|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 307 |
|
66-
( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا )
قال تعليقا على الاستدلال بقوله تعالى
( ثُمَّ
أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ
عِبَادِنَا ) على الامامة والعصمة :
" هذه القصة مكذوبة كغيرها ... ولا دليل أصلا عند
الشيعة على أن هذه الآية نزلت في علي وأولاده .
ثم ليس فيها أن المصطفى يجب ان يكون إماما على
العالمين ، فقد قال تبارك وتعالى عن طالوت وعلى لسان
نبي بني إسرائيل ( إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ
طَالُوتَ مَلِكًا... ) الآية ، فهذا طالوت اصطفاه الله
ولم يكن معصوما ، وكان ملكا ومعه نبيان داود وشمويل "
.
نقول : قوله : " ولا دليل أصلا عند الشيعة على أن هذه
الآية نزلت في علي وأولاده " ، يحتمل أنه يقصد لا دليل
من مصادر السنة فمصادر الشيعة حافلة بالروايات التي
تتحدث عن ذلك ، وسنذكرها .
والحق أن الاستدلال بالآية تام مع غض النظر عن
الروايات المفسرة ، فالآية تتحدث عما يعتقد به الشيعة
بمجرد الالتفات إلى المداليل اللغوية لمفرداتها .
فهي تتحدث عن القرآن الكريم وأنه أوحي إلى النبي
(ص) ،
فيقول عز وجل ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ
الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ
لَخَبِيرٌ
بَصِيرٌ ) ، ثم تتنتقل الآية للحديث عن مصير
الكتاب بعد رحيل المصطفى (ص) ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) .
فالآية تتحدث بنحو صريح بأن هذا الكتاب أي القرآن
الكريم قد أورثه الله تعالى بعد رسوله (ص) إلى مجموعة
وصفتهم الآية الكريمة ( الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ
عِبَادِنَا ) أي الذين اختارهم الله تعالى .
وهو ما يعتقد به الشيعة من وجود أئمة اصطفاهم الله هم
حجج الله على البشر ، وإذا وضعنا إلى جانب الآية
الكريمة الرواية التي رواها مسلم في صحيحه عن واثلة عن
رسول الله (ص) : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل
واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم
واصطفاني من بني هاشم " (1) يتضح أن المجموعة الأولى
التي اصطفاها الله هم بنو هاشم وتأتي بعد اصطفاء شخص
خاتم الرسل محمد (ص) .
ونهاية فإن ذلك يعني إن كان هناك اصطفاء يتحدث عنه في
الأمة الخاتمة فيجب أن تتعلق ببني هاشم الذين اصطفاهم
من قريش .
وأما الدليل عند الشيعة ، فإن كان المراد الدليل الذي
يعتمد على مصار العامة ، فمن قال لكم إن أدلة الشيعة
تقوم على مصادر السنة فقط ؟! بل عمادهم مصادرهم الخاصة
والعريقة ، والروايات الواردة عن أهل البيت (ع) تكفي
عندنا دليلا ، فكيف يقال لا دليل عند الشيعة ، وإليك
بعض ما روي عن الأئمة (ع) في ذلك :
روى سليم عن ابن عباس (رض)
عن أمير المؤمنين (ع) : " ...
وقال ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) فنحن الذين اصطفانا
الله من عباده ، ونحن صفوة الله ولنا ضربت الأمثال
وعلينا نزل الوحي " (2) .
| |
(1) صحيح مسلم ج4 ص 1782 . |
(2) كتاب سليم بن قيس ج2 ( متن الكتاب ) ص 847 . |
|
|
وروى الصفار بسند صحيح عن أبي الحسن الرضا
(ع) قال :
سألته عن قول الله عز وجل ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا
الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) قال : "
الإمام "
(1) ، وذكر معها أربع عشرة رواية أخرى بنفس المضمون .
وروى الكليني عن سالم قال : سألت أبا جعفر
(ع) عن قول
الله عز وجل ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ
لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ، قال : " السابق
بالخيرات الإمام والمقتصد العارف باللإمام والظالم
لنفسه الذي لا يعرف الإمام " (2) .
وروى ابن الجحام في تفسيره عن أبي إسحاق السبيعي قال :
خرجت حاجا فلقيت محمد بن علي (ع) فسألته عن هذه الآية
(
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ ... ) ، فقال : ما يقول
فيها قومك يا أبا إسحاق ؟ يعني أهل الكوفة ، قال : قلت
: يقولون إنها لهم ، قال : فما يخوفهم إن كانوا من أهل
الجنة ؟! قلت : فما تقول أنت جعلت فداك ؟ قال : هي لنا
خاصة يا أبا إسحاق أما السابقون بالخيرات فعلي بن أبي
طالب والحسن والحسين والإمام منا ، والمقتصد فصائم
بالنهار قائم بالليل ، والظالم لنفسه ففيه ما في الناس
... " (3) .
وروى الصدوق عن الريان بن الصلت قال : حضر الرضا
(ع)
مجلس المأمون ... ... فقال المأمون : أخبروني عن معنى
هذه الآية ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ، فقالت العلماء :
أراد الله عز وجل بذلك الأمة كلها ، فقال المأمون : ما
| |
(1) بصائر الدرجات ص 45 .
(2) الكافي ج1 ص 214 .
(3) رواه عن كتاب ابن جحام ابن طاووس في ( سعد السعود ) ص 216 والسيد
شرف الدين الحسيني في ( تأويل الآيات ) ج2 ص 470 ، وروى الخبر عن أبي
إسحاق فرات في تفسيره ص 348 . |
|
|
تقول يا
أبا الحسن ؟ فقال الرضا (ع) : " لا أقول كما قالوا ،
ولكني أقول : أراد الله عز وجل بذلك العترة الطاهرة "
(1) .
وروى الصدوق عن جابر بن يزيد لجعفي عن أبي جعفر محمد
بن علي الباقر (ع) قال : سألته عن قول الله عز وجل
(
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا
مِنْ عِبَادِنَا ... ) فقال : الظالم منا من لا يعرف
حق الإمام ، والمقتصد العارف بحق الإمام والسابق
بالخيرات بإذن الله هو الإمام ( جَنَّاتُ عَدْنٍ
يَدْخُلُونَهَا ) يعني السابق والمقتصد " (2) .
بل نقلت مصادرنا إن ابن مردويه وهو من كبار علماء
السنة وصاحب التفسير المعروف روى عن علي (ع) قوله في آية
( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
اصْطَفَيْنَا... ) : " نحن أولئك " (3) .
وأما قوله : " ليس فيها أن المصطفى يجب ان يكون إماما
على العالمين ، فقد قال تبارك وتعالى عن طالوت وعلى
لسان نبي بني إسرائيل ( إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ
لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ... ) الآية ، فهذا طالوت
اصطفاه الله ولم يكن معصوما ، وكان ملكا ومعه نبيان
داود وشمويل " فكلام عجيب .
فمثله مثل من يقول في رجل اصطفاه الله ليبلغ رسالته ،
إن ذلك لا يدل على أنه نبي ، وهل النبي إلا رجل اصطفاه
الله ليبلغ رسالته ! وهل الإمام إلا رجل اصطفاه الله
وأورثه علم الكتاب ليكون حجة على البشر! ألا نعرّف نحن
الشيعة الإمام بأنه العالم الحجة على البشر ؟! لكن
الظاهر إنهم يحاكمونا بتعريفهم وفهمهم للإمام وهو
الحاكم الذي نجح في الإمساك بدفة الحكم والدولة .
| |
(1) عيون أخبار الرضا (ع)، ج1 ص 228 . |
(2) معاني الأخبار ص 104 . |
(3) كشف الغمة للأربلي ج1 ص 317 . |
|
|
وأقول : عجبا ! عجبا ! ، اصطفاء الله وتوريثه للكتاب
لا يكون دليلا على الامامة ، ولكن اصطفاء أهل السقيفة
والفلتة التي حدثت بها دليل على ذلك ؟!
وهل الحديث عن اصطفاء طالوت للملك يلغي دلالة الآية
على اصطفاء الله لأناس أورثهم علم الكتاب ؟! ألن تكون
هناك قيمة جوهرية لهؤلاء وإن لم تسمهم أئمة هل من
الضروري ربط الأمر بلفظة الامامة ، فإذا آمنت بالقرآن
وبأن هناك من اصطفاهم الله بعد رسول الله (ص) وأورثهم
علم الكتاب ألا تتعلم كتاب الله منهم وتأخذ دينك منهم
؟! المهم ان تفعل ذلك وإن لم تسمهم أئمة .
وخلاصة الأمر ، إن قلت كما شاع بين أهل السنة إن الله
لم يصطف أحدا أورثه علم الكتاب فقد كذبت بالكتاب
العزيز ، وإن أقررت بذلك كما هو مقتضى الايمان بكل ما
جاء في الكتاب العزيز ذهبت إلى رأي الشيعة في وجود
أعلام مصطفين ليسوا بأنبياء بعد خاتم الرسل (ص) .
وإذا أردت تعيينهم فليس أمامك إلا من قصدهم رسول الله
(ص) بقوله : " إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا
كتاب الله وعترتي أهل بيتي " كما رواه الترمذي وحسنه
(1) ، وقوله (ص) : " إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله
حبل ممدود من السماء والأرض – أو ما بين السماء إلى
الأرض – وعترتي أهل بيتي " كما رواه أحمد في مسنده (2)
، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3) .
وإلا تقبل ، فما أكثر المكابرين وأتباع الهوى في
التاريخ !!
| |
(1) سنن الترمذي ج5 ص 662 .
(2) مسند أحمد ج35 ص 456 ، وصحح الخبر محققو الطبعة . |
(3) السلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص355 . |
|
|
|