النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 352

خلاصة أمر معاوية في كلمة للحسن البصري

ونهاية نقول نعم ما قال الحسن البصري فيما نقله ابن الجوزي قال : " وروى أبو جعفر الطبري ... عن الحسن قال : أربع خصال كن في معاوية ، لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة : ابتز هذه الأمة أمرها بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا من الصحابة وذوي الفضل ، واستخلف ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادعى زيادا ، وقد قال رسول الله (ص) : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقتل حجرا فيا ويلا له من حجر وأصحابه " (3) .

 

(3) المنتظم ج4 ص64 .

 
 

- ج 2 ص 353 -

ولكن مع هذا كله لم الدفاع عن معاوية ؟! ولماذا أصبحت شخصية مقدسة ؟! نقول تفسير ذلك ما رواه الخطيب البغدادي عن الربيع بن نافع قال : " معاوية بن أبي سفيان ستر لأصحاب محمد (ص) ، فإذا كشف الرجل الستر اجترئ على ما وراءه " (1) .

فحقيقة الأمر أنه يجب الدفاع عن معاوية مهما صدر منه لأنه الخط الأول الذي يجب ألا يسقط دفاعا عن مقدس ابتدعوه اسمه عدالة الصحابة جميعهم .

- حقيقة فضائل معاوية في الصحيحين :
روى ابن الجوزي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي – ابن راهويه - يقول : " لا يصح عن النبي (ص) في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء " .
... البزار حدثنا أبي سعيد بن الحرفي حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي فقلت ما تقول في علي ومعاوية ؟ ، فأطرق ثم قال: إيش أقول فيهما إن عليا (ع) كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادا منهم له " (2) .

ونقل كلمة ابن راهويه السيوطي عن الحاكم ، قال بعد ذكر عدة أحاديث موضوعة في فضل معاوية : " قال الحاكم : سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول : سمعت أبي يقول : سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : لا يصح في فضل معاوية حديث " (3) .

 

(1) تاريخ بغداد ج1ص 223 .

(2) الموضوعات ج1 ص335 . (3) اللآليء المصنوعة ج1 ص 388 .  
 

- ج 2 ص 354 -

وأما قصة النسائي ورفضه لوجود فضيلة لمعاوية بل كان يعتقد أن الأخبار جاءت بذمه فمن واضحات ما سطر في الكتب ، وممن رواها الحاكم النيسابوري عن محمد بن إسحاق الاصفهاني قال : " سمعت من مشايخنا بمصر يذكرون أن أبا عبدالرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق فسئل بها عن معاوية ابن أبي سفيان وما روي من فضائله ، فقال : لا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل ؟ قال : فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى الرملة ومات بها " (1) .

ونقل ابن حجر عن علي بن عمر : " النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره ... فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه ، فخرج إلى رملة ، فسئل عن فضائل معاوية ، فأمسك عنه فضربوه في الجامع ، فقال : أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل ، وتوفي مقتولا شهيدا ...
وقال أبو بكر المأموني : سألته عن تصنيفه كتاب الخصائص ، فقال : دخلت دمشق والمنحرف بها علي كثير ، وصنفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله ، ثم صنف بعد ذلك كتاب فضائل الصحابة ، وقرأها على الناس ، وقيل له وأنا حاضر : ألا تخرج فضائل معاوية ، فقال : أي شيء أخرج اللهم لا تشبع بطنه " (2) .

ما رواه البخاري من مناقب لمعاوية
ومع ذلك فقد ذكر البخاري معاوية في كتاب فضائل الصحابة تحت عنوان باب ذكر معاوية ، وذكر تحته خبرا روي عن ابن أبي مليكة قيل لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية ، فإنه ما أوتر إلا بواحدة ، قال : إنه فقيه " ، وروى قبله : " قال ابن عباس : دعه فإنه صحب رسول الله (ص) " (3) .

 

(1) معرفة علوم الحديث ص 83 .

(2) تهذيب التهذيب ج1 ص 33 . (3) صحيح البخاري ج5 ص 35 .  
 

- ج 2 ص 355 -

قال الحافظ ابن حجر تعليقا على ذلك : " عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله ذكر ، ولم يقل فضيلة ولا منقبة لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب ، ... ثم ساق عن ابن راهويه أنه قال : لم يصح في فضائل معاوية شيء ، فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادا على قول شيخه ... وقصة النسائي في ذلك مشهورة ، وكأنه اعتمد أيضا على قول شيخه إسحاق ، وكذلك في قصة الحاكم ... وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة ، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد ، وبذلك جزم إسحاق بن راهوية والنسائي وغيرهما ، والله أعلم " (1) .

ولكن ما هي حقيقة كلمة ابن عباس ؟
روى أبو جعفر الطحاوي عن عطاء قال : " قال رجل لابن عباس (رض) : هل لك في معاوية أوتر بواحدة ؟! وهو يريد أن يعيب معاوية ، فقال ابن عباس : أصاب معاوية .

قيل له : قد روى عن ابن عباس (رض) في فعل معاوية هذا ما يدل على إنكاره إياه عليه ، وذلك أن أبا غسان مالك بن يحيى الهمداني حدثنا قال : ثنا عبد الوهاب عن عطاء قال : أنا عمران بن حدير عن عكرمة أنه قال : كنت مع ابن عباس عند معاوية نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل ، فقام معاوية ، فركع ركعة واحدة ، فقال ابن عباس : من أين ترى أخذها الحمار ؟! .

حدثنا أبو بكرة قال : ثنا عثمان بن عمر قال : ثنا عمران ، فذكر بإسناده مثله ، إلا أنه لم يقل الحمار ، وقد يجوز أن يكون قول ابن عباس ( أصاب معاوية ) على التقية له ، أي أصاب في شيء آخر ، لأنه كان في زمنه ولا يجوز عليه – عندنا - أن يكون ما خالف فعل رسول الله (ص) الذي قد علمه عنه صوابا ، وقد روى عن ابن عباس في

 

(1) فتح الباري ج7 ص 104 .

 
 

- ج 2 ص 356 -

الوتر أنه ثلاث ... فمحال أن يكون الوتر عنده يجزي فيه أقل من ثلاث ، ثم يصليه حينئذ ثلاثا مع ما يخاف من فوت الفجر ، فدل ذلك على صحة ما صرفنا إليه معاني أحاديثه في الوتر أنها ثلاث ، وقد روي عن علي بن أبي طالب في الوتر أيضا أنه ثلاث " (1) .

ما رواه مسلم من مناقب لمعاوية
لم يتجرأ مسلم أن يذكر معاوية في المناقب ، ولكن تجرأ وقال ( باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ) وكأنها ليست واحدة !! وذكر ضمنها أمرا لمعاوية ، والخبر عن ابن عباس قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ، ولا يقاعدونه ، فقال للنبي (ص) : يا نبي الله ! ثلاث أعطنيهن ، قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان ، أزوجكها ، قال : نعم ، قال : ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك ، قال : نعم ، قال : وتؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمـين ، قال : نعم " (2) .

قال ابن الجوزي تعليقا على هذا الخبر : " وفي هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد ، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راوي الحديث ، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد ، وقال : ليست صحاح ، وكذلك أحمد بن حنبل : هي أحاديث ضعاف ، ولذلك لم يخرج عنه البخاري ، وإنما أخرج عنه مسلم ، لأنه قد قال يحيى بن معين : هو ثقة .
وإنما قلنا : إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت عند عبدالله بن جحش ، وولدت له ، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ، ثم

 

(1) شرح معاني الآثار ج1ص 289-290 .

(2) صحيح مسلم ج4 ص1945 .  
 

- ج 2 ص 357 -

تنصر وثبتت هي على دينها ، فبعث رسول الله (ص) إلى النجاشي ليخطبها عليها ، فزوجه إياها ، وأصدقها عن رسول الله (ص) وذلك في سنة سبع من الهجرة ، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة ، فدخل عليها ، فتلت بساط رسول الله (ص) حتى لا يجلس عليه ، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ، ولا نعرف أن رسول الله (ص) أمّر أبا سفيان ، وقد أنبأنا ابن ناصر عن أبي عبدالله الحميدي قال : حدثنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ – المعروف بابن حزم - قال : هذا الحديث موضوع لا شك في وضعه ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار ، ولم يختلف أن رسول الله (ص) تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر " (1) .

قال الآبي : " قال بعضهم : ومما يحقق الوهم فيه قول أبي سفيان : أريد أن تؤمّرني ، قال : ولم يسمع قط أنه أمّره إلى أن توفي ، وكيف يخلف رسول الله (ص) الوعد ؟! هذا مما لا يجوز عليه " (2) .

والفضيلة الأخرى التي قيل إن مسلم ذكرها لمعاوية حديث " لا أشبع الله بطنه " رواها مسلم عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله (ص) ، فتواريت خلف الباب ، قال : فجاء فحطأني حطأة ، وقال : اذهب وادع لي معاوية ، قال : فجئت قلت : هو يأكل ، قال : ثم قال لي : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت ، فقلت : هو يأكل ، فقال : لا أشبع الله بطنه " (3) .
ذكر الخبر في كتاب البر والصلة تحت باب من لعنه النبي (ص) أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا أورحمة .

 

(1) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج2 ص 463 -464 .
(2) إكمال إكمال المعلم ج 8 ص 428 – 429 .

(3) صحيح مسلم ج4 ص 2010 .  
 

- ج 2 ص 358 -

قال ابن كثير تعليقا على ذلك : " وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرا ، كان يأكل في اليوم سبع مرات ، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ، ويقول : والله ما أشبع وإنما أعيا ، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك .

وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله (ص) قال : اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أوجلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة ، فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد غير ذلك " (1)

وهكذا حينما قال النسائي مستهزءا بمن يطلب ذكر فضيلة لمعاوية : أي شيء أخرج حديث اللهم لا تشبع بطنه ، علق الذهبي على ذلك بقوله : " قلت : لعل أن يقال هذه منقبة لمعاوية لقوله (ص) : اللهم من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة " (2) .

ولنا تعليقات على هذه المهزلة التي بدأها مسلم ، وطبل لها أميو الشام أمثال ابن كثير والذهبي ، فنقول :
أولا : كثيرا ما أشكل على التقية عند الشيعة بأنها توجب أن لا نعرف الحق ، لأننا لا نميز أن الامام تكلم بقصد إيصال الحكم الواقعي أم تقية ، وهنا نقول : كيف نميز أن رسول الله (ص) لعن مستحقا هنا ، ولعن غير مستحق هناك ، حتي تكون

 

(1) البداية والنهاية ج8 ص 128

(2) سير أعلام النبلاء ج14 ص 130 .  
 

- ج 2 ص 359 -

مثلبة للأول ومنقبة للثاني ، ونهاية كيف نميز بين الحق والباطل ، انطلاقا من أقوال الرسول (ص) وأرشاداته في تحديد أهل الباطل الملعونين ، وكيف نحدد أن اللعنة التي صدرت منه (ص) بقصد اللعن المدخل لجهنم أم بقصد اللعن المدخل للجنة ؟!!

ثانيا : لو سلمنا بذلك فكل ما يثبت أن رسول الله (ص) لعن غير مستحق للعن ، وثبت الأجر والثواب للملعون ، لكن أخبرونا كيف تتحول إلى منقبة من مناقب الملعون ، وهل كل من ثبت له شيء من الثواب عد ذلك في مناقبه ؟!!

ثالثا : كثرة الأكل أمر مذموم لا ممدوح ، أم التعصب لمعاوية يعمي إلى هذه الدرجة ؟! روى الترمذي تحت باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل عن مقدام بن معدي كرب قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب بن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة ، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفسه " .
قال أبوعيسى : " هذا حديث حسن صحيح " (1) .

فكيف تمدح يا ابن كثير كثرة أكله وتقول : وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك ؟!

 

(1) سنن الترمذي ج4 ص590 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب