النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 230

سابعا : يونس (ع)

نقل ما روي عن أبي جعفر (ع) قال : " وقد كان في الرسل ذكرى للعابدين ، إن نبيا من الأنبياء كان يستكمل الطاعة ثم يعصي الله تبارك وتعالى في الباب الواحد ، فخرج به من الجنة ، وينبذ به في بطن الحوت ثم لا ينجيه إلا الاعتراف والتوبة " .

نقول : الرواية في ( الكافي ) (2) في رسالة الإمام الباقر (ع) لسعد الخير ، وقد علق عليها العلامة المجلسي في ( مرآة العقول ) بقوله :
" السند الأول صحيح على الظاهر لتوثيق العلامة لحمزة بن بزيع وإن كان ما يظن أن يكون مأخذه ضعيفا ، لكن في رواية حمزة عن أبي جعفر الثاني إشكال لأن الشيخ

 

(2) الكافي ج 8 ص 46 .

 
 

- ج 2 ص 231 -

في رجاله عده من رجال الرضا (ع) ولم يذكر روايته عن الجواد (ع)، وروى الكشي ما يدل على أنه لم يدرك زمانه (ع) حيث قال : ذكر بين يدي الرضا (ع) حمزة بن بزيع فترحم عليه فقيل له كان يقول بموسى - أي من الواقفية الذين وقفوا على الإمام الكاظم (ع) - فترحم عليه ساعة ، فيحتمل أن يكون أبو جعفر هو الأول (ع) ، ففي هذا السند أيضا إرسال ، ويؤيده ما رواه المفيد (رحمه الله) في كتاب ( الاختصاص ) باسناده عن أبي حمزة الثمالي قال دخل سعد بن عبد الملك وكان أبو جعفر (ع) يسميه سعد الخير - وهو من ولد عبدالعزيز بن مروان - على أبي جعفر (ع) فبينا ينشج كما تنشج النساء قال : فقال له أبو جعفر : ما يبكيك يا سعد ؟ قال : وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن ، فقال له : لست منهم أنت أموي منا أهل البيت ، أما سمعت قول الله عز وجل يحكي عن إبراهيم ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) ، والسند الثاني مرسل " (1) .

ومع هذا فقد نبه العلامة المجلسي بقوله : " وإن كان ما يظن أن يكون مأخذه ضعيفا " على خطأ العلامة في توثيق حمزة بن بزيع ، فقد قال العلامة في رجاله : " من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم كثير العلم " (2) .

قال السيد الخوئي في ( المعجم ) :
" وأما توثيق العلامة نفسه فالأصل فيه -كما ذكره التفريشي والميرزا الاسترابادي وصاحب المعالم في كتابه ( المنتقى ) - هو ما ذكره النجاشي حيث قال : محمد بن إسماعيل بن بزيع أبو جعفر مولى المنصور أبي جعفر وولد بزيع بيت منهم حمزة بن بزيع ،كان من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم كثير العلم له كتب … إلخ ما ذكره .

 

(1) مرآة العقول ج 25 ص112 .

(2) رجال العلامة الحلي ص 54 .  
 

- ج 2 ص 232 -

فتوهم العلامة أن ضمير كان يرجع إلى حمزة مع أنه يرجع إلى محمد بن إسماعيل المترجم بقرينة قوله وله كتب …إلخ ، وجملة " منهم حمزة بن بزيع " جملة معترضة ، ... والمتحصل إن الرجل واقفي لم يوثق " (1) .

ومع كل تلك الإشكالات في السند قال العلامة المجلسي في توضيحه لمعنى الحديث في ( مرآة العقول ) :
" إن قوله (ع) : ثم يعصي الله أي يترك الأولى والأفضل ، وإطلاق العصيان عليه مجاز ، لكونه في درجة كمالهم بمنزلة العصيان " (2) .

وقد وجد أصرح من هذا الاستعمال في القرآن الكريم بالنسبة لآدم (ع) أي قوله تعالى ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) (3) ، فلم يعتبره علماء الشيعة مخالفا لعقيدتهم في عصمة الأنبياء (ع) ، بل قرينة استعمال الكلمة بمعنى ما ورد في القرآن واضحة في ربط قصتي آدم ويونس ببعضهما في النص المنقول .

والذي يؤيد ويوضح ذلك أن ما أخذ على نبي الله يونس (ع) هو عدم تحمله لقومه وتركه لهم ، ولا يمكن أن يدخل ذلك في عنوان المعصية بالمعنى الحقيقي للكلمة ، وإنما كان المطلوب أن يتحملهم أكثر ، فكل ما حدث أنه (ع) ترك الأولى بذلك .

ثامنا : أرميا عليه السلام

نقل خبرا عن أبي عبد الله (ع) أنه روى إن أرميا (ع) أراد أن يراجع الله في عذاب قومه ، فقال الله له : لترجعن عما تصنع أن تراجعني في أمر قد قضيته أو لأردن وجهك على دبرك " .

 

(1) معجم رجال الحديث ج6 ص 264 .

(2) مرآة العقول ج25ص 116 . (3) 121 طه .  
 

- ج 2 ص 233 -

نقول : نقل المجلسي الرواية في ثلاثة مواضع في ( بحار الأنوار ) :
الأول : عن تفسير القمي عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن النضر عن يحيى الحلبي عن هارون بن خارجة (1) .
الثاني : عن تفسير العياشي عن أبي بصير عن الصادق (ع) ، وعن ( قصص الأنبياء ) للراوندي بالإسناد إلى الصدوق عن أبيه عن سعد عن اليقطيني عن النضر عن يحيى الحلبي عن هارون بن خارجة عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ع) مثله (2) .
الثالث : عن كتاب ( الزهد ) للحسين بن سعيد عن النضر عن يحيى الحلبي عن ابن خارجة (3) .

والأسانيد كلها ترجع إلى النضر ، والسند محذوف عند العياشي وصحيح في تفسير القمي وكتاب الزهد ، والمقطع الأول من الخبر لا يمكن أن يرفض ، لورود العتاب لبعض الأنبياء إما لترك الأولى أو من باب ( إياك اعني واسمعي يا جارة ) .

ومن الأمثلة المقاربة لذلك في القرآن قوله تعالى في خطاب نوح (ع) ( فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) (4) بعد أن طلب النجاة لابنه ، فقال ( رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ) .

وكذلك قوله عز وجل وهو يخاطب إبراهيم(ع) } يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ {(5) ، حينما طلب النجاة لقوم لوط كما قال تعالى قبلها ( يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ) .
نعم هناك اشكال في المقطع الأخير من الرواية توجب التوقف ومع التسليم بصدوره .

 

(1) بحار الأنوار ج14ص356 .
(2) بحار الأنوار ج14ص 373 .

(3) المصدر السابق ج100ص 86 .
(4) هود / 46 .
(5) هود / 76 .  
 

- ج 2 ص 234 -

فالأقرب أن التقريع الشديد في قصة النبي أرميا إنما هو للتنبيه على عظم جرم قومه بحيث أنه يصدر ما صورته التهديد من الرب تجاه هذا النبي ، ولا يقصد أن يكون موجها في حقيقته للنبي ، فكأن أصل العتب نبع من ترك الأولى ، ولكن شدته هي لبيان عظم جرم المشفوع لهم .

تاسعا : النبي حزقيل عليه السلام

نقل رواية عن أبي جعفر (ع) أنه قال : " ودخل حزقيل النبي العُجب ، فقال في نفسه : ما فضل سليمان النبي عليّ ، وقد أعطيت مثل هذا ؟ قال : فخرجت على كبده قرحة ، فآذته " .

نقول : يريد الكاتب أن يثبت أن الشيعة يطعنون في الأنبياء لرواية ضعيفة نسبت العُجب إلى نبي ، في حين يتغافل عن الصحاح التي وردت عندهم ونسبت ذلك إلى الأنبياء ، فهذا البخاري في صحيحه يروي عن أبي بن كعب عن النبي (ص) : " قام موسى النبي خطيبا في بني إسرائيل فسأل ، أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا أعلم ، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى الله إليه إن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك " (1) .
ألا يرى أن هذا النص ظاهر في إعجاب موسى (ع) بنفسه وبعلمه بحيث لم يرجع العلم إليه تعالى ، فعوتب على ذلك .

وخبر حزقيل نقله المجلسي في بحار الأنوار من مصدرين :
الأول : كتاب ( المحاسن ) للبرقي ، وفي السند مجموعة مجاهيل لم يسمهم الراوي فقال : عن بعض أصحابنا عن رجل سمي عن أبي حمزة .

 

(1) صحيح البخاري ج1 ص 57 .

 
 

- ج 2 ص 235 -

الثاني : عن كتاب ( قصص الأنبياء ) (1) ، ومؤلفه مردد بين أن يكون قطب الدين الراوندي مؤلف ( الخرائج والجرائح ) ، وفضل الله بن علي الراوندي كما نص على ذلك المجلسي في ( البحار ) (2) .
وقد ذكر العلامة المجلسي أن الخبر منقول في قصص الأنبياء بالاسناد إلى الصدوق إلى الثمالي مثله .

وسند الشيخ الصدوق إلى أبي حمزة الثمالي مجهول ، نعم هناك طريق في مشيخة ( من لا يحضره الفقيه ) ، فإن كان يقصد به هذا الطريق فقد قال السيد الخوئي في ( معجم رجال الحديث ) في ترجمة ثابت بن دينار : " والطريق صحيح من غير جهة محمد بن الفضيل ، وأما هو فإن كان المراد به الصيرفي الأزدي فالطريق ضعيف ، وإن كان المراد به محمد بن القاسم بن فضيل فالطريق صحيح ، وبما أنهما من طبقة واحدة فالطريق مردد بن الضعيف والصحيح " (3) .

العاشر : أحد أنبياء بني إسرائيل

نقل خبرا مفاده : " إن بعض أنبياء بني إسرائيل شكا إلى الله قسوة القلب وقلة الدمع " .

نقول : هذه الرواية نقلها المجلسي في موضعين من ( بحار الأنوار ) :
الأول : نقلا عن كتاب ( الكافي ) بلفظ أن بعض أنبياء بني إسرائيل (4) لكن في المطبوع من ( الكافي ) قال الكليني : عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد

 

(1) بحار الأنوار ج 13ص 383 .
(2) المصدر السابق ج1ص12 .

(3) معجم رجال الحديث ج3 ص392 .
(4) بحار الأنوار ج14ص460.
 
 

- ج 2 ص 236 -

أبي خالد عن فرات بن أحنف " أن بعض بني إسرائيل شكا إلى الله عز وجل قسوة القلب " (1) بحذف كلمة أنبياء ، وعلى كل لم يسند الكلام إلى الإمام (ع) بل هو مقطوع .
والمرة الثانية : نقل الخبر عن كتاب ( محاسن ) البرقي وهو مصدر ما رواه الكليني في ( الكافي ) قال عن أحمد بن محمد بن خالد صاحب الكتاب عن عثمان ين عيسى عن فرات بن أحنف أن بعض أنبياء بني إسرائيل شكا إلى الله قسوة القلب وقلة الدمعة ، فأوحى الله إليه أن كل العدس فأكل العدس فرق قلبه وكثرت دمعته " (2) .

فالخبر هنا مقطوع أيضا وليس الكلام للإمام (ع) كما الحال في الطريق السابق ، فضلا عن اضطراب السند باضافة عثمان بن عيسى في رواية ( المحاسن ) .

ونضيف لك أيها القارئ ترجمة فرات كما في ( معجم رجال الحديث ) : " قال الشيخ في رجاله يرمى بالغلو والتفريط في القول وقال ابن الغضائري : فرات بن أحنف كوفي روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله (ع) كما زعموا غال كذاب لا يرتفع به ولا بذكره " (3) .

فالكاتب قد تمسك بخبر لا فقط لا ينتهي إلى المعصوم (ع) ، بل ينتهي إلى مغال ومع ذلك يريد أن يحتج به على الشيعة .
وقد يكون أصل الرواية وصورتها الصحيحة ما ورد في كتاب ( مكارم الأخلاق ) : قال النبي (ص) : " شكا نبي من الأنبياء إلى الله عز وجل قساوة قلوب قومه ، فأوحى الله

 

(1) الكافي ج6 ص 343 .

(2) بحار الأنوار ج 66 ص 258 . (3) معجم رجال الحديث ج 13ص 453 .  
 

- ج 2 ص 237 -

عز وجل إليه وهو في مصلاه أن مر قومك أن يأكلوا العدس ، فإنه يرق القلب ويدمع العين ويذهب بالكبرياء ، وهو طعام الأبرار " (1) .

 

(1) مكارم الأخلاق ص188 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب