|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 295 |
|
65- المحدث وتهمة الوحي بعد محمد صلى الله عليه وآله
وسلم
عندما قيل : والشيعة كما هو معروف لا يعتقدون بهذا-
وحي بعد محمد (ص)- وإنما هي تهمة ألصقها بهم أعداؤهم " .
قال الكاتب :
" قال الكليني في الكافي عن علم أئمته :
وأما النكت في القلوب فإلهام ، وأما النقر في الأسماع
بتحديث الملك .
بوب المجلسي في كتابه بحار الأنوار : باب أنهم محدثون
مفهمون .
بوب الكليني في كتابه الكافي : باب أن الأئمة تدخل
الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار " .
نقول : لقد ذكرنا سابقا في معرض الرد على مقولته بأن
الشيعة يقولون أن سلمان يوحى إليه : أن كتب أهل السنة
تصرح بأن عمر بن الخطاب محدث ومع ذلك لا يستغرب الكاتب
هذا الأمر من علمائهم ، ولكن حينما يصل الدور إلى
اعتقاد الشيعة في الأئمة تنقلب الدنيا ، ويصبح مثل هذا
الحديث كفر وزندقة (1) .
ولكن الأمر الزائد الذي ذكره الكاتب هنا هو تعرضه
لعقيدة الشيعة في الأئمة وإنهم محدثون ، تحدثهم
الملائكة ، فقال : " وبوب الكليني في كتابه الكافي باب
( أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم
بالأخبار ) " (2) ، ثم نقل ما
| |
(1) راجع الجزء الأول من النفيس ج1 ص 63 . |
(2) الكافي ج1 ص 393 . |
|
|
روي عن أبي
عبد الله الصادق (ع) : " إن منا لمن ينكت في أذنه ، وإن
منا لمن يؤتى في منامه ، وإن منا لمن يسمع صوت السلسلة
يقع على الطشت ، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبريل
وميكائيل " (1) .
نقول يمكن تحديد زاويتين للاشكال الأولى هي إمكان لقاء
بعض البشر بالملائكة ، والثانية إمكان الاتصال بالملك
وأخذ معارف منه وهل يعد أي تلق من الملك وحيا ينافي
عقيدتنا في ختم النبوة ؟
أما رؤية الملائكة فقد رأى العديد من الصحابة جبريل
(ع)
في غير صورته الحقيقية كما تحدثت بذلك أم سلمة فيما
نقله البخاري في باب علامات النبوة :
" عن أبي عثمان قال : أنبئت أن جبريل (ع) أتى النبي
(ص)
وعنده أم سلمة ، فجعل يحدث ، ثم قام فقال النبي (ص) لأم
سلمة : من هذا ؟! أوكما قال ، قال : قالت : هذا دحية ،
قالت أم سلمة : أيم الله ما حسبته إلا إياه ، حتى سمعت
خطبة نبي الله يخبر جبريل أو كما قال ، قال : فقلت
لأبي عثمان : ممن سمعت هذا ؟ قال : من أسامة بن زيد "
(2) .
وكذلك روي رؤية جمع كثير من الصحابة لجبريل
(ع) في صورة
بشر فقد روى البخاري في كتاب الايمان باب سؤال جبريل
النبي عن الايمان والاسلام والاحسان عن أبي هريرة : "
كان النبي (ص) بارزا يوما للناس ، فأتاه جبريل فقال : ما
الإيمان ؟ … ثم أدبر ، فقال : ردوه ، فلم يروا شيئا ،
فقال : هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم " (3) .
فرؤية جبريل في عقيدة أهل السنة
(ع) لم تكن خاصة برسول
الله (ص) .
| |
(1) بصائر الدرجات ، ص 232 .
(2) صحيح البخاري ج4 ص250 ، في نسخة " بخبر جبريل " . |
(3) المصدر السابق ج1ص 20 . |
|
|
وإذا أراد أحد أن يخصص الأمر بحياة النبي
(ص) حيث كان
جبرئيل ينزل عليه دون الأزمان التالية ، فعليه أن يقرأ
ما رواه مسلم في صحيحه عن مطرف قال : قال لي عمران
بحصين : أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به إن رسول
الله (ص) جمع بين حجة وعمرة ، ثم لم ينه عنه حتى مات ،
ولم ينزل فيه قرآن يحرمه ، وقد كان يسلم علي حتى
اكتويت فتركت ثم ترك الكي فعاد " (1) .
قال النووي في شرح كلام عمران : " معنى الحديث أن
عمران بن حصين (رض) كانت به بواسير فكان يصبر على ألمها ،
وكانت الملائكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع سلامهم عليه
ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه " (2) .
وكذلك يجب على الباحث مراجعة ما ذكره المفسرون عند
تفسير قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا
اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا … )
(3) .
قال ابن كثير في تفسير الآية : " وقوله تعالى
( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَائِكَةُ ) قال مجاهد والسدي وزيد بن أسلم : يعني عند الموت " (4) .
وقال في تفسير سورة النحل :
" ثم أخبر تعالى عن حالهم
عند الاحتضار أنهم طيبون أي مخلصون من الشرك والدنس
وكل سوء وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة كقوله
تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَائِكَةُ ) " (5) .
| |
(1) صحيح مسلم ج 2 ص 899 .
(2) شرح النووي على صحيح مسلم ج 8 ص 206 .
(3) فصلت / 30 . |
(4) تفسير ابن كثير ج4 ص107 .
(5) تفسير ابن كثير ج2ص 589 . |
|
|
وقال ابن الجوزي : " قوله تعالى
( تَتَنَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ) أي بأن
لا تخافوا وفي وقت نزولها قولان :
أحدهما : عند الموت قاله ابن عباس ومجاهد فعلى هذا في
معنى لا تخافوا قولان أحدها لا تخافوا الموت ، ولا
تحزنوا على أولادكم ، قاله مجاهد ، والثاني لا تخافوا
ما أمامكم ، ولاتحزنوا على ما خلفكم ، قاله عكرمة
والسدي " (1) .
وأما الزاوية الأخرى للاشكال وهي التلقي من الملك ،
فيمكن أن يقال : أن ما ذكرتم من مجرد الرؤية صحيح ،
ولكن لم يقل أحد منا بأن الالتقاء بالملائكة بعد وفاة
النبي (ص) يكون على نحو يتلقى فيه المعارف الدينية ،
ووحيا كما يعتقد الشيعة في أئمتهم ؟!
فنقول :
أولا : إن اعتقاد أهل السنة بأن عمر محدث يعني أنه
يتلقى معارف من الملائكة ، وما قصة سارية إلا دليل على
ذلك قال ابن حجر في ( الاصابة ) عند ترجمة سارية بن
زنيم :
" وأمره عمر على جيش وسيره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين ،
فوقع في خاطر عمر وهو يخطب يوم الجمعة أن الجيش
المذكور لاقى العدو وهم في بطن واد وقد هموا بالهزيمة
وبالقرب منهم جبل ، فقال في أثناء خطبته : يا سارية !
الجبل الجبل ورفع صوته ، فألقاه الله في سمع سارية
فانحاز إلى الجبل وقاتلوا العدو من جانب واحد ففتح
الله عليه .
قلت : هكذا أخرج القصة الواقدي عن أسامة بن زيد بن
أسلم عن أبيه عن عمر وأخرجها سيف مطولة عن أبي عثمان
وأبي عمر بن العلاء عن رجل من بني مازن
فذكرها مطولة
وأخرجها البيهقي في الدلائل واللآلئ في شرح السنة
والزين عاقولي في فوائده وابن الأعرابي في كرامات
الأولياء من طريق ابن وهب ... عن ابن عمر ... ، وهكذا
ذكره حرملة في جمعه لحديث ابن وهب وهو إسناد حسن " (1)
.
وقال في شرحه لحديث أبي هريرة " لقد كان فيما قبلكم من
الأمم محدثون ، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر " :
" وقوله وإن يك في أمتي قيل : لم يورد هذا القول مورد
الترديد فإن أمته أفضل الأمم ، وإذا ثبت أن ذلك وجد في
غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى ، وإنما أورده مورد
التأكيد كما يقول الرجل : إن يكن لي صديق فإنه فلان "
(2) .
بل ذكر ابن حجر إن الأمر لا يختص بعمر بل يشمل
الكثيرين فقد نقل عنه المناوي قوله : " وقد كثر هؤلاء
المحدثون بعد العصر الأول وحكمته زيادة شرف هذه الأمة
بوجود أمثالهم فيها ومضاهاة بني إسرائيل في كثرة
الأنبياء فلما فات هذه الأمة المحمدية كثرة الأنبياء
لكون نبيهم خاتم الأنبياء عوضوا تكثير الملهمين " (3)
.
وقبله توسع البيهقي في تثبيت هذه السمة لعمر قائلا بعد
نقل قصة سارية : " وقد روينا من أوجه عن أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب (رض) أنه قال : ما كنا ننكر ونحن
متوافرون أن السكينة تنطق على لسان عمر ، وعن عبدالله
بن مسعود : ما رأيت عمر قط إلا وكأن بين عينيه ملكا
يسدده ، وعن عبدالله بن عمر قال : كان عمر يقول القول
ننتظر متى يقع ، قال الشيخ : وكيف لا يكون وقد قال
رسول الله (ص) : إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن
يكن في هذه الأمة فهو عمر بن الخطاب ، وهذا الحديث أصل
في جواز كرامات الأولياء ، وفي قراءة أبي بن كعب
| |
(1) الإصابة ج3 ص53 . |
(2) فتح الباري ج7 ص 50 . |
(3) فيض القدير ج4 ص 643 . |
|
|
(
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ ) (1) ولا محدث ، وقرأها ابن عباس كذلك ، ثم
في بعض الروايات عن النبي (ص) أنه قيل : كيف يحدث ؟ قال
: تتكلم الملائكة على لسانه ، وذلك يوافق ما رويناه عن
علي وعبدالله في عمر (رض) " (2) .
وقد صحح خبر سارية الألباني في ( السلسلة الصحيحة )
قائلا :
" فتبين مما تقدم انه لا يصح شيء من هذه الطرق إلا
طريق ابن عجلان وليس فيها إلا مناداة عمر : " يا سارية
الجبل " ، وسماع الجيش ندائه وانتصاره بسببه ، ومما لا
شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهاما من الله
تعالى لعمر فإنه ( محدث ) كما ثبت عن النبي (ص) " (3) .
وثانيا : أن الشيعة لم يقولوا بأن الملائكة توحي إلى
الأئمة شريعة جديدة وأحكام غير ما أنزل على الرسول (ص)
بل يخبرونهم بأخبار الحوادث ، وقد صرح القرآن الكريم
في سورة القدر بنزول الملائكة بالمقدر من الحوادث إلى
الأرض في ليلة القدر ، قال تعالى
( لَيْلَةُ الْقَدْرِ
خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
* تَنَزَّلُ
الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم
مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) (4) .
وقد فسرها جل علماء التفسير من السنة والشيعة بأنهم
ينزلون بمقدرات الكون في هذه الليلة .
بل صرح القرآن بتلقي غير النبي من الملك مثل تلك
المعلومات كما في قصة مريم (ع) - بناء على الصحيح من أنها
ليست نبية لقوله تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ
| |
(1) الحج / 52 .
(2) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي ص 435 - 436 .
(3) سلسلة الأحاديث الصحيحة ، المجلد الثالث ص 102 ، ح 1110 .
(4) القدر / 3- 4 . |
|
|
إِلاَّ
رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم ) (1) - حيث خاطبها الملك
وظهر لها بصورة البشر كما في قوله تعالى
( وَإِذْ
قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ
اصْطَفَاكِ … ) (2) ، وقوله عز وجل
( فَأَرْسَلْنَا
إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا
سَوِيًّا ) (3) ، فليس الحديث في الآيات عن الوحي الذي
يختص به الأنبياء (ع) والقائم على تلقي الشرائع الإلهية او إكمالها .
وهكذا الحال بالنسبة لأم موسى
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى
أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ
عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ) (4) التي أجمع
العلماء على نفي صفة النبوة عنها .
وعليه لا رؤية الملك خاص بالأنبياء و لا سماعه خاص بهم
، نعم ما يختصون به هو وحي الشريعة ، لا مطلق الوحي
بمعناه اللغوي .
وقد تحدث في ذلك الشيخ الآلوسي في تفسيره عند تفسير
الآية 42 من سورة آل عمران ناقلا قول اللقاني في ذلك :
" واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم لأن تكليم
الملائكة يقتضيها ومنعه اللقاني بأن الملائكة قد كلموا
من ليس بنبي إجماعا ، فقد روي أنهم كلموا رجلا خرج
لزيارة أخ له في الله وأخبروه أن الله سبحانه يحبه
كحبه لأخيه فيه ، ولم يقل أحد بنبوته ، وادعي أن من
توهم أن النبوة مجرد الوحي ومكالمة الملك فقد حاد عن
الصواب " (5) .
| |
(1) يوسف / 109 .
(2) آل عمران / 42 . |
(3) مريم / 17 .
(4) القصص / 7 .
|
(5) روح المعاني ، المجلد الثالث ج3 ص 247 . |
|
|
وأيضا صرح الآلوسي في تفسير قوله تعالى
( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ …
) (1) بأن هناك من يقول بأن البشر غير الأنبياء يرون
الملائكة لمجرد أنهم أهل تقوى ، قال :
" وقيل : تتنزل عليهم يمدونهم فيما يعن ويطرأ لهم من
الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ، ويدفع
عنهم الخوف والحزن بطريق الإلهام كما أن الكفرة يغويهم
ما قيض لهم من قرناء سوء بتزيين القبائح ، قيل : وهذا
هو الأظهر لما فيه من الاطلاق والعموم الشامل لتنزلهم
في المواطن الثلاث السابقة وغيرها ، وقد قدمنا لك أن
جمعا من الناس يقولون بتنزل الملائكة على المتقين في
كثير من الأحايين ، وأنهم يأخذون منهم ما يأخذون " (2)
.
وقال ابن حجر في حديثه عن ليلة القدر في ( فتح الباري
) :
" واختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا ؟
فقيل : يرى كل شيء ساجدا ، وقيل : الأنوار في كل مكان
ساطعة حتى في المواضع المظلمة ، وقيل : يسمع سلاما أو
خطابا من الملائكة ... .
وقال الطبري : في إخفاء ليلة القدر دليل على كذب من
زعم أنه يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر
السنة ، إذ لو كان ذلك حقا لم يخف على كل من قام ليالي
السنة فضلا عن ليالي رمضان ، وتعقبه ابن المنير في
الحاشية بأنه لا ينبغي إطلاق القول بالتكذيب لذلك بل
يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاء الله من
عباده ، فيختص بها قوم دون قوم " (3).
| |
(1) فصلت / 30 . |
(2) روح المعاني ، المجلد 13 ، ج24 ص 186 . |
(3) فتح الباري ج4ص 266- 267 . |
|
|
قال الآلوسي :
" وفي تحفة المحتاج لابن حجر الهيثمي عليه الرحمة يسن
لرائيها كتمها ولا ينال فضلها أي كماله إلا من أطلعه
الله تعالى عليها .
والظاهر أنه عني برؤيتها رؤية ما يحصل به العلم له بها
مما خصت به من الأنوار ، وتنزل الملائكة عليهم السلام
، أو نحوا من الكشف المفيد للعلم مما لا يعرف حقيقته
إلا أهله وهو كالنص في أن يراها من شاء الله تعالى من
عباده " (1) .
وقد صرح بتحقيق الرؤية للصالحين النووي قال :
" واعلم أن ليلة القدر موجودة كما سبق بيانه في أول
الباب ، فإنها ترى ، ويتحققها من شاء الله تعالى من
بني آدم كل سنة في رمضان كما تظاهرت عليه هذه الأحاديث
السابقة في الباب ، وإخبار الصالحين بها ورؤيتهم لها
أكثر من أن تحصر ، وأما قول القاضي عياض عن المهلب بن
أبي صفرة لا يمكن رؤيتها حقيقة فغلط فاحش ، نبهت به
لئلا يغتر به والله أعلم " (2) .
فبعد هذا كله ما معنى أن يستكثر المصنف على الشيعة
قولهم أن الأئمة يرون الملائكة في مثل ليالي القدر
وتتنزل عليهم وتخاطبهم ، وهم من صرح علماء السنة
بتميزهم ؟!
نعم الذي يرفضه كل مسلم بعد ختم النبوات بمحمد
(ص) هو
وجود الوحي الرسالي وإبلاغ شريعة جديدة تختلف عن
الشريعة السابقة أو إكمال الشريعة الخاتمة ، فقد صرح
القرآن بكمال الشريعة في قوله تعالى
( الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي ) (3) .
| |
(1) تفسير روح المعاني ، المجلد 16، ج30 ص354 .
(2) شرح النووي على صحيح مسلم ج 8 ص 66 . |
(3) المائدة / 3 . |
|
|
وأما مجرد تحديث الملائكة للإنسان كما يرى بعض علماء
السنة ذلك في عمر أو حتى رؤية الملائكة والاخبار
بمجريات إجتماعية وسياسية وأمور مستقبلية يعيشها
المخبر فلا مانع منه .
وقد وردت روايات أهل البيت (ع) أن الملائكة حدثت فاطمة
الزهراء (ع) كما حدثت مريم من دون أن تكون نبيه ، فقد
روى الكافي عن حماد بن عثمان قال سمعت أبا عبد الله
(ع)
يقول :
" تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة ، وذلك أني
نظرت في مصحف فاطمة (ع) " ، قال : قلت : وما مصحف فاطمة
؟ قال (ع) : " أن الله تعالى لما قبض نبيه (ص) دخل على
فاطمة من الحزن ما لايعلمه إلا الله عز وجل ، فأرسل
الله إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها ، فشكت ذلك إلى
أمير المؤمنين (ع) ، فقال : إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت
قولي لي ما علمته بذلك ، فجعل أمير المؤمنين (ع) يكتب كل
ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا ، قال : ثم قال : أما
إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما
يكون " (1) .
فالرواية تصرح بأنه لا علاقة لهذا التحديث من الملائكة
بالتشريع والحلال والحرام ، وليس هذا بغريب على من
اطلع على سيرة فاطمة وعرف أنها سيدة نساء العالمين وأن
رضاها وغضبها مقترن برضا وغضب الله عز وجل كما صرحت
النصوص المجمع عليها بذلك .
وقد صرح الإمام الكاظم (ع) أن ذلك لا يعني النبوة كما في
( الكافي ) عنه (ع) قال : " مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه
ماض وغابر وحادث ، فأما الماضي فمفسر ، وأما الغابر
فمزبور ، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع
، وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا " (2) .
نعم وردت روايات يظهر منها أن الاتصال بالملك لا يتعدى
سماع الصوت دون الرؤية وهو ظاهر ما نقلناه عن تحديث
الملك لفاطمة (ع) ، وروى الشيخ الكليني عن محمد
| |
(1) الكافي ج1ص 24 . |
(2) المصدر السابق ج1ص 264 . |
|
|
بن مسلم
تصريحا بأن المحدث لا يرى الشخص ، قال : ذكر المحدث عن
أبي عبد الله (ع) فقال : إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص
فقلت له جعلت فداك كيف يعلم كلام الملك ؟ قال : إنه
يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام ملك " (1)
وهكذا ما رواه الشيخ الكليني بسند صحيح عن زرارة قال :
سألت أبا جعفر (ع) عن قول الله عز وجل
( وَكَانَ
رَسُولًا نَّبِيًّا ) ما الرسول وما النبي ؟ قال :
النبي هو الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين
الملك ، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام
ويعاين الملك ، قلت : الإمام ما منزلته ؟ قال : يسمع
الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك " (2) .
ولذا يكرر العلامة المجلسي قوله وهو يشرح روايات باب (
في شأن إنا أنزلناه في ليلة القدر ) : " ولم تره عينا
علي (ع) لأنه محدث ولا يرى الملك عند إلقاء الحكم " (3)
.
وقال في موضع لآخر : " وذلك لأن الفرق بين النبي
والمحدث إنما هو برؤية الملك عند إلقاء الحكم وعدمها
بالإسماع منه وعدمه " (4) .
ولكن في قبال ذلك رويت أخبار صريحة في رؤيتهم للملائكة
كما في روايات باب ( ان الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم
وتطأ بسطهم ... ) ومنها قول الصادق (ع) : " مساور طال ما
اتكت عليه الملائكة " (5) .
ولذا علق العلامة المجلسي على تلك الروايات بقوله : "
ولا ينافي هذا ما مر من أن الإمام لا يعاين الملك ، إذ
قد سبق أنه محمول على أنه لا يعاينه وقت التحديث لا
مطلقا ، أو لا يرونه في صورته الأصلية أو غالبا ،
والأول أظهر " (6) .
والمقصود إن حقيقة التحديث لا ارتباط لها بالرؤية وإن
كان يمكن للإمام أن يرى الملك من دون أن تكون الرؤية
هي حقيقة ارتباط المحدث بالملك ، خلافا للنبوة
والرسالة فالرؤية لها أصالة كما السماع .
| |
(1) الكافي ج1ص 271 .
(2) المصدر السابق ج1 ص 176 . |
(3) مرآة العقول ج3 ص76
.
(4) المصدر السابق ج3 ص 137 .
|
(5) الكافي ج1 ص 393 .
(6) مرآة العقول ج4 ص 289 . |
|
|
|