النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 226

سادسا : يوسف عليه السلام

نقل خبرا عن أبي عبد الله (ع) قال : " إن يوسف (ع) لما قدم عليه الشيخ يعقوب دخله عز الملك فلم ينزل إليه فهبط جبريل فقال : يا يوسف ابسط راحتك فخرج منها نور ساطع فصار في جو السماء ، فقال يوسف : يا جبريل ما هذا النور الذي خرج من راحتي ؟ قال : نزعت النبوة من عقبك عقوبة ، لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبي .

نقول : الرواية ذكرها الكليني في ( الكافي ) (1) وعلق عليها الشيخ المجلسي في ( مرآة العقول ) بأنها رواية مرسلة ثم قال :

 

(1) الكافي ج2ص311 .

 
 

- ج 2 ص 227 -

" وينبغي حمله على أن ما دخله لم يكن تكبرا وتحقيرا لوالده ، لكون الأنبياء منزهين عن أمثال ذلك ، بل راعى فيه المصلحة لحفظ عزته عند عامة الناس لتمكنه من سياسة الخلق وترويج الدين إذا كان نزول الملك عندهم لغيره موجبا لذلة وكان رعاية الأدب للأب مع نبوته ومقاساة الشدائد لحبه أهم وأولى من رعاية تلك المصلحة ، فكان هذا منه (ع) تركا للأولى ، فلذا عوتب عليه ، وخرج نور النبوة من صلبه لأنهم لرفعة شأنهم وعلو درجتهم يعاتبون بأدنى شيء فهذا كان شبيها بالتكبر ولم يكن تكبرا " (1) .

ويؤيد قول العلامة المجلسي : " حفظ عزته عند العامة " ما ذكره ابن الأثير في ( الكامل ) : " فلما قرب – أي يعقوب (ع)- منه أراد يوسف أن يبدأه السلام فمنع من ذلك " (2) .

المقصود أنه يمكن اعتبار الأمر في ترك الأولى الذي يصدر من الأنبياء (ع) ، ومثل تلك الأمور هي سبب اختلاف درجاتهم وتفضيل بعضهم عل البعض الآخر .

- قصة أخرى ترتبط بإخوة يوسف (ع)
فقد ذكر في مقام تعداد طعن الشيعة في الأنبياء (ع) رواية عن علي بن أبي طالب (ع):
" وكذّب الأنبياء والمرسلين كذّب أخوة يوسف حيث قالوا : ( أكله الذئب ) وهم أنبياء مرسلون إلى الصحراء " .

 

(1) مرآة العقول ج10ص215 .

(2) الكامل في التاريخ ج1 ص136 .  
 

- ج 2 ص 228 -

نقول : الرواية نقلها المجلسي في بحار الأنوار عن كتاب ( مناقب آل أبي طالب ) لابن شهراشوب ولا سند للرواية في الكتاب إذ قال :
" وفي مقال – أي ينسب لعلي (ع)- لي ما ليس لله ، فلي صاحبة وولد … وكذب الأنبياء والمرسلين كذب أخوة يوسف … " (1) .

ولاشك أن القول بأن إخوان يوسف كانوا أنبياء باطل ، وتوهم أنهم أنبياء نبع من خطأ في تفسير كلمة الأسباط التي في قوله تعالى ( قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ ) (2) ، فكأنهم فسروا الأسباط بأبناء يعقوب (ع) المباشرين أي أخوة يوسف (ع) .
ولكن من يراجع تفاسير السنة والشيعة المعتبرة يتضح له أن المقصود بالأسباط أحفاد يعقوب الذين جعلهم الله تعالى أنبياء .

وقد صرحت الروايات المروية عن أهل البيت (ع) أن أبناء يعقوب لم يكونوا أنبياء فقد نقل الكليني في روضة ( الكافي ) بسنده عن حنان عن أبيه عن أبي جعفر (ع) قال : " قلت له : ما كان ولد يعقوب أنبياء ؟ قال : لا ، ولكن كانوا أسباط أولاد الأنبياء ، ولم يكن يفارقوا الدنيا إلا سعداء تابوا وتذكروا ما صنعوا " (3) .

علق العلامة المجلسي على الخبر في ( مرآة العقول ) : " حسن أو موثق ، وفيه رد على بعض المخالفين الذين قالوا بنبوتهم وما ورد في أخبارنا موافقا لهم فمحمول على التقية " (4) .

 

(1) بحار الأنوار ج4ص224 ، مناقب آل أبي طالب ج2 ص 399 .
(3) الكافي ج 8 ص206 ح343 ، ورواه العياشي في تفسيره ج1ص62 ح106 .

(2) 136 / البقرة .
(4) مرآة العقول ج26 ص 215 .
 
 

- ج 2 ص 229 -

وقال السيد المرتضى في كتابه ( تنزيه الأنبياء ) :
" فإن قيل كيف يجوز أن يقع من إخوة يوسف (ع) هذا الخطأ العظيم والفعل القبيح وقد كانوا أنبياء في الحال ؟ … قلنا :لم تقم الحجة بأن إخوة يوسف (ع) الذين فعلوا به ما فعلوا كانوا أنبياء في حال من الأحوال " (1) .

وقال الطبرسي في ( مجمع البيان ) : " وقال كثير من المفسرين أنهم كانوا أنبياء والذي يقتضيه مذهبنا أنهم لم يكونوا أنبياء بأجمعهم لأن ما وقع منهم من المعصية فيما فعلوه بيوسف لا خفاء به " (2) .

وكذلك ذكر الشيخ المشهدي في تفسيره (كنز الدقائق ) في تفسير الآية 136 من سورة البقرة حيث قال : " الأسباط جمع سبط وهو الحافد وهم حفدة يعقوب ذراري أبناءه الاثنى عشر " (3) .

وقال السيد الطباطبائي في تفسيره ( الميزان ) : " ويقابل هذا القول بوجه قول آخرين أن أخوة يوسف كانوا أنبياء … ، وهذه أوهام مدفوعة ، وليس قوله تعالى ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاط ) النساء 163 الظاهر في نبوة الأسباط صريحا في أخوة يوسـف " (4) .

وهكذا قال ابن كثير من علماء السنة : " واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة أخوة يوسف ، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك ، ومن الناس من يزعم أنه أوحي إليهم بعد ذلك وفي هذا نظر ، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل ،ولم يذكروا سوى قوله تعالى ( قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ

 

(1) تنزيه الأنبياء ص 68 .
(2) مجمع البيان ج1ص 217 .

(3) كنز الدقائق ج 2ص 467 .
(4) تفسير الميزان ج11ص 93 .
 
 

- ج 2 ص 230 -

وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ ) ، وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال له الأسباط كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب ، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون ، ولكن كل سبط من نسل رجل من أخوة يوسف ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم والله أعلم " (1) .

فالحق أن أخوة يوسف (ع) لم يكونوا أنبياء بل كانوا أولاد أنبياء حسدوا يوسف وأذنبوا ذنبا كبيرا حينما فعلوا بيوسف (ع) ما فعلوا ، وإن كان ظاهر القرآن ومفاد بعض الأخبار كما قرأنا أنهم تابوا إلى ربهم وأصلحوا .

وعليه فالشيعة بريئون من هذه التهمة براءة الذئب من دم يوسف (ع) ، ودليله لا يعدو في قيمته قيمة دليل أبناء يعقوب .

 

(1) تفسير ابن كثير ج2 ص 487 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب