|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 283 |
|
63- بيعة أبي
بكر فلتة
قيل :
" ولهذا قام في الناس خطيبا- يعني عمر- فور رجوعه إلى
المدينة ، فقال من جملة ما قال في خطبته : " إنه بلغني
أن قائلا منكم يقول والله لو مات عمر بايعت فلانا ،
فلا يغترن أمرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي
بكر فلتة وتمت ألا وإنها كانت كذلك ولكن الله وقى شرها
… ثم يقول من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا
يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا " .
قال الكاتب : " بتر الحديث والرواية هكذا " ولكن الله
وقى شرها وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر
من بايع رجلا من غير مشورة … " .
فانظروا إلى الفعل القبيح يذكر الرواية بطولها ثم يأتي
إلى خمس كلمات منها فيحذفها لتوافق ما يريده " .
أولا : قوله : " يذكر الرواية بطولها … " الرواية شغلت
صفحتين من صحيح البخاري والكاتب لم يذكر سوى خمسة أسطر
منها ، فكيف يكون نقل الرواية بطولها ، فهل هذا إلا
كذب وتهويل للإعلام ؟
ثم إن القائل بدأت عبارته بكلمة " ولهذا " ، فهل عرفت
القراء بالأمر الذي يريد الاستدلال عليه ؟! حتى تقول
للقراء أنه : " فانظروا إلى هذا الفعل القبيح ...
فيحذفها لتوافق ما يريده " ، فهل بينت للقراء ما يريد
؟!
ولبيان ذلك نقول :
عند الرجوع للكتاب يتضح أن الناقل يستدل على أن رأي
عمر في انعقاد البيعة اختلف وتغير ، فقد كان يرى أنه
يكفي في صحة البيعة أن يسبق إليها أحد المسلمين كما
حدث له شخصيا ويجب على الآخرين الاتباع واستدل على ذلك
بقوله في السقيفة : " ونزونا على سعبد بن عبادة فقال
قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة فقلت قتل الله سعد بن
عبادة ، قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من
أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم
تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فإما بايعناهم
على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد " (1) .
ولكن عمر عدل عن هذا الرأي في آخر حياته ورأى أن
البيعة يجب أن تتم عن مشورة ، فقال كلمته : " فمن بايع
رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي
بايعه تغرة أن يقتلا " (2) .
وأما العبارة التي استدركها الكاتب على القائل " وليس
فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر " لا دور لها
في تلك الاستفادة ولا تضر الاستدلال السابق على تغير
رأي عمر .
أيهما الأصل هل وجود من تقطع إليه الأعناق أم الشورى
؟!
| |
(1) صحيح البخاري ج 8 ص 211 . |
(2) المصدر السابق ، الصفحة نفسها . |
|
|
نعم يمكن الإشكال على الأمر بأن رأيه لم يتغير بل هو
يرى أن الأصل هو الشورى ، ولكن في تعيين أبي بكر
للخلافة استثناء ، فهو شخص مميز تقطع إليه الأعناق ،
لكن من الواضح إن عمر كان يرى إنه هو أيضا ممن تقطع
إليه الأعناق أيضا لأنه لا تجد رائحة الشورى في تعيين
أبي بكر له خليفة على المسلمين .
ولكن مصيبة الشورى هذه أنها أصبحت من الناحية العملية
هي الاستثناء ووجود من تقطع إليه الأعناق هو الأصل ،
بل ما ذكره لم يتحقق في فترة الخلافة الراشدة إلا عند
بيعة علي (ع) التي قال عنها (ع) : " فما راعني إلا والناس
كعرف الضبع إلي ينثالون علي من كل جانب حتى لقد وطئ
الحسنان وشق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم ، فلما
نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون " (1) .
ومع ذلك فثقافة وأدبيات أتباع مدرسة الحديث تقوم على
التشكيك ببيعة علي دون السابقين عليه ، ليس لأن الشورى
مفقودة عند علي موجودة عند غيره وإلا فلاريب في إن
خلافة عمر تنعدم فيها رائحة الشورى ، بل لا ريب بأن
العكس هو الصحيح ، ولكن السبب إن كل من قبله دخل تحت
الاستثناء ( تقطع إليه الأعناق ) دون علي (ع) لأنه قطع
الأعناق أعناقا بدرية وأحدية وخيبرية وحنينية ، فلا
يمكن أن تقطع إليه الأعناق .
ولا أعرف كيف كان أبو بكر تقطع إليه الأعناق مع ما نقل
من الخلاف الواضح عليه وعلى بيعته في السقيفة وبعدها ،
وقد ذكرنا تفصيل ذلك في الجزء الأول (2) .
| |
(1) نهج البلاغة ، الخطبة 3 ص 49 .
(2) راجع الجز الأول من النفيس في بيان رزية الخميس
ج1 ص 259 ، و ص 333 . |
|
|
لذا يجب أن نعرف سبب مقولة عمر تلك ، فما قاله بل كل
خطبته تلك وقعت بسبب ما نقل إليه كما في أول الخبر من
قول عبدالرحمن لابن عباس : " لو رأيت رجلا أتى أمير
المؤمنين اليوم فقال : يا أمير المؤمنين هل لك في فلان
يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا ، فو الله ما
كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ، فغضب عمر ثم قال :
إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء
الذي يريدون أن يغصبوهم أمورهم " (1) .
فهو يرى إن من قال ذلك يتعدى على الناس وحقوقهم ، وعبر
عن ذلك بقوله : يغصبهم أمورهم ، وإن وافق في أن ما حدث
فلتة لقوله : " ألا وإنها كانت كذلك " (2) ، فهل تقدير
عمر إن أبي بكر ممن تقطع إليه الأعناق يبرر غصب الناس
أمورهم ؟!
ومن الذي قال تلك المقالة ؟ ومن أراد أن يبايع ؟ ولم
غضب عمر من تلك المقالة واعتبرهم مغتصبين لأمور الناس
وأراد أن يحذر الناس منهم ؟
صحيح إن ابن حجر في ( الفتح ) عند شرح الخبر قال : " (
لقد بايعت فلانا ) هو طلحة بن عبيد الله أخرجه البزار
... ... ونقل ابن بطال عن المهلب أن الذين عنوا أنهم
يبايعنونه رجلا من الأنصار ولم يذكر مستنده في ذلك "
(3) .
لكنه رجع عن ذلك في مقدمة فتح الباري في الفصل السابع
في تبيين الأسماء المهملة قال : " وقد كرر في هذا
الفصل حديث ابن عباس عن عمر في قصة السقيفة ، فيه فقال
عبدالرحمن بن عوف : لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين
فقال : يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول : لو قد
مات عمر لقد بايعت فلانا ، في مسند
| |
(1) صحيح البخاري ج 8 ص 208 . |
(2) صحيح البخاري ج 8 ص210 .
|
(3) فتح الباري ج12 ص 146 . |
|
|
البزار
والجعديات بإسناد ضعيف أن المراد بالذي يبايع له طلحة
بن عبيد الله ، ولم يسم القائل ولا الناقل ، ثم وجدته
في الأنساب للبلاذري بإسناد قوي من رواية هشام بن يوسف
عن معمر عن الزهري بالإسناد المذكور في الأصل ولفظه
قال عمر : بلغني أن الزبير قال : لو قد مات عمر بايعنا
عليا الحديث ، فهذا أصح " (1) .
الحقيقة إنها كلمة قيلت للوقوف في وجه بلوغ الأمر لعلي
(ع) فعندما يكون الأمر متعلقا بأبي بكر فليس المحل محل
الشورى لأن الأعناق تقطع إليه وهكذا حينما يعين عمر من
قبل أبي بكر فهو ممن تقطع إليه الأعناق .
وأما عثمان فلا شك أنه في زمن عمر لا يمكن أن يوصف
بذلك ، فكان يجب أن يبدأ بتنفيذ شعار ( مشورة المسلمين
) ولو على نحو شكلي وصوري ، تحدث عنها علي أمير
المؤمنين (ع) في شقشقته قائلا : " حتى إذا مضى لسبيله
جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيا لله وللشورى متى
اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه
النظائر " (2) .
وعلى نهج أبيه سار ابن عمر حينما خاطب عليا
(ع) بعد أن
بايعه أهل المدينة قائلا : " يا علي اتق الله و
لاتنتزين على أمر الأمة بغير مشورة " (3) ، وحينما
أضفى ابن عمر صفة ( تقطع إليه الأعناق ) إلى الخلفاء
الثلاث الأول كلهم وسلبها عن علي (ع) وفق رواية البخاري
في باب مناقب عثمان عنه قال : " كنا في زمن النبي
(ص) لا
نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب
النبي (ص) لا نفاضل بينهم " (4) .
| |
(1) هدي الساري ( مقدمة فتح الباري ) ص 338 .
(2) نهج البلاغة ، الخطبة 3 ص 49 . |
(3) أنساب الأشراف ج3 ص9 .
(4) صحيح البخاري ج5 ص 18 . |
|
|
فلم يكن عثمان زمن أبيه عمر ممن تقطع إليه الأعناق
بصريح كلمة أبيه السابقة ، ولكن كلما بلغ أحد الثلاثة
الخلافة زاد في عدد من تقطع إليه الأعناق حتى أصبحوا
ثلاثة كما قال ابن عمر ، ويقف الأمر عند بلوغ علي (ع)
الخلافة فلا يمكن للعدد أن يزداد .
وبعد هذا يصيح الناكثون إن بيعة علي
(ع) لم تكن عن مشورة
بل كانت كرها ؟! كل ذلك لأنه جاء وقت تطبيق الشورى
وليس في زمن علي (ع) من تقطع إليه الأعناق حتى نستمر في
نقض القاعدة ؟!
وبعدها يرتفع صوت معاوية قائلا في كتاب كتبه إلى سعد
بن أبي وقاص : " فإن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى
والذين أثبتوا حقه واختاروه على غيره ، وقد نصره طلحة
والزبير وهما شريكاك في الأمر والشورى ونظيراك في
الاسلام ، وخفّت لذلك أم المؤمنين ، فلا تكرهّن ما
رضوا ، ولا تردّن ما قبلوا ، فإنما نردها شورى بين
المسلمين " (1) .
قصة وخطة بدأت في السقيفة ، وكان لا بد أن يستمر
القائمون عليها ومن تبعهم في تنفيذها حتى حينما بلغ
الأمر لعلي (ع) وهم كارهون .
واستمر الأمر بحيث ترى أحد الفصول التي يذكرها الخلال
في كتابه ( السنة ) بعنوان " تثبيت خلافة علي بن أبي
طالب " يذكر فيها خبرا صحح محقق الكتاب سنده قال :
وأخبرني عبدالملك بن عبدالحميد الميموني انه قال لأبي
عبدالله – ابن حنبل – فإنا وبعض أخوتي هو ذا نعجب منك
في إدخالك عليا في الخلافة ، قال لي : فأيش أصنع وأيش
أقول بقول علي رحمه الله أنا أمير المؤمنين " (2) .
بل هي مستمرة في زمننا حينما تعرف إن الشيخ الفاضل حسن
بن فرحان المالكي يضطر لكتابة كتاب بعنوان ( بيعة علي
) ردا على رسائل جامعية أرادت التشكيك في كون علي (ع) من
الخلفاء الأربعة (3) .
| |
(1) الإمامة والسياسة ج1 ص 120 .
(2) السنة ، المجلد الأول ص 426 . |
(3) بيعة علي بن أبي طالب ، انظر فصل ( نقد أبرز الدراسات الجامعية ) ص
257 . |
|
|
|