النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 21

42 - هند بنت عتبة أم معاوية

قال دفاعا عن هند : " قلت : قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) هكذا يرمي نساء المؤمنين بالعهر والفجور ... وهند لم تعرف بالعهر والفجور بل هي بايعت النبي (ص) مع مجموعة النساء فقرأ عليهن الاية ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ … ) (الممتحنة 12) ، فقالت له هند : يا رسول الله أو تزني الحرة ؟

نقول : إن اتهام هند بنت عتبة بالفجور تهمة مذكور في كتب التاريخ ، وأول من اتهمها زوجها الفاكه ، والخبر رواه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (1) وابن كثير في ( البداية والنهاية ) (2) ، والذي برأها من ذلك هو كاهن رجع إليه أهلها ، فهل يريد الكاتب منا الاعتماد على أقوال الكهنة ، كما أن الأمر المنسوب إليها قد قامت به في زمن كفرها ، فكيف يستبعد منها ذلك ، وقد فعلت برسول الله (ص) وبعمه الحمزة ما فعلت من جرائم لا تقل عن الفجور .

بل كيف يطبق الآية القرآنية ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ … ) على امرأة كافرة اتهمت في زمن كفرها بالعهر والفجور .

 

(1) تاريخ دمشق لابن عساكر ج7 ص168 .

(2) البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص124 .  
 

-ج 2 ص 22 -

وقال الزمخشري في ( ربيع الأبرار ) : " وكان معاوية يعزى إلى أربعة إلى مسافر بن أبي عمرو وإلى عمارة بن الوليد وإلى العباس بن عبد المطلب وإلى الصباح مغن أسود كان لعمارة ، قالوا كان أبوسفيان دميما قصيرا ، وكان الصباح عسيفا لأبي سفيان شابا وسيما فدعته هند إلى نفسها .

وقالوا إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا ، وإنها كرهت أن تضعه في منزلها فخرجت إلى الأجياد فوضعته هناك وفي ذلك قال حسان :

لمن الصبي بجانب البطحاء ملــقى غير ذي ســــهد
نجلت به بيضـــاء آنســة من عبد شمس صلتة الخد "
(1) .

وقال ابن أبي الحديد : " وكانت هند تذكر في مكة بفجور وعهر " (2) .

وقال الأصفهاني في ( الأغاني ) : " أن مسافر بن أبي عمرو بن أمية كان من فتيان قريش جمالا وشعرا وسخاء قالوا : فعشق هندا بنت عتبة بن ربيعة وعشقته فاتهم بها وحملت منه … وأقبل أبو سفيان بن حرب إلى الحيرة في بعض ما كان يأتيها فلقي مسافرا فسأله عن حال قريش والناس فأخبره وقال له فيما يقول : وتزوجت هندا بنت عتبة فدخله من ذلك ما اعتل معه … " (3) .

لا نريد أن نقول بأن هذه روايات معتمدة عند أهل السنة ، ولكن نريد أن نقول إنها أخبار منقولة في مصادر التاريخ ، والتهمة الموجهة لبعض رواتها بالتشيع لا تعني أنهم ليسوا من أهل السنة ، فليس كل اتهام بالتشيع يعني الرفض كما هو واضح للمتتبع .

 

(1) ربيع الأبرار للزمخشري ج3 ص551 .

(2) شرح نهج البلاغة ج1 ص336 . (3) الأغاني ج9 ص 62  
 

-ج 2 ص 23 -

لماذا نكذب ما لا يروق لنا أليس التوقف وعدم العلم علم ، ثم لم أفهم على ماذا يريد أن يستدل برواية الطبري عن بيعة هند لرسول الله (ص) والتي رويت عن ابن عباس : " … وقال لعمر : قل لهن ولا يسرقن ، قالت هند : والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهن لي أم لا ؟ … فقال : ولا يزنين فقالت : يا رسول الله وهل تزني الحرة ؟ ، فقال : لا والله ما تزني الحرة ، قال : ولا يقتلن أولادهن ، قالت هند : أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر … " .
والرواية تكشف جرأة عجيبة لهند حينما تخاطب رسول الله أنت قتلتهم ، ولذا ذكرها ابن كثير في تفسيره ثم علق بقوله : "وهذا أثر غريب في بعضه نكارة والله أعلم " (1) .

والعجيب أن ابن عبدالبر في ( الاستيعاب ) ينقل عنها أنها قالت : " وهل تزني الحرة وتسرق يا رسول الله " (2) في حين أنها في الخبر الذي صححه الحاكم وعندما أرادت ان تبايع رسول الله (ص) قالت : " لا أبايعك على السرقة إني أسرق من مال زوجي " (3) .

بل قال السيوطي : وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبي (رض) عندما قال ( وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ ) أنها قالت : أنت قتلت آباءهم وتوصينا بأبنائهم (4) ، بل ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره أن امرأة قالت : تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم ؟ (5) وهي أشبه بكلام من لم تؤمن برسول الله (ص) .

 

(1) تفسير ابن كثير ج4 ص378 .
(2) الاستيعاب ج4 ص 475 .

(4) الدر المنثور ج 8 ص140 .
(5) تفسير أبن أبي حاتم ج10 ص 3351 .
 
  (3) المستدرك على الصحيحين ج2 ص 528 ، قال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، وقال الذهبي في التلخيص : " صحيح " .  
 

-ج 2 ص 24 -

ثم هل المقصود أن رسول الله (ص) قد أقر أنها حرة لا تفعل الفاحشة ؟ أم أراد أن يقول نعم الحرة لا تزني ولكن من غير المعلوم أنك حرة بل عشت طوال عمرك أمة للأصنام والشهوات ! والتاريخ مليء بحرائر لسن إماء ارتكبوا ذلك الإثم ، فلا يمكن أن يكون قصد رسول الله (ص) مكذب لواقع تاريخي واجتماعي ملموس في كل زمن.

فامرأة كهند بنت عتبة قضت ثلاث وعشرين سنة هي عمر عهد الرسالة المباركة تحارب الرسول (ص) بكل جهدها وبكل وحشية ، حتى جاء يوم الفتح وهي تناضل في معسكر الكفر ، فاستسلمت هند وخضعت للمد الإسلامي فهل يقال لمثلها حرة ؟

ثم هناك من الروايات ما يدل على أنها من أهل النار فقد روى ابن سعد في ( الطبقات ) روايتين بنفس المعنى بسندين قال في الثانية أخبرنا عفان بن مسلم قال أخبرنا حماد بن سلمة قال : أخبرنا عطاء بن سائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال : " قال أبو سفيان يوم أحد : قد كانت في القوم مثلة ، وإن كانت لعن غير ملأ مني وما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت ولا ساءني ولا سرني ، قال : ونظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع هند تأكلها ، فقال رسول الله (ص) : أكلت منها شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار " (1).

ولا بأس بسند الخبر فمحمد بن سعد صاحب الكتاب قال عنه ابن حجر : " كاتب الواقدي ، صدوق فاضل " (2) .
وعفان بن مسلم قال عنه : " ثقة ثبت " (3) .
وقال عن حماد بن سلمة : " ثقة عابد " (4) .
وعن عطاء بن السائب : " صدوق اختلط " (5) .

 

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص 49 .
(2) تقريب التهذيب ج2 ص79 .
(3) المصدر السابق ج1 ص 679 .

(4) المصدر السابق ج1 ص238 .
(5) المصدر السابق ج1 ص 675 .
 
 

-ج 2 ص 25 -

وعن الشعبي : " عامر بن شراحيل الشعبي … ثقة مشهور فقيه فاضل" (1).
وابن مسعود هو عبدالله بن مسعود الصحابي .

وقد عقب احد رواة الرواية الأولى على الخبر بقوله : " وهذه شدائد على هند المسكينة " (2) ، والظاهر أنها مسكنة ناتجة من كونها أما لمعاوية الخليفة والصحابي الذي يصعب عليه تقبل كون أمه من أهل النار ؟!

أليست الرواية صريحة في أن هند ستدخل النار ، أم هناك مبشرون بالجنة ولا يوجد مبشرون بالنار ، أم هي مبشرة بالنار تابت والنتيجة أخطأ من بشر بذلك ، وهل يقبل مسلم مثل هذه النتيجة ؟!

 

(1) تقريب التهذيب ج1 ص 461 .

(2) الطبقات الكبرى ج2 ص 49 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب