النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 253

61- رؤية الله

قال : رؤية المؤمنين لربهم ثابتة بالكتاب والسنة وسأكتفي بالآيات ... لأن أحاديثنا عن رسول الله لا يقبلونها .
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) .
( كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) فإذا حجب الكفار فمفهومه أن المؤمنين غير محجوبين .
( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) فما الزيادة على الحسنى إلا شيء أفضل .
وآية موسى ( قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ) ... دليل على رؤية الله في الآخرة بصورة غير مباشرة وإليك التفصيل :
• لو كانت الرؤية ممتنعة مطلقا ما سألها موسى ، وهو العليم بربه .
• لم ينكر الله على موسى طلبه كما أنكر على نوح لما قال إن ابني من أهلي قال الله ( إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) .
• الله تجلى للجبل وموسى أكرم على الله من الجبل .
• قلنا إن لن لا تفيد التأبيد ...
• علق الله الرؤيا على ممكن فقال : ( فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) وما علق على ممكن فهو ممكن .
• لم يقل الله لموسى لا أرى وإنما قال لن تراني أي الآن في الدنيا .

- ج 2 ص 254 -

وكان قبلها قد رد على كون لن للتأبيد بقوله :
ولن لا تفيد التأبيد دائما عند النحاة وانظر إلى مغني اللبيب والتوضيح والتكميل وغيرهما من كتب النحاة ...
فما قول ... في قوله تبارك وتعالى ( وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ) ، فإذا قلنا أن لن تفيد التأبيد ، لم يؤكدها بقوله أبدا ؟ (1) هذا أولا .
أما ثانيا فإن الله ذكر أن الكفار يتمنون الموت بل ويطالبون به قال تعالى ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) .

نقول : إن استحالة الرؤية بالمعنى المتعارف للرؤية هي مسألة عقلية تدركها كل فطرة لم تتلوث بروايات الصحيحين .

وقد وردت روايات أهل البيت (ع) بذلك مثل الخبر الذي نقله في البحار عن توحيد الصدوق : " عن أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث (ع) أسأله عن الرؤية وما فيه الناس ، فكتب : لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر ، فإذا انقطع الهواء وعدم الضياء عن الرائي والمرئي لم يصح الرؤية ... " (2) .

قال الشيخ المفيد في ( أوائل المقالات ) :
" لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار وبذلك شهد العقل و نطق القرآن وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد (ص) وعليه جمهور أهل الإمامة وعامة متكلميهم إلا من شذ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار والمعتزلة بأسرها توافق أهل

 

(1) علامة الاستفهام أضفناها لأن الظاهر إن لم للإستفهام أي لِمَ ، وليست لَم النافية .

(2) بحار الأنوار ج4 ص34 .  
 

- ج 2 ص 255 -

الإمامة في ذلك وجمهور المرجئة وكثير من الخوارج والزيدية وطوائف من أصحاب الحديث ، ويخالف فيه المشبهة وإخوانهم من أصحاب الصفات " (1) .

قال العلامة الحلي في ( كشف المراد ) :
" واعلم إن أكثر العقلاء ذهبوا إلى امتناع رؤيته تعالى والمجسمة جوزوا رؤيته لاعتقادهم أنه تعالى جسم ولو اعتقدوا تجرده لم يجوزوا رؤيته عندهم ، والأشاعرة خالفوا العقلاء كافة هنا وزعموا أنه تعالى مع تجرده يصح رؤيته " (2) .

قال العلامة المجلسي :
" اعلم أن الأمة اختلفوا في رؤية الله تعالى على أقوال فذهبت الإمامية والمعتزلة إلى امتناعها مطلقا ، وذهبت المشبهة والكرامية إلى جواز رؤيته تعالى في الجهة والمكان لكونه تعالى عندهم جسما ، وذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته تعالى منزها عن المقابلة والجهة والمكان .

قال الآبي في كتاب ( إكمال الإكمال ) ناقلا عن بعض علمائهم : إن رؤية الله جائزة في الدنيا عقلا واختلف في وقوعها وفي أنه هل رآه النبي (ص) ليلة الإسرى أم لا ؟! فأنكرته عائشة وجماعة من الصحابة والتابعين والمتكلمين ، وأثبت ذلك ابن عباس وقال : إن الله اختصه بالرؤية وموسى بالكلام وإبراهيم بالخلة ، وأخذ به جماعة من السلف والأشعري في جماعة من أصحابه وابن حنبل ، وكان الحسن يقسم لقد رآه ، وتوقف فيه جماعة ، هذا حال رؤيته في الدنيا .
وأما رؤيته في الآخرة فجائزة عقلا وأجمع على وقوعها أهل السنة ، وأحالها المعتزلة والمرجئة والخوارج ، والفرق بين الدنيا والآخرة أن القوى والإدراكات ضعيفة في

 

(1) أوائل المقالات ص 57 .

(2) كشف المراد ص 230 .  
 

- ج 2 ص 256 -

الدنيا حتى إذا كانوا في الآخرة وخلقهم للبقاء قوي إدراكهم فأطاقوا رؤيته " انتهى كلامه .
وقد عرفت مما مر أن استحالة ذلك مطلقا هو المعلوم من مذهب أهل البيت (ع) وعليه إجماع الشيعة باتفاق المخالف والمؤالف ، وقد دلت عليها الآيات الكريمة وأقيمت عليه البراهين الجلية " (1) .

وتقريرا لبداهة عدم إمكان الرؤية قال الشيخ السبحاني :
" ومن الصفات التي تحكي النقص كون الشيء مرئيا ، ذلك لأن الشيء لا يكون مرئيا إلا بعد تحقق شروط ضرورية هي :
أ‌ - أن يكون في مكان وجهة خاصة .
ب ‌- أن لا يكون في ظلمة ، بل يشع عليه النور .
ت‌ - أن يكون بينه وبين الرائي فاصلة معينة ومسافة مناسبة .
ومن الواضح أن هذه الشروط من آثار الكائن الجسماني لا الإله ذي الوجود الأسمى والأعلى مضافا إلى أن كون الله مرئيا لا يخلو من حالتين :
إما أن يكون كل وجوده مرئيا ، وهذا يعني أن يكون الله المحيط محاطا ومحدودا ، وإما أن يكون بعض وجوده مرئيا ، وهذا يعني أن الحق تعالى ذا أجزاء وأبعاض ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا " (2) .

بل الحق إن كل الروايات التي تحدثت عن حجاب الله وإن حجابه النور وإنه إذا تجلى يتجلى شيء من نوره وتحترق الموجودات - وسنستعرضها قريبا - كلها

 

(1) بحار الأنوار ج4 ص 59 -61 .

(2) العقيدة الإسلامية للشيخ السبحاني ص 80 .  
 

- ج 2 ص 257 -

تعبيرات شرعية وضعت كمرادف لتقريب الاستحالة العقلية عند المستمعين ، وبيان إن ما يحدث عند ذاك هو انعدام العالم المادي .

ومع ذلك فإن في القرآن الكريم آيات تتحدث بشكل صريح عن امتناع رؤية الله قال تعالى ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (1) .
وألا يدل قوله تعالى ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء ) (2) على أنه لا كلام بدون حجاب ، وهل الحجاب هنا إلا كناية عن عدم الرؤية ؟

وقد استدلت عائشة بهذه الآيات على عدم إمكان رؤية الله عز وجل في الخبر الذي نقله مسلم في كتاب الإيمان والبخاري في كتاب التفسير .
والخبر عن مسروق قال : سألت عائشة هل رأى محمد (ص) ربه ، فقالت : سبحان الله لقد قف شعري لما قلت " (3) .

ونقل الخبر بصورة تامة بطريق آخر مسلم عن مسروق قال :كنت متكئا عند عائشة ، فقالت : يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية ، قلت : ما هن؟ قالت : من زعم أن محمدا (ص) رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، قال : وكنت متكئا فجلست ، فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ، ألم يقل الله عز وجل ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) (4) ، ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) (5) ، فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله (ص) فقال : إنما هو جبريل لم أره

 

(1) الأنعام / 103 .
(2) الشورى / 51 .
(3) صحيح مسلم ج1 ص160 ، وصحيح البخاري ج 6 ص175 .

(4) التكوير / 23.
(5) النجم / 13 .
 
 

- ج 2 ص 258 -

على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض ، فقالت : أو لم تسمع أن الله يقول ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ، أو لم تسمع أن الله يقول ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ... ) (1).

والعجيب حينما يأتي ابن حجر ليشرح الحديث بالصياغة التي نقلها البخاري وقولها : لقد قف شعري يقول : " أي قام من الفزع لما حصل عندها من هيبة الله واعتقدته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك " (2) ، فهو يصرح بأنها كانت ترى استحالة ذلك ، فهل المستحيل يمكن أن يتحقق في يوم القيامة ؟!

ولا يوجد في استدلال عائشة تفصيل بين الدنيا والآخرة بل يمكن الجزم بأنها لا تفرق بين الحالين وذلك لأنها اعتبرت الأمر قبيحا وافتراءا عظيما على الله ، إذ قالت : " من زعم أن محمدا (ص) رأى ربه ، فقد أعظم على الله الفرية " ، وكأن عظم الفرية نابع من وضوح الأمر في القرآن كما استدلت ، فهل يمكن هذا الشيء الذي يعتبر قولا قبيحا ينقلب لا إلى أمر حسن فقط ، بل هو من نعيم الجنة كما يقول من استدل بقوله تعالى ( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) (3) .

بل قبح ادعاء الرؤية وطلبها من واضحات القرآن الكريم ، ونعم ما قال هنا الشيخ النجمي في ذلك بعد ذكر قوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ

 

(1) صحيح مسلم ج1 ص159 .

(2) فتح الباري ج 8 ص 607 . (3) يونس / 26 .  
 

- ج 2 ص 259 -

لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) (1) :
" هاتان الآيتان المتعاقبتان والمتتاليتان فيهما الدلالة التامة على استحالة رؤية الله عز وجل ، لأن الآية الأولى صريحة في عذاب الذين عبدوا العجل فألزمهم الله بالتوبة وقيدها بقتل النفس – الانتحار – كفارة لذنوبهم ، والآية الثانية صريحة كذلك في معاقبة الذين أرادوا رؤية الله تعالى ، وأن عقابهم نزول الصاعقة والبلاء السماوي عليهم ...

والجدير بالذكر أن في كل الآيات التي أشير فيها إلى سؤال بني إسرائيل رؤية الله وطلبهم المستحيلات جاء ذكر العذاب والعقاب عقيب السؤال بتعابير بلاغية وجمل مختلفة ، وما ذلك إلا لكون هذا السؤال ذنبا كبيرا وجريمة عظيمة .
قال تعالى ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) (2) ، وقال تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ) (3) .

وعلى هذا الأساس فلو كانت رؤية الله ممكنة – كما يعتقد أهل الحديث القائلون بإمكانها ويدعون بأن رؤيته تعالى والنظر إليه في القيامة هي من أعظم ما ينعم الله على عباده في الجنة وأكبر ما يعطونه من الفضل واللطف الإلهي في القيامة – لما كان السؤال بتحققها وإيقاعها استكبارا وعتوا وتمردا عن أمر الله " (4) .

 

(1) البقرة / 54 - 55 .

(2) النساء / 153 . (3) الفرقان / 21 . (4) أضواء على الصحيحين ص 150 - 151 .  
 

- ج 2 ص 260 -

ولكن مشكلة رؤية الله نتجت من روايات الصحيحين التي تثبت ذلك ، وجمعا بين قول عائشة النافي للرؤية ، وتلك الروايات المثبتة قال بعضهم أن رؤية الله في الدنيا ممنوعة أما رؤيته تعالى في الآخرة فممكنة وستقع .

ولكن الحق أن كثيرا من علمائهم خطأ عائشة حتى في ادعاء عدم رؤية الله في الدنيا ، اعتمادا على روايات نقلها آخرون أن رسول الله (ص) رأى ربه مرتين .

فروايات الصحاح هي التي أعمتهم وسدت عليهم باب النظر السليم في آيات القرآن الكريم ، وما قاله محمد عبده كما نقل عنه في تفسير ( المنار ) يبرز هذه الحقيقة :
" أما رؤية الرب تعالى ، فربما قيل أن آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات كقوله ( لَن تَرَانِي ) (1) وقوله ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) ، فهي أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) على الإثبات فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب كقوله ( مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ) (2) ، ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ) (3) ، ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ ) (4) وثبت أنه استعمل بهذا المعنى " (5) .

ومع ذلك يقول في النهاية : " إن في الأحاديث الصحيحة من التصريح في إثبات الرؤية ما لا يمكن المراء فيه " (6) .

واعترف ابن حجر أيضا بأنه لولا الروايات لما جاز العدول عن ظاهر قوله تعالى ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) في منع رؤية الله تعالى عن ذلك قال : " ولولا وجود الأخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن الظاهر " (7) .

 

(1) الأعراف / 143 .
(2) يس / 49 .
(3) الأعراف / 53 .

(4) البقرة / 158
(5) تفسير المنار ج9 ص 134 .
(6) تفسير المنار ج9 ص 144 .
(7) فتح الباري ج 8 ص 607 .
 
 

- ج 2 ص 261 -

ولكن أفضل من توسّع في عرض الأمر ابن حجر في ( الفتح ) ، فقد بين أولا أنه لا يوجد اتفاق بين علماء السنة منذ الجيل الأول على امتناع الرؤية في الدنيا دون الآخرة بل الخلاف واقع في الرؤية في الدنيا كذلك ، قال تعليقا على رواية مسروق عن عائشة : " ... وعند عبدالرزاق من هذا الوجه فقال ابن عباس : نحن بنو هاشم نقول إن محمدا رأى ربه مرتين فكبر كعب وقال : إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد ... قال مسروق : فدخلت على عائشة فقلت : هل رأى محمد ربه ؟ ... الحديث ... فظهر بذلك سبب سؤال مسروق لعائشة عن ذلك ... قال النووي تبعا لغيره : لم تنف عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع ولو كان معها لذكرته ، وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر الآية ، وقد خالفها غيرها من الصحابة ، والمراد بالإدراك في الآية الإحاطة وذلك لا ينافي الرؤية ، انتهى ، وجزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع تبع فيه ابن خزيمة ... وهو عجيب ، فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ ... وأخرجه ابن مردويه من طريق أخرى فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله عن هذا فقلت : يا رسول الله هل رأيت ربك ؟ فقال : لا إنما رأيت جبريل منهبطا " (1) .

بل العجيب إن التفصيل بين رؤية العين والقلب ذكره الكثير من علمائهم ، قال ابن حجر بعد أن ذكر من قالوا بأن رسول الله رأى ربه : " ثم اختلفوا هل رآه بعينه أو بقلبه ، وعن أحمد كالقولين ، قلت : جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة ، فيجب حمل مطلقها على مقيدها ، ... منها ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله تعالى ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) قال : رأى ربه بفؤاده مرتين ، وله من طريق عطاء

 

(1) فتح الباري ج 8 ص 606 – 607 .

 
 

- ج 2 ص 262 -

عن ابن عباس قال : رآه بقلبه ، وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضا عن ابن عباس قال : لم يره رسول الله (ص) بعينه إنما رآه بقلبه " (1) .

والمعلوم إن الرؤية بالقلب ذكرت في الروايات الواردة عندنا نحن الشيعة عن أمير المؤمنين (ع) منها ما روي عن الصادق (ع) : جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته ؟ قال : فقال : ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره ، قال : وكيف رأيته ؟ قال : ويلك لا تره العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بقائق الإيمان " (2) .

صحيح إن ابن حجر حاول أن يفسر رؤية القلب بأنها رؤية لا تختلف عن رؤية العين ، لكن أنى له إثبات ذلك فكل ما ذكر مجرد إدعاءات ، وأما نحن ، فنقول إن الإدراك الذي يكون من خلال المعرفة القلبية يمكنه أن يوجد يقيناً أكبر من يقين العين ، ولذا سميت بالرؤية القلبية في الروايات ، وهذه لها درجات ، فالذي حدث لرسول الله (ص) ولأمير المؤمنين (ع) درجات من الإدراك القلبي لم تحدث لغيرهم ، نعم يمكن أن تحدث للمؤمنين في يوم القيامة بحيث تمر عليهم لحظات من الإدراك القلبي هي أشبه بلقاء الله عز وجل والتواجد في محضره تعالى عن كل تشبيه ونقص .

 

(1) فتح الباري ج 8 ص 608 .

(2) الكافي ج1 ص 97 -98 .  
 

- ج 2 ص 263 -

الآيات التي استدل بها على الرؤية :
أولا : قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )
(1) .

نقول : تغني كلمة محمد عبده التي نقلناها في رد الاستدلال بها ، فالسياق واضح في حمل الجملة على توقع الفضل وانتظار الرحمة ، فالمقصود به انتظار رحمة الله تعالى والدليل على ذلك :

1- أن الكلام في الآيات عن فريقين : الأول وجوه ناضرة مشرقة وقد بين تعالى حالها بأنها ناظرة إلى ربها ، والثاني وجوه باسرة أي مكفهرة وكما قال تعالى ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) (2) ، أي تنتظر العذاب الأليم ، وبقرينة المقابلة بين حال الفريقين التي هي من قواعد البلاغة وقوانينها يتضح أن المقصود من النظر في الجملة الأولى هو انتظار رحمة الله تعالى .

2- وإذا قيل أن كلمة النظر إذا كانت بمعنى الرؤية تعدت بالحرف إلى وإذا كانت بمعنى الانتظار تعدت بنفسها قلنا أن النظر هنا لم يخرج عن معنى الرؤية لذا تعدت بإلى ، ولكن في هذا الموضع لا يقصد منها المعنى الحقيقي للرؤية بل هو كناية عن الانتظار والترقب ، كما يقصد بقوله تعالى ( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) هو نظر ولكن يقصد الاعتبار ، ولذا قال ابن منظور في ( لسان العرب ) مادة نظر : " ويقول القائل للمؤمل يرجوه : إنما انظر إلى الله ثم إليك أي إنما أتوقع فضل الله ثم فضلك " (3) .

 

(1) القيامة / 22- 23 .

(2) القيامة / 24 – 25 . (3) لسان العرب ج5 ص 215 .  
 

- ج 2 ص 264 -

3- وإن قيل أن النظر لا يمكن أن يكون للانتظار لأن الانتظار فيه كدر ومشقة والجنة لا مشقة فيها ، قلنا : أن ظاهر السياق أن الموقف للحساب بقرينة ( تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) ، فالآيات تتحدث عن حال الترقب في الزمن قبل تحديد المصير إلى الجنة أو النار .
 

ثانيا : قوله تعالى ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) (1) ، بتقرير أن مفهوم حجب الكفار أن المؤمنين غير محجوبين .

نقول : قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (2) .

قال ابن كثير في تفسير معنى عدم التكليم والنظر : " أي برحمة منه لهم يعني لا يكلمهم الله كلام لطف ولا ينظر إليهم بعين الرحمة " (3) .

وقال ابن الجوزي في ( زاد المسير ) :
" ولا ينظر إليهم أي لا يعطف عليهم بخير مقتا لهم ، قال الزجاج : تقول فلان لا ينظر إلى فلان ولا يكلمه معناه أنه غضبان عليه " (4) .
إذن ماهو المانع ما دام القرآن يفسر بعضه بعضا أن يكون الحجاب في الآية المذكورة هو عدم النظر والتكليم بمعنى محجوبون عن الرحمة الإلهية ؟
فمن أين الجزم بأن الآية تدل على رؤية الله يوم القيامة ؟!

 

(1) المطففين / 15 .

(2) آل عمران / 77 . (3) تفسير ابن كثير ج1 ص 383 . (4) زاد المسير ج1 ص 334 .  
 

- ج 2 ص 265 -

بل نجد أن الراغب في ( مفردات القرآن ) صرح بهذه المعاني المجازية في مادة ( حجب ) فقال :
" وقوله تعالى ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) ليس يعني به ما يحجب البصر وإنما يعني ما يمنع من وصول لذة أهل الجنة إلى أهل النار وأذية أهل النار إلى أهل الجنة كقوله عز وجل ( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) ، وقوله عز وجل ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) إشارة إلى منع النور عنهم المشار إليه بقوله ( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ ) " (1) .

وقال في مادة ( نظر ) : " واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامة وفي البصيرة أكثر عند الخاصة قال ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ويقال نظرت إلى كذا إذا مددت طرفك إليه رأيته أو لم تره ... ونظر الله تعالى إلى عباده هو إحسانه إليهم وإفاضة نعمه عليهم قال ( وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) وعلى ذلك قوله ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) " (2) .


ثالثا : قوله تعالى ( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) (3) ، فما الزيادة على الحسنى إلا شيء أفضل .

نقول : نعم شيئ أفضل ، ولكن لماذا هي الرؤية بالعين ؟! فالآية ليس فيها دلالة على ذلك ، وإذا أراد ضم رواياتهم وأقوال الصحابة والعلماء والاستدلال بها فنذكر القارئ أنه قال بأنه سيكتفي بذكر الآيات الدالة على جواز رؤية الله دون الروايات ،

 

(1) المفردات ص 108 .

(2) المفردات ص 497 . (3) يونس / 26 .  
 

- ج 2 ص 266 -

وابن كثير قال عند تفسيره للآية : " ( وزيادة ) هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف زيادة على ذلك " (1) ، نعم ذكر الرؤية ولكن من الواضح إنه جعلها مصدقا للزيادة تبعا لما ورد عندهم من أخبار ، لا أن الآية تدل على ذلك بنفسها .

وقال ابن الجوزي : وفي الزيادة ستة أقوال : أحدها النظر إلى الله عز وجل ، ... والثاني : ... غرفة من لؤلؤ ... ، والثالثة : ... مضاعفة الحسنة ... والرابع : ... مغفرة ورضوان ... ، والخامس : ... أن ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به في القيامة ... ، والسادس : ... ما يشتهونه ..." (2) ، فكيف تجزم بأن الآية تدل على أن الزيادة هي الرؤية .
فالآية المذكورة إذا خليت وشأنها ليست إلا بمعنى قوله تعالى ( لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم ) (3) ، وكقوله تعالى ( لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) (4) .

والواضح من المفسرين إن الآية من حيث اللغة لا ارتباط لها بالرؤية ، بل هي لم تنحصر بمعنى واحد ، فكيف توهم أن الشيء الأفضل لا يمكن أن يكون إلا الرؤية ، وكيف يمكن اعتبارها دليلا قرآنيا على ذلك ؟!


رابعا : ادعاء إن قوله تعالى ( قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ) دليل على رؤية الله في الآخرة بصورة غير مباشرة ، وذلك من خلال النقاط التالية (5) :

 

(1) تفسير ابن كثير ج2 ص 429 .
(2) زاد المسير ج4 ص 18- 19 .

(3) فاطر / 30 .
(4) ق / 35 .
 
(5) كل النقاط التي ذكرت ذكرها ابن الجوزي في كتاب ( زاد المسير ) ج 3 ص196 وذكرها غيره .
 

- ج 2 ص 267 -

1- لو كانت الرؤية ممتنعة مطلقا ما سألها موسى وهو العليم بربه .

نقول : سؤال موسى (ع) الله تعالى رؤيته لم يكن طلبا منه لأنه يعلم باستحالة ذلك الأمر ، بل سأل ذلك بلسان قومه أي بناء على طلب منهم ، لأنهم أصروا على ذلك بل علقوا إيمانهم له بذلك الأمر ، فأراد من الله أن يبين لهم استحالة ذلك بشكل عملي ، حتى يستيقنوا .

وصرح بهذا الزمخشري حينما قال في ( الكشاف ) : " فإن قلت : كيف طلب موسى (ع) ذلك وهو من أعلم الناس بالله وصفاته ما يجوز عليه ما لا يجوز وبتعاليه عن الرؤية ... قلت : ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفها وضلالا وتبرأ من فعلهم وليلقمهم الحجر " (1) .

قال الزركشي في ( البرهان في علوم القرآن ) وهو يتحدث عن أمثلة للآيات التي يتبين معناها في آيات أخرى :
" وجعل بعضهم من هذا قوله تعالى ( قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) قال : فإن آية البقرة وهى قوله ( حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) تدل على أن قوله ( رَبِّ أَرِنِي ) لم يكن عن نفسه ، وإنما أراد به مطالبة قومه ، ولم يثبت في التوراة أنه سأل الرؤية إلا وقت حضور قومه معه وسؤالهم ذلك " (2) .

ويستدل على ذلك أنه بمقابلة الآيات التي تحكي قصة الميقات وطلب الرؤية وما طلبه بنو إسرائيل من موسى (ع) نلاحظ ما يلي ، قال تعالى (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ

 

(1) الكشاف ج 2 ص 89 .

(2) البرهان في علوم القرآن ج2ص 330 .  
 

- ج 2 ص 268 -

الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ) (1) ، وقال تعالى ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) (2) .

أما متى كان ذلك فتوضح ذلك آية قال تعالى ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ) (3) .

فمن الواضح إن سؤال بني إسرائيل ( أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً ) ، و ( حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) وقع في الميقات نفسه الذي حدد لموسى (ع) والذي تذكر الآيات فيه قول موسى (ع) ( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) ، فالحديث عن حدث واحد ، ولا يمكن أن يكون القرآن متناقضاً في الحديث عن تفاصيل حدث واحد إلا أن نعرف إن قول موسى ( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) هو تصريح موسى بطلب بني إسرائيل بعد أن أعيوه بهذا الطلب .

وكذلك قال موسى (ع) بعد إفاقته من الصعقة ( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا ) فهو (ع) يصف مثل هذا الطلب من بني إسرائيل بأنه سفه لا يمكن أن يقدم العاقل على طلب مثله ، فكيف يطلبه هو .

نعم يبقى الإشكال ، لم صيغة الطلب من موسى إذ قال : ( أَرِنِي أَنظُرْ ) ولم يقل موسى (ع) : ربي إجعل بني إسرائيل ينظرون إليك .

 

(1) البقرة / 55- 57 .

(2) النساء / 153 . (3) الأعراف / 155 .  
 

- ج 2 ص 269 -

هذا ما بينه الإمام الرضا (ع) عندما أجاب عن الإشكال الذي ذكره المأمون : كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران (ع) لا يعلم أن الله عز وجل لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟
فقال (ع) : " إن كليم الله موسى بن عمران (ع) علم أن الله تعالى أعز أن يرى بالأبصار ، ولكنه لما كلمه الله عز وجل وقربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه فقالوا : لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت ... اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه ... فقالوا له : لن نؤمن لك بأن الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة ، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عز وجل عليهم صاعقة ، فأخذتهم بظلمهم فماتوا ... فأحياهم الله وبعثهم معه ، فقالوا : إنك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته ، فقال موسى : يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفيه له وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى تسأله ، فقال موسى (ع) : يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم ، فأوحى الله جل جلاله إليه : يا موسى سلني ما سألوك ، فلن أؤاخذك بجهلهم ، فعند ذلك قال موسى (ع) ( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) " (1) .

فما يريد الإمام (ع) قوله هنا إن العلة في ذلك إصرار بني إسرائيل على إن يكون الطلب من موسى لأنهم يعرفون إن دعواته مستجابة ، وأما أن يصرح بأن الطلب طلب بني إسرائيل فهم يدركون إن مثل هذا الطلب لن يستجاب له .

 

(1) عيون أخبار الرضا ج1 ص 200 -210 .

 
 

- ج 2 ص 270 -

2) قوله : عدم إنكار الله على موسى (ع) كما أنكر على نوح (ع).

نقول : ما تبين مما سبق أن الطلب لم يكن طلب موسى (ع) بل هو طلب بني إسرائيل ، وقد أنكره الله عليهم عمليا بالصعقة أو الرجفة التي أصابت المجموع بسبب السفهاء ( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا ) .

3) قوله : الله تجلى للجبل وموسى (ع) أكرم .

نقول : يجب ان نقف وقفة دقيقة عن كلمة التجلي في قوله تعالى ( تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) وهي لا تعني ظهوره تعالى بحيث يراه الناظر ، بل إن الفارق الوجودي بين الله عز وجل والمخلوق الموجب لاستحالة الرؤية يعبر عنه في بعض الأخبار بالحجاب وإنه حجاب من نور ، وهذا ما تحدثت عنه روايات صحيح مسلم .

فقد روى مسلم في صحيحه كتاب الإيمان : عن أبي ذر قال سألت رسول الله (ص) هل رأيت ربك ؟ قال : " نور أنى أراه " (1) .
وفي رواية أخرى عنده قال (ص) : "رأيت نورا " (2) .

بل صرح باحتراق أي موجود يكشف له عن الحجاب النوري ، ففي صحيح مسلم أيضا عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله (ص) بخمس كلمات ، فقال : " إن الله عز وجل لا ينام … حجابه النور - وفي رواية أبي بكر النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " (3) .

 

(1) صحيح مسلم ج1 ص 161 .

(2) صحيح مسلم ج1 ص 161 . (3) المصدر السابق ج1 ص 161 -162 .  
 

- ج 2 ص 271 -

وقد صرحت روايات أهل البيت (ع) أن ما تجلى هو نور للرب ففي الخبر عن الصادق (ع) : " وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الأرض ... " (1) .

وفي الخبر الذي نقلناه عن الرضا (ع) : " ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) بآية من آياته " .
بل قد يستأنس لذلك بما ورد في مصادر العامة بأسانيد صحيحة إن الله لم يتجلى إنما تجلى شيء بسيط من عظمته ، فقد روى الحاكم عن أنس عن النبي (ص) في قوله عز وجل ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) قال حماد هكذا ، ووضع إبهامه على مفصل الخنصر الأيمن ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، قال الذهبي : على شرط مسلم (2)

وإليك كلمات بعض مفسري السنة في ذلك :
روى الطبري في تفسيره عن الربيع بن أنس : " ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ... ) وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور صار مثل دك من الدكاك " (3) .

وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن مجاهد في قول الله ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ... ) قال : " كشف بعض الحجب " (4) .

وقال الخازن ذلك في تفسيره : " قال ابن عباس : ظهر نور ربه للجبل فصار ترابا ... ، وقال الضحاك : أظهر الله عز وجل من نور الحجب مثل منخر الثور ... ،

 

(1) كفاية الأثر ص 258 .
(2) المستدرك على الصحيحين ج2 ص 351 ( 320 ) .

(3) تفسير الطبري المجلد السادس ج9 ص 72 .
(4) تفسر بن أبي حاتم ج5 ص 1560 .
 
 

- ج 2 ص 272 -

ويروى عن سهل الساعدي : أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا " (1) .

وقال القرطبي : " وقيل : تجلي أمره وقدرته ، قاله قطرب وغيره " (2) .

فمع هذه الروايات كيف يجزم الكاتب بأنه تعالى تجلى للجبل بنفسه لا بنوره كما هو صريح الأخبار حتى يرد قوله إنه تجلى للجبل وموسى أكرم على الله ؟!

وأما العلة في عرض النور على الجبل فواضحة ، وإنها لبيان إن أقسى الموجودات الذي يضرب به المثل في الصمود لا يمكن أن يبقى مع انكشاف الحجاب النوري له ، فكيف بالبشر وهم أضعف منه جسدا ، لذا روى الطبري في تفسيره عن مجاهد قوله : " ( ... فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ) فإنه أكبر منك وأشد خلقا " (3) ، و عندما يكون ذكر الجبل لمكان أنه الأقوى والأعظم خلقة فلا يمكنه الصمود أمام الحجاب النوري لله عز وجل ، لن يكون هناك محل للحديث عن الأكرمية ، بل الأمر حتى على مبنى من يقول إن الرؤية مستحيلة في الدنيا فقط دون الآخرة ، فإن الآية أرادت أن تبين عدم إمكان ذلك – في الدنيا على الأقل على رأيهم – للجبل وهو الأشد في الخلقة فكيف أنت يا ابن آدم ! فكيف نأتي بمقياس الأكرمية ؟! ، وأي علاقة لأكرمية موسى (ع) بذلك ؟!

4) لن لا تفيد التأبيد :
أما أن تكون ( لن ) قد وضعت في اللغة لتأبيد النفي أم لا ؟ المسألة خلافية بين النحاة ، والأصل في معنى ( لن ) هو إفادة تأبيد نفي الحدث في المستقبل إذا بقيت

 

(1) تفسير الخازن ج2 ص246 .
(2) الجامع لأحكام القرآن ، المجلد الرابع ، ج7 ص 250 .

(3) تفسير الطبري ، المجلد السادس ، ج9 ص72 .  
 

- ج 2 ص 273 -

على اطلاقها ، إلا إذا كانت هناك قرينة أو قيد يفيد اختصاص النفي بزمان أو مكان معينين ، كقوله تعالى ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ) فقيدت كلمة ( اليوم ) النفي بهذا الحد الزماني ، فتعني تأبيده بلحاظ هذا الزمان وأما ما عداه فمسكوت عنه .
وهذا كاف في الاستدلال ، وهذا ما يقوله الزركشي عند كلامه حول ( لن ) : " بل إن النفي مستمر في المستقبل إلا إن يطرأ ما يزيله ، فهي لنفي المستقبل ، و ( لم ) لنفي الماضي ، و ( ما ) لنفي الحال " (1) .

والأمر يشبه ما يقال في إفادة صيغة الأمر للوجوب ، فالوجوب مستفاد من إطلاق الفعل ، وأما إذا قامت قرينة على إفادة صيغة الأمر للاستحباب فلا يكون ذلك معارضا للأصل وهو أن فعل الأمر يفيد الوجوب .

فعلى هذا فجملة ( لَن تَرَانِي ) في الآية الكريمة تدل على التأبيد الدهري للنفي باعتبار الإطلاق ، لا على التأبيد في الدنيا فقط كما قال ، فما دام لم يقيد بعبارة صريحة أو بقرينة تقيده بزمان معين فيبقى التأبيد على إطلاقه .

ونحن نعتقد إنه لا يمكن قبول أي ادعاء بوقوع الرؤية في المستقبل ولو المستقبل الآخروي للاستحالة العقلية ، وهم لم يعدلوا عن ظواهر القرآن إلا للإسرائليات التي تسربت إلى مصادرهم بعد عدم استيعاب الاستحالة العقلية للرؤية العينية .

وأما إلحاق كلمة ( أبدا ) بـ ( لن ) في الآية ( وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ) ، فما هو المانع من كونه تأكيدا لهذا النفي المؤبد ، ولكن هنا تأبيد بلحاظ فترة زمانية محدددة لما ذكرنا أن إطلاق ( لن ) يفيد نفي الحدث في المستقبل ، لكن قد يكون المستقبل المحدد لتصريح أو قرينة .

 

(1) البرهان في علوم القرآن ج4 ص 387 .

 
 

- ج 2 ص 274 -

أما الاستدلال الثاني الذي ذكر من أن الكفار يتمنون الموت ، فهو استدلال غريب فعلا ، يتعارض جزؤه الأول مع الثاني ، فآية ( وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ) استخدم فيها لفظة ( أبدا ) وقد اعتبر مجيء ( أبدا ) الصريحة في التأبيد دليل على أن ( لن ) ليست للتأبيد ، ثم يقر بأن الكفار يتمنون الموت لقوله تعالى ( يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) فإذا أقررت بأن ( أبدا ) صريحة في التأبيد فالاشكال بالآية الثانية يرد عليك أنت ، فكيف تقر بأنها تدل على التأبيد لمكان كلمة أبدا ثم تأتي بما دل على تمنيهم له ؟!

ولكن من الواضح أن الآية ( وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ) فيها قرينة حالية على التأبيد نسبي بلحاظ عالم الدنيا ، لقوله تعالى ( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا … ) ، فالآية ناظرة إلى الدنيا بمعنى أن الكفار وهم في الدنيا لن يتمنون الموت أبدا ، ولا يتعلق الأمر بالآخرة حين رؤية العذاب الأليم حيث يكون الموت أخف عليهم من استمرار العذاب ، وهذه القرينة مفقودة في ( لَن تَرَانِي ) ، بل نحن نقول لا يمكن ان توجد لاستحالة الرؤية .

5) وأما قوله : علق الله الرؤيا على ممكن... وما علق على ممكن فهو ممكن .

هذا يرجعنا لما قلناه سابقا من إن التعبير هنا في الآية ( فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) وفي الخبر المذكور في صحيح مسلم : " لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " كلها عبارات لتقريب الاستحالة ، فبدل من أن يقال

- ج 2 ص 275 -

مستحيل قيل لا يمكن معه بقاء الجبل أضخم الموجودات في مكانه ، وقيل تحترق الموجودات ، فكلها عبارات أخرى عن استحالة الأمر .

وعليه لم تعلق الرؤية على ممكن ، بل ما قيل هو إنه يستحيل ثبات وجود وبقاء أضخم الموجودات مع تجلي النور ، فتقول الآية إذا تحقق هذا المستحيل فسوف تراني ، فاستقرار الجبل مكانه أمر ممكن في نفسه ولكن استقراره مع تجلي النور الآلهي مستحيل ، والتعليق ليس على الاستقرار الممكن في نفسه بل على الاستقرار المقيد بالتجلي وهو مستحيل بل المراد تقرير استحالة ذلك .

وإشارة إلى ذلك قال الشيخ الطبرسي في ( مجمع البيان ) :
" علق رؤيته باستقرار الجبل الذي علمنا أنه لم يستقر وهذه طريقة معروفة في استبعاد الشيء لأنهم يعلقونه مما يعلم أنه لا يكون ، ومتى قيل إنه لو كان الغرض بذلك التبعيد لعلقه سبحانه بأمر يستحيل كما علق دخول الجنة بأمر مستحيل من ولوج الجمل في سم الخياط فجوابه إنه سبحانه علق جواز الرؤية باستقرار الجبل في تلك الحال التي جعله فيها دكا وذلك مستحيل لما فيه من اجتماع الضدين " (1) .

ولكن الأدق أن يقال إن المستحيل هو تلاقي الوجود الذي لا يخضع للمقاييس المادية ولا لإطار الزمان و المكان مع وجود خاضع للمقايس المادية ، الأمر الذي لو افترض حدوثه يعني فناء العالم المادي أو كما في صحيح مسلم : " لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " .

 

(1) مجمع البيان ج2 ص475 .

 
 

- ج 2 ص 276 -

6) قوله :لم يقل الله لموسى لا أرى وإنما قال لن تراني أي الآن في الدنيا .

نقول : اذا كان البناء أن نقيد العبارة كما نشاء فعبارة ( لا أرى ) يمكن أن تقيد فيقال ( أي الآن في الدنيا ) .

والحصيلة إن عبارتك المقترعة لا تنفع لحل المشكلة ، لأنه يمكن معها القول بأن " لا أرى " تنفي الرؤية في الدنيا وأما الآخرة فلا .

والغريب أن يقول " وإنما قال لن تراني أي الآن في الدنيا " ، فالعجب من أين جاء بقيد " أي الآن في الدنيا " ، لا أعتقد بوجود تفسير لذلك إلا سعة الخيال وتميز فاضح في مصادرة المطلوب .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب