدم : هم ولدك ففرح بذلك " (1) .
فالرواية تصرح بأن آدم فرح لكونهم أبنائه ، بما لا
يتلاؤم مع الخبر السابق ، أو بما يشكل قرينة على
المعنى الحقيقي للحسد هنا .
فقد علق العلامة المجلسي على رواية ( عيون الأخبار )
بقوله :
" والمراد بالحسد الغبطة التي لم تكن تنبغي له
(ع)
ويؤيده قوله (ع) وتمنى منزلتهم " (2) .
وكذلك قال العلامة الطباطبائي في تفسيره ( الميزان ) :
" وقوله (ع) فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم فيه
بيان أن المراد بالحسد تمني منزلتهم دون الحسد الذي هو
أحد الأخلاق الرذيلة " (3) .
وليس هذا بمستغرب مع استخدام الكلمة بهذا المعنى في
الروايات الواردة عن رسول الله (ص) ، فقد روى البخاري
كتاب العلم باب الاغتباط في العلم قوله (ص) : " لا حسد
إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في
الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها "
(4) .
وعلق ابن حجر على لفظة الحسد في الرواية بقوله :
" وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة ، وأطلق
الحسد عليها مجازا وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما
لغيره من غير أن يزول عنه " (5) .
| |
(1) بحار الأنوار ج11ص 175 ، والظاهر إن النقل من كشف اليقين لابن طاووس لا
كشف اليقين للعلامة الحلي . |
|
(2) بحار الأنوار ج11ص165 .
(3) تفسير الميزان ج1ص144 . |
(4) صحيح البخاري ج1ص 28 .
(5) فتح الباري ج1ص 167 . |
|
ولكن يبقى هناك إشكال على هذا المطلب وهو أن الغبطة
ليست أمرا مذموما بل هو محمود إذا كان في أمر الخير
والآخرة ، فلذا كيف يمكن أن ينهى عنه الله عز وجل آدم
(ع) وكيف ينص الخبر على : " فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى
منزلتهم فتسلط عليه الشيطان " أو كما في الرواية
الثانية : " فلما أراد الله عز وجل أن يتوب عليهما
جاءهما جبريل فقال لهما : إنكما ظلمتما أنفسكما بتمني
منزلة من فضل عليكما … " .
وقد وجه العلامة المجلسي ألفاظ الرواية الثانية في (
البحار ) بقوله :
" بيان : لا يتوهم أن آدم (ع) صار يتمنى منزلتهم من
الظالمين المدعين لمنزلتهم على الحقيقة حتى يستحق بذلك
أليم النكال ، فإن في عده من الظالمين في هذا الخبر
نوعا من التجوز فإن من تشبه بقوم فهو منهم وتشبهه (ع)
بهم في التمني ومخالفة الأمر الندبي لا في ادعاء
المنزلة " (1) .
ولكن يبقى إشكال إن ألفاظ الخبر فيها نوع من الذم ،
ولا محل له إذا كان الأمر مجرد غبطة .
نقول : أن من أمور الخير ما يمكن أن يشترك به عدة
أشخاص وهذا محل للغبطة ولا إشكال فيه ، ولكن منها أيضا
ما لا يمكن أن يحصل عليه إلا شخص واحد أو أشخاص
معدودين كما هو الحال في السباق في الأمور الدينية
فإذا قيل أن هناك من سيحصل على المرتبة الأولى في حفظ
القرآن ، فالغبطة هنا يلزم منها تقدم شخص وتأخر آخر .
ولذا مثل هذه الغبطة قد يشوبها شيء ، فلذا الأولى تركه
، ونحن نؤمن بأن النبي (ص) يصدر منه ترك الأولى بما يوجب
تخلف درجته عن أنبياء آخرين .
| |
(1) بحار الأنوار ج11 ص174 . |
|
|
ثم قال الكاتب :
لم إذن عاقبهما الله على الأكل من الشجرة كما ذكر
القرآن إذا كان أصل العقوبة لنظرهما إلى الأئمة بعين
الحسد ؟
نقول : هذا مردود بشكل واضح لأن الرواية تصرح : " فنظر
إليهما بعين الحسد وتمني منزلتهم فتسلط عليه الشيطان
حتى أكل من الشجرة " ، والرواية الثانية " فنظر إليهم
بعين الحسد ، فخذلا حتى أكلا من شجرة الحنطة " ،
فالروايات لا تضاد القرآن بأن سبب خروجهم أكل الشجرة ،
بل تؤيد ذلك ، وتعتبر الحسد أي الحالة التي تحققت في
النفس هي سبب السقوط في المخالفة والأكل من الشجرة .
وبالطبع كل هذا البحث لبيان إمكان حمل الرواية على
معنى صحيح ، وإلا إذا لم يمكن ذلك فلا شك بلزوم رفضها
إن كانت صحيحة السند فكيف الحال وهي ليست كذلك .
|