النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 313

67- معاوية

اعترض الكاتب على ثلاث مسائل هي :
1- ادعاء أن الصحابة استخدموا التقية مع معاوية .
2- إدعاء أن معاوية كان ظالما .
3- إدعاء أن معاوية كان يقتل من يمتنع عن سب علي بن أبي طالب .
وتحدى أن يأتيه بمثال واحد للأول والثالث وقال عن الثاني : " لو كان معاوية ظالما كيف تنازل له الحسن وسلم أمرالأمة لرجل ظالم يسومها سوء العذاب فإن التبعة هنا على الحسن بن علي (رض)، والصحيح أنه لم يكن ظالما بل كان من خير الولاة في ولايته ومن خير الملوك في ملكه " .

ونبدأ بتقديم المسألة الثانية بل هي العنوان العام لهذا الفصل ، فالثالثة إحدى جزئياتها والأولى نتيجة للثانية وإحدى تداعياتها ، فيصبح للنقاط ترتيبها وتسلسلها الطبيعي :

- ظلم معاوية :
أما كون معاوية ظالما فهو أمر يستكشف من مصادر الحديث والتاريخ بما حوت من أحداث وكلمات للمعاصرين لها ، ولكن ينبغي التنويه أنا نقصد بالظلم هنا تجاوز حقوق الآخرين و تجاوز حقوق الله عز وجل وظلم النفس أيضا .

- ج 2 ص 314 -

ظلم معاوية قبل الملك
وقد كان معاوية كذلك في زمن ولايته عن الخلفاء السابقين ، فقد روى الحاكم عن إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب عن أبيه :
" أن عبادة بن الصامت أنكر على معاوية أشياء ثم قال له : لا أساكنك بأرض فرحل إلى المدينة ، فقال له عمر : ما أقدمك إلي ؟! لا يفتح الله أرضا لست فيها أنت وأمثالك ، فانصرف لا إمرة لمعاوية عليك " (1) ، والرواية لم تذكر ما هي الأمور التي فعلها معاوية وأوجبت هذا الموقف من عبادة ، وتجد تفصيل ذلك في رواية ابن ماجة في سننه :
" أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب صاحب رسول الله (ص) غزا مع معاوية أرض الروم ، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير وكسر الفضة بالدراهم ، فقال : يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا سمعت رسول الله (ص) يقول : لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل لا زيادة بينهما ولا نظرة ، فقال له معاوية : يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة ، فقال عبادة أحدثك عن رسول الله (ص) وتحدثني عن رأيك ، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة فلما قفل لحق بالمدينة فقال له عمر بن الخطاب : ما أقدمك يا أبا الوليد فقص عليه القصة ، وما قال من مساكنته ، فقال : ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك ، فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك ، وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه ، واحمل الناس على ما قال فإنه هو الأمر (2) .

قال الشيخ الألباني : " صحيح ، رواه الطبراني في مسند الشاميين 1/218 (390) " (3).

 

(1) المستدرك على الصحيحين ج3 ص 400 ، ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ج3ص 429 ، وذكره الذهبي في ( سير اعلام النبلاء ) ج2 ص 7 ، وقال الشيخ إرناؤوط : رجاله ثقات " .

 
(2) سنن ابن ماجة ج1ص 8 . (3) صحيح سنن ابن ماجة ج1 ص9
 

- ج 2 ص 315 -

وروى الخبر مسلم عن أبي قلابه قال : كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار ، فجاء أبو الأشعث ... فجلس فقلت له : حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت ، قال : نعم ، غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة ، فكان فيما غنمنا آنية من فضة ، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس ، فتسارع الناس في ذلك ، فبلغ عبادة بن الصامت ، فقام فقال : إني سمعت رسول الله (ص) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، فرد الناس ما أخذوا ، فبلغ ذلك معاوية ، فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ، ثم قال : لنحدثن بما سمعنا من رسول الله (ص) وإن كره معاوية ، أو قال : وإن رغم ، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء " (1) .

وروى مالك عن عطاء بن يسار : " أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله (ص) ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل ، فقال له معاوية ما أرى بمثل هذا بأسا ، فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله (ص) ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له ، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن " (2) .

ولم يقتصر الأمر على زمن عمر بل زمن عثمان كذلك ، فقد نقل الذهبي عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه : أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو

 

(1) صحيح مسلم ج3 ص 1210 .

(2) الموطأ كتاب البيوع ج2 ص 634 ، والبيهقي في السنن الكبرى ج5 ص 280 .  
 

- ج 2 ص 316 -

بالشام تحمل الخمر فقال : ما هذه ، أزيت ؟ قيل : لا بل خمر يباع لفلان فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها ، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام ، فأرسل فلان إلى أبي هريرة ، فقال : ألا تمسك عنا أخاك عبادة ، أما بالغدوات فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم ، وأما بالعشي فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا .
قال فأتاه أبو هريرة فقال : يا عبادة مالك ولمعاوية ؟ ذره وما حمل ؟ فقال :لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وألا يأخذنا في الله لومة لائم ، فسكت أبو هريرة ، وكتب فلان إلى عثمان : أن عبادة قد أفسد علي الشام " (1) .

وينقل ابن عساكر تمام الخبر :
" ... فكتب عثمان إلى فلان : أن أرحله إلى داره من المدينة ، فبعث به فلان حتى قدم المدينة ، فدخل على عثمان الدار ، وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين ، فلم يفج عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار ، فالتفت إليه ، فقال : ما لنا ولك يا عبادة ، فقام عبادة قائما ، وانتصب لهم في الدار فقال : إني سمعت رسول الله أبا القاسم (ص) يقول : " سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون ، فلا طاعة لمن عصى الله ، فلا تعتلوا بربكم ، فوالذي نفس عبادة بيده إن فلانا لمن أولئك ، فما راجعه عثمان بحرف " (2) .

 

(1) سير أعلام النبلاء ج 2ص 9 -10 ، قال الشيخ إرناؤوط : إسناده محتمل للتحسيين .

(2) تاريخ دمشق ج26 ص 198 .  
 

- ج 2 ص 317 -

والخبر السابق على هذا الخبر عند ابن عساكر فيه : " فكتب معاوية إلى عثمان أن عبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله " (1) بدل من فكتب فلان .
ولكن هل كان الخمر لأهل الذمة كما حاول معاوية أن يوهم بقوله : " يفسد على أهل الذمة متاجرهم " ، تجد الخبر صريحا في أوله " خمر يباع لفلان " ، وكل ما ذكر فلان في الرواية قصد معاوية بدليل الرواية الأخرى في ( تاريخ دمشق ) .

عموما هناك أخبار أخرى عن معاوية والخمر فقد روى الطبراني ما دار بين عبد الله بن عمرو ومعاوية حول الخمر عن القاسم أبو عبد الرحمن قال : " كنت قاعدا عند معاوية فبعث إلي عبد الله بن عمرو ، فقال : ما أحاديث بلغني عنك تحدث بها لقد هممت أن أنفيك من الشام ، فقال : أما والله لولا إناث ما أحببت أن أكون بها ساعة ، فقال معاوية : ما حديث تحدث به في الطلاء ، فقال : أما إنه ما يحل لي أن أقول على رسول الله (ص) ما لم يقل ، سمعته يقول : من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ، وسمعت رسول الله (ص) يقول في الخمر : من وضعها على كفه لم تقبل له دعوة ، ومن أدمن على شربها سقي من الخبال ، والخبال واد في جهنم ، فقال : يا معاوية ما أراك إلا قد سمعت مثل الذي سمعت ، قال : فهم معاوية أن يصدقه ثم سكت " (2) .

قال صاحب مختار الصحاح : "… وبعض العرب يُسمي الخمر الطِّلاء يريد بذلك تحسين اسمها لا أنها الطلاء بعينها … " (3) .

 

(1) تاريخ دمشق ج26 ص 197 .
(2) المعجم الكبير ج19ص 374 ، قال محقق الكتاب حمدي السلفي : " قال في المجمع (5/72 ) بالنسبة لهذا الإسناد : رواه الطبراني عن شيخه إبراهيم بن محمد بن عرق ضعفه الذهبي ، فقال : غير معتمد ، ولم أر للمتقدمين فيه تضعيفا وبقية رجاله وثقوا .
(3) مختار الصحاح ص 166 .

 
 

- ج 2 ص 318 -

وقال ابن الأثير :
" يقال أطْلي الرجُل إطْلاءً ، إذا مالَت عنقه إلى أحد الشقين ... ومنه الحديث : إن أول ما يكفأ الإسلام كما يكفأ الإناء في شراب يقال له الطلاء ، هذا نحو الحديث الآخر : سيشرب ناس من أمتي الخمر يسموها بغير اسمها ، يريد أنهم يشربون النبيذ المسكر المطبوخ ويسمونه طلاء تحرجا من أن يسمونه خمرا " (1) .

ظلمه الأكبر بغيه على أمير المؤمنين (ع)
حينما تقرأ الخبر التالي في صحيح مسلم يظهر لك أن ظلم معاوية لم يقتصر على مجرد أكل مال الناس بالباطل وقتل النفس بل هو يأمر الناس بذلك ، فقد روى عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال : " دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه فأتيتهم فجلست إليه ، فقال : كنا مع رسول الله (ص) في سفر فنزلنا منزلا ، ... إذ نادى منادي رسول الله (ص) : الصلاة جامعة ، فاجتمعنا إلى رسول الله (ص) ، فقال : إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم … ، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه ، فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر .
فدنوت منه ، فقلت له : أنشدك الله آنت سمعت هذا من رسول الله (ص) ، فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه ، وقال : سمعته أذناي ووعاه قلبي ، فقلت له : هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، ونقتل أنفسنا ، والله يقول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ

 

(1) النهاية في غريب الأثر ج3ص 137 .

 
 

- ج 2 ص 319 -

مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) (1) ، قال : فسكت ساعة ، ثم قال : أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله " (2) .
فالراوي يصف معاوية بأنه يأمر بأكل المال بالباطل ويأمر بقتل النفس ، ويعترض على ابن عمرو ونقله ما يفهم منه وجوب طاعة الحاكم مهما كان حاله ، مبينا إنه من المستحيل أن رسول الله (ص) يأمر بطاعة حاكم مثل معاوية يأمر بأكل المال بالباطل وقتل النفس ، أليس أقل ما يوصف به مثل هذا الحاكم هو الظلم ؟!

ولكن يجب الالتفات إلى أن الخبر يدل على أكثر من ذلك فالمعترض يشير إلى ما يفعله معاوية في خروجه على أمير المؤمنين علي (ع).
والذي يدلك على ذلك ما ذكره الشراح في شرحهم للخبر ، فالقاضي عياض وإن أهمل شرح الحديث ولكن النووي في شرحه للخبر قال :
" أن هذا القائل لما سمع كلام عبدالله بن عمرو بن العاص وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول وأن الثاني يقتل فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليا (رض) وكانت قد سبقت بيعة علي فرأى هذا أن نفقة معاوية علىأجناده وأتباعه في حرب علي ومنازعته ومقاتله إياه من أكل المال بالباطل ومن قتل النفس لأنه قتال بغير حق فلا يستحق أحد مالا في مقاتلته " (3) .

فمن الواضح أن الحديث عن ظلمه لأمير المؤمنين (ع) بالخروج عليه .
ولله در الآبي وشيخه حينما علق على الخبر بقوله :
" ... وعلى هذا فيشكل قول عبدالله ( أطعه في طاعة الله ) ، لأنه لا طاعة له لأنه قبل أن يباعيه أهل الشام إنما كان طالبا لقتلة عثمان ... ، وأما مبايعة أهل الشام له بعد

 

(1) النساء / 29 .

(2) صحيح مسلم ، ج3 ص 1472 - 1473 . (3) شرح النووي على صحيح مسلم ج12 ص 234 .  
 

- ج 2 ص 320 -

التحكيم ، فكيف تنعقد له بيعة وعلي إمام ، وقد قال (ص) : ( إذا بويع الخليفتين... ) الحديث ؟ وإذا انحصر أمره في حياة علي في الأمرين فكيف تقرر له طاعة ؟ ولا جواب إلا ما يقال إنه متأول ؟ ولله در شيخنا حين سمعته يقول : وأما معاوية فحصنت عليه الصحبة " (1) .

أليس الباغي ظالما ؟!
من بديهيات التاريخ الإسلامي أن معاوية رأس الفئة الباغية التي بغت على أمير المؤمنين علي (ع) ، إذ كان وفئته أوضح مصداق لقوله تعالى ( فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) (2) ألا يكفي دليلا على ذلك قول رسول الله (ص) : " ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " (3) .

وهنا أيضا قال الآبي : " وأصل البغي الحسد ثم استعمل في الظلم وعلى هذا حمل الحديث عبدلله بن عمرو بن العاصي يوم قتل عمار ، وغيره تأوله ، فتأوله معاوية وكان أولا يقول إنما قتله من أخرجه لينفي عن نفسه صفة البغي ثم رجع فتأوله على الطلب ، وقال : نحن الفئة الباغية أي الطالبة لدم عثمان من البغاء بضم الباء والمد وهو الطلب ، قلت : البغي عرفا الخروج عن طاعة الإمام مغالبة له ، ولا يخفى عليك بعد التأويلين أو خطؤهما ، فأما الأول فواضح وكذا الثاني ... ، ولله در الشيخ حيث كان يقول : الصحبة حصنت على من حارب عليا " (4) .

 

(1) إكمال إكمال المعلم للآبي ج6 ص545 .
(2) الحجرات / 9 .
(3) صحيح البخاري ج1 ص 122 ، صحيح مسلم ج4 ص 2236 ، ولكن روى المقطع الأول فقط .
(4) إكمال إكمال المعلم ج9 ص 365 .

 
 

- ج 2 ص 321 -

وقال العيني : " فإن قيل : كان قتل عمار بصفين وكان مع علي (رض) وكان الذين قتلوه مع معاوية ، وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز أن يدعوه إلى النار؟ فأجاب ابن بطال عن ذلك فقال : إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم علي عمارا يدعوهم إلى الجماعة ، وليس يصح في أحد من الصحابة لأنه لا يجوز أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل .

قلت : تبع ابن بطال في ذلك المهلب ... ولكن لا يصح هذا لأن الخوارج إنما خرجوا على علي (رض) بعد قتل عمار بلا خلاف بين أهل العلم ... وأجاب بعضهم بأن المراد بالذين يدعونه إلى النار كفار قريش ، وهذا أيضا لا يصح لأنه وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما زيادة توضيح بأن الضمير يعود على قتلة عمار وهم أهل الشام ... ، والجواب الصحيح في هذا أنهم كانوا مجتهدين ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة ، وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك ، فلا لوم عليهم في أتباع ظنونهم " (1) .

اقرأ وتعجب رسول الله (ص) يقول : " يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " وهؤلاء يقولون لا ، رسول الله لم يبين الأمر بشكل جيد بل كانوا يدعونه إلى الجنة في اعتقادهم وإن كانوا يدعونه إلى نار في الواقع .
يا بشر! لو كان الأمر كما تقولون لما قال رسول الله (ص) : " يدعونه إلى النار " يدعونه إلى النار يعني أنهم واعون لباطلهم ومع ذلك يدعونه للنار ، رسول الله (ص) لا يصف قوما مجتهدين غافلين بل يتحدث عن قوم متعمدين ، فالمجتهدون الغافلون لا يقال لهم " يدعونه إلى نار " ، إنه (ص) يتحدث عن قوم يعون أمرهم وباطلهم فيدعونه إلى نار .

 

(1) عمدة القاريء ج3 ص476 .

 
 

- ج 2 ص 322 -

ثم رسول الله (ص) في صدد وضع علامة واضحة للحق والباطل ، أليست تلك الكلمة في حق عمار (رض) من المحجة البيضاء الواضحة وأجلى مصداق لقوله (ص): " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك " (1) ، فإن كان الأمر ملتبسا قبل شهادة عمار ، فهل يبقى كذلك بعد شهادته وبعد تلك المقولة في حقه حتى يقال أنهم اجتهدوا وظنوا أنهم يدعونه إلى الجنة ؟! ألا يكفي وصف معاوية في أحاديث رسول الله (ص) بأنه باغي وبأنه هالك لنعرف أنه تعمد ركوب الباطل وكان مدركا لضلالته وظلمه للحق وأحقية علي (ع) ؟!

هل قول معاوية بأن الفئة الباغية التي قتلته هي التي بعثته للقتال تبرير معقول يمكن أن يوصف بالاجتهاد ؟! وقد عدل هو عن هذا التبرير .

وهل يعقل إن قوله الآخر بأن الباغية تعني الطالبة لدم عثمان قول مجتهد أخطأ مع أن في الخبر أن الباغية تدعوه إلى النار ؟! فهل يريد معاوية أن يقول نحن الفئة الباغية والطالبة لدم عثمان وصاحبة ، وفي نفس الوقت تدعو عمارا إلى النار ؟!

ألم يرد البغي في القرآن الكريم مقارنا بالفواحش والمنكر كما في قوله تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (2) وقوله تعالى ( وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ) (3) ، فهل من يأتي بالفواحش والمنكرات يقال له مجتهد وله أجر .

لكن إليك حقيقة اجتهاده وعمرا وفيم كان اجتهادهم ، فقد روى ابن عساكر : " ثم أن عمرا قال لمعاوية ذات يوم : يا معاوية أحرقت كبدي بقصصك ، أترى أذا

 

(1) المستدرك على الصحيحين ج1 ص 176 ، ومسند أحمد ج 28 ص367 ، قال محققو الطبعة : حديث صحيح بطرقه وشواهده ، وهذا إسناد حسن " ، وصححه السيوطي في ( الجامع الصغير ) ص379 .

 
(2) الأعراف / 33 (3) النحل / 90 .
 

- ج 2 ص 323 -

خالفنا عليا لفضل منا عليه ، لا والله إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها ، وأيم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك أو لأنابذنك ؟ فقال : فأعطاه مصر ، يعطي أهلها عطاءهم وأرزاقهم ، وما بقي فله " (1) .

ولكن الهالكين بهلكة معاوية أكثر وأكثر !! فإنا لله وإنا إليه راجعون .
والفهم الفطري للخبر والحدث فهم عبدالله بن عمرو ، فقد روى الحاكم عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن أبيه قال :
" لما قتل عمار بن ياسر (رض) دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص ، فقال : قتل عمار وقد قال رسول الله (ص) : تقتله الفئة الباغية ، فقام عمرو فزعا حتى دخل على معاوية فقال له معاوية : ما شأنك ؟ قال : قتل عمار ، فقال معاوية : قتل عمار فماذا ؟ فقال عمرو : سمعت رسول الله (ص) يقول : تقتله الفئة الباغية ، فقال له معاوية : دحضت في بولك أو نحن قتلناه ؟ إنما قتله علي وأصحابه الذين ألقوه بين رماحنا أو قال بين سيوفنا " .
قال الحاكم : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة " ، وقال الذهبي : " على شرط البخاري ومسلم " (2) .

كما يظهر الفهم الصحيح من ندم ابن عمر على أنه لم يقاتل مع الإمام علي (ع) ضد معاوية كما ذكر الهيثمي : " قال ابن عمر لم أجدني آسى على شيء إلا

 

(1) تاريخ دمشق ج46 ص 166- 167 ، ورواه الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) ج3 ص 72 .
(2) المستدرك على الصحيحين ج2 ص168 ، وذكره الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) ج1 ص 420 ، قال محقق الكتاب : إسناده صحيح ، وذكر مصادر أخرى للخبر وقال بعدها : وهذه مغالطة من معاوية غفر الله له وقد رد عليه علي (رض) بأن محمدا (ص) إذا قتل حمزة حين أخرجه ، وقال ابن دحية : هذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه وحجة لا اعتراض عليها .

 
 

- ج 2 ص 324 -

أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي ، رواه الطبراني بأسانيد وأحد رجاله رجال الصحيح " (1) .

انظر أخي القارئ إلى هذا الكاتب الذي يستنكر أن يقال لمعاوية ظالم في حين أن المناوي ينقل عن الإمام الجرجاني إجماع الأمة على وصفه بهذه الصفة : " وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب ( الإمامة ) : أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريق الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل ، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له " (2) .

وهناك أمر آخر يجب ان يناقش وأهمل وهو أن رسول الله (ص) حدد موقف المسلمين من معاوية وأنه يجب قتله ، فقد نقلنا ما رواه مسلم عن عبدالله بن عمرو : " فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " (3) بالإضافة إلى الخبر الآخر الذي نقله عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (ص) : " إذا بويع لخليفتين ، فاقتلوا الآخر منهما " (4) ،
أو ليست هذه نصوص صريحة في الأمر بقتل معاوية وأنه مستباح الدم ؟
نعم ، المانع هي الحصانة التي يجب أن تكون لمعاوية ستر أصحاب محمد (ص) حماية لما وراء الستر .

والحديث عن بغي معاوية وخروجه على الخليفة الحق يجرنا للحديث عن الأمر الثالث – أي دعوى أن معاوية كان يقتل من يمتنع عن سب علي بن أبي طالب - والذي استنكره بقوله :

 

(1) مجمع الزوائد ج7 ص242 .
(2) فيض القدير ج6 ص 449 .

(3) صحيح مسلم ج3 ص 1472 - 1473 .
(4) المصدر السابق ج 3ص1480 .
 
 

- ج 2 ص 325 -

" كذب محض يعجز ... ... كل شيعي على وجه الأرض ... أن يأتي بمثال واحد على هذا الكذب " .

نقول : قبل الحديث عن قتل الممتنع عن سب علي والبراءة منه ، هل يقر بأن معاوية كان يسب عليا ؟ أوليس سب علي من أكبر الظلم ؟! ألم تعتبره أم سلمة (رض) سباً لرسول الله (ص) ؟! حينما قالت لأبي عبدالله الجدلي : أيسب رسول الله (ص) فيكم ؟ فقلت : معاذ الله او سبحان الله أو كلمة نحوها ، فقالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : " من سب عليا فقد سبني " .
قال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، وقال الذهبي في التلخيص : " صحيح " (1) .

 

(1) المستدرك على الصحيحين ج3 ص 130 ، وقد بحثنا حول صحة الحديث بصورة مفصلة في الجزء الأول من النفيس ص 157 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب