|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 361 |
|
68 – متعة
النساء
قال :
والصحيح أن متعة النساء نهى عنها رسول الله (ص)
كما في الصحيحين من حديث علي أن رسول الله نهى يوم
خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ومتعة النساء .
- الصحاح تصرح بتحريم عمر لمتعة النساء لا رسول الله
(ص) .
في البدء يجب أن يعلم إن نهي عمر عنها كان نهيا عما
ثبت عنده أنه من سنة رسول الله (ص) غير المنسوخة ،
والأمر واضح وجلي في الروايات الصحيحة ، وأولها ما
نقله مسلم عن أبي نضرة قال : كان ابن عباس يأمر
بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، قال : فذكرت
ذلك لجابر بن عبد الله ، فقال : على يدي دار الحديث ،
تمتعنا مع رسول الله (ص) ، فلما قام عمر ، قال : إن الله
كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، وإن القرآن قد نزل
منازله فأتموا الحج والعمرة لله ،كما أمركم الله ، وأبتوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى
أجل إلا رجمته بالحجارة " (1) .
والعجب أنهم يرون الروايات صريحة في أن عمر نهى عن
متعة الحج مع ثبوتها عن رسول الله (ص) وعدم نسخها ،
ويروون الروايات الصحيحة التي تثبت أنه نهى عن
المتعتين في سياق واحد – وما نقلناه عن مسلم أحدها -
ومع ذلك يقرون به في متعة الحج وينكرونه في متعة
النساء .
ورواية مسلم التالية تصرح بأن نهيه عن متعة الحج نبع
من رأيه الشخصي مخالفا للقرآن والسنة ، فلم تنسخ من
القرآن ولا من رسول الله (ص) ، فعن مطرف قال : قال لي
عمران بن حصين : إني لأحدثك بالحديث اليوم ينفعك الله
به بعد اليوم ، واعلم أن رسول الله (ص) قد أعمر طائفة من
أهله في العشر ، فلم تنزل آية تنسخ ذلك ، ولم ينه عنه
حتى مضى لوجهه ، ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي .
وحدثناه إسحق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم كلاهما عن وكيع
حدثنا سفيان عن الجريري في هذا الإسناد ، وقال ابن
حاتم في روايته : ارتأى رجل برأيه ما شاء ، يعني عمر "
(1) .
وقد اعترف عمر بأن النبي
(ص) هو الذي شرع متعة الحج كما
في صحيح مسلم عن أبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة ، فقال
له رجل : رويدك ببعض فتياك ، فإنك لا تدري ما أحدث
أمير المؤمنين في النسك بعد ، حتى لقيه بعد فسأله ،
فقال عمر : قد علمت أن النبي (ص) قد فعله وأصحابه ولكن
كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج
تقطر رءوسهم " (2) .
فالرواية صريحة في أن هناك أمراً أحدثه عمر لم يكن ،
وعمر يقر أن رسول الله (ص) قد فعله وأصحابه ، ولكنه لم
يتحمل هذا الحكم .
وجذوره ترجع إلى زمن النبي حين بلغهم هذا الحكم كما في
رواية مسلم عن عائشة (رض) أنها قالت : قدم رسول الله
(ص)
لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس ، فدخل علي وهو غضبان ،
فقلت : من أغضبك يا رسول الله ، أدخله الله النار ،
قال : أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر ، فإذا هم
يترددون ، قال الحكم : كأنهم يترددون
| |
(1) صحيح مسلم ج2 ص 898 . |
(2) المصدر السابق ج2 ص896 . |
|
|
أحسب ، ولو
أني استقبلت من أمري ما استدبرت ، ما سقت الهدي معي
حتى أشتريه ، ثم أحل كما حلوا " (1) .
وينقل مسلم عن جابر تفاصيل أخرى للتمرد ، قال : عطاء
قال : سمعت جابر بن عبد الله (رض) في ناس معي ، قال :
أهللنا أصحاب محمد (ص) بالحج خالصا وحده ، قال عطاء :
قال جابر : فقدم النبي (ص) صبح رابعة مضت من ذي الحجة ،
فأمرنا أن نحل ، قال عطاء : قال : حلوا وأصيبوا النساء
، قال عطاء : ولم يعزم عليهم ، ولكن أحلهن لهم ، فقلنا
: لماّ لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي
إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني ، قال :
يقول جابر بيده ( كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها )
قال : فقام النبي (ص) فينا فقال : قد علمتم أني أتقاكم
لله وأصدقكم وأبركم ، ولولا هديي لحللت كما تحلون … ،
فقال سراقة بن مالك بن جعشم : يا رسول الله ألعامنا
هذا أم لأبد ؟ فقال : لأبد " (2) .
ولكن من المهم أن نعرف الخلفية الاجتماعية والنفسية
لعدم القبول بالحكم الذي بلغه رسول الله (ص) لهم ،
واستمرار رفضه في زمن الخلفاء بعده عمر وعثمان وابن
الزبير ومعاوية ، هذه الخلفية تكشفها كلمة ابن عباس
التي رواها كل من البخاري ومسلم واللفظ للأول ، عن ابن
عباس (رض) قال : كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من
أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ، ويقولون
إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن
اعتمر ، قدم النبي (ص) وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج
، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا
: يا رسول الله أي الحل ، قال : حل كله " (3) .
| |
(1) صحيح مسلم ج2ص 879 . |
(2) المصدر السابق ج2 ص883 . |
|
|
(3) صحيح البخاري ج2 ص 175 ،
صحيح مسلم ج2 ص 909 -910 . |
|
وقد بلغ وضوح الأمر على نحو كان ابن عمر يخالف أباه
جهارا في ذلك ، روى الترمذي في سننه عن سالم بن عبد
الله : " أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله
بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال عبد الله بن
عمر : هي حلال ، فقال الشامي : إن أباك قد نهى عنها ،
فقال عبد الله بن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها
وصنعها رسول الله (ص) ، أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله
(ص) ، فقال الرجل : بل أمر رسول الله (ص) ، فقال : لقد
صنعها رسول الله (ص) " (1) .
وقال ابن كثير : " وكان ابنه عبد الله يخالفه فيقال له
: إن أباك كان ينهى عنها ، فيقول : خشيت أن يقع عليكم
حجارة من السماء ، قد فعلها رسول الله ، أفسنة رسول
الله نتبع أم سنة عمر ؟ " (2) .
ونحن وإن أطلنا الكلام في متعة الحج ، ولكن المقصود إن
المتعتين حرمتا معا والعلة التحريم فيهما متقاربة ،
وقد صرحت الرواية الأولى التي نقلناها عن مسلم أن
التحريمين صدرا معا .
وهناك روايات أخرى صريحة في أن عمر منع عنهما في آن
واحد ، روى مسلم عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر بن
عبد الله ، فأتاه آت فقال : إن ابن عباس وابن الزبير
اختلفا في المتعتين ، فقال جابر : فعلناهما مع رسول
الله (ص) ثم نهانا عنهما عمر ، فلم نعد لهما " (3) .
كما أن هناك روايات صريحة في تحريم عمر لمتعة النساء
مع تشريع رسول الله (ص) لها ، فروى مسلم عن جابر بن عبد
الله : " كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام
على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن
عمرو بن حريث " (4) .
| |
(1) سنن الترمذي ج 3 ص 185 ، صححه الألباني .
(2) البداية والنهاية ج5 ص141 . |
(3) صحيح مسلم ج2 ص914 .
(4) المصدر السابق ج 2ص1023 . |
|
|
وفي خبر آخر عن مسلم يكشف موقف عبدالله بن مسعود ، روى
عن قيس ، قال : سمعت عبد الله يقول : كنا نغزو مع رسول
الله (ص) ليس لنا نساء ، فقلنا : ألا نستخصي ، فنهانا عن
ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ، ثم
قرأ عبد الله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ ) " (1) .
أليس ذكره للآية صريح في إنكاره للتحريم ، وأن المتعة
من الطيبات التي أحلها الله للمسلم .
وقد روى مسلم أيضا تفاصيل الخلاف الذي دار بين ابن
الزبير وابن عباس بما يظهر منه علة تحريم متعة النساء
، وإنها تقارب العلة في منع متعة الحج ، والخبر عن
عروة بن الزبير : " أن عبد الله بن الزبير قام بمكة ،
فقال : إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم ،
يفتون بالمتعة ، يعرض برجل فناداه ، فقال : إنك لجلف
جاف ، فلعمري ، لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام
المتقين ، يريد رسول الله (ص) ، فقال له ابن الزبير :
فجرب بنفسك ، فو الله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك "
(2) .
قال النووي في شرحه : " قوله ( إن ناسا أعمى الله
قلوبهم ... ) يعني يعرض بابن عباس " (3) .
فلاحظ التشابه بين قول ابن عباس في متعة النساء "
والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين " ، وقول رسول
الله (ص) في متعة الحج " قد علمتم أني اتقاكم لله
وأصدقكم وأبركم " ، بما ينبأك أن رفضهم لحكم الله نابع
من اعتقادهم بإنه أمر ينافي التقوى في تصور هؤلاء
الرافضين في ذلك الزمن بل وحتى في زمننا المعاصر .
| |
(1) صحيح مسلم ج2ص 1022 .
(2) المصدر السابق ج2 ص 1026 . |
(3) شرح النووي على صحيح مسلم ج9 ص 188 . |
|
|
لكن يبقى النص الأصرح الذي يكشف إن تحريم عمر كان
خلافا لما شرعة الله وبلغه رسوله ونهياً عما أمر به
(ص)
ما رواه البيهقي ، قال : " أخبرنا محمد بن عبد الله
الحافظ أنبأ عبد الله بن محمد بن موسى ثنا محمد بن
أيوب أنبأ موسى بن إسماعيل ثنا همام عن قتادة عن أبي
نضرة عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قلت : إن ابن
الزبير ينهى عن المتعة وأن ابن عباس يأمر بها ، قال :
على يدي جرى الحديث ، تمتعنا مع رسول الله (ص) ومع أبي
بكر(رض) ، فلما ولي عمر خطب الناس ، فقال : إن رسول الله
(ص) هذا الرسول ، وإن هذا القرآن هذا القرآن ، وإنهما
كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) وأنا أنهي عنهما
وأعاقب عليهما ، إحداهما متعة النساء ، ولا أقدر على
رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة ، والأخرى
متعة الحج ، أفصلوا حجكم من عمرتكم ، فإنه أتم لحجكم
وأتم لعمرتكم .
أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن همام " (1) .
ويقصد بالأخير ما رواه مسلم في باب في المتعة بالحج
والعمرة عن شعبة عن قتادة ، ولقد نقلنا الخبر قبل
صفحات ، وقال مسلم بعدها : وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا
عفان حدثنا همام حدثنا قتادة بهذا الإسناد ، وقال في
الحديث : " فافصلوا حجكم من عمرتكم ، فإنه أتم لحجكم ،
وأتم لعمرتكم " (2) .
وأما سند البيهقي قبل همام فهم :
موسى بن إسماعيل : أبو سلمة التبوذكي ... ثقة ثبت ، من
صغار التاسعة ، ولا التفات إلى قول ابن خراش : تكلم
الناس فيه (3) .
| |
(1) السنن الكبرى ج7 ص 335 (206) . |
(2) صحيح مسلم ج2 ص 886 . |
(3) تقريب التهذيب ج2 ص 220 . |
|
|
محمد بن أيوب : قال أبو حاتم : " كان ثقة صدوقا " ،
وقال الذهبي : " الحافظ الثقة المحدث المعمر المصنف "
(1) .
عبد الله بن محمد بن موسى : قال عنه الذهبي في "
الكعبي المحدث العالم الصادق ، ... ذكره الحاكم ، فقال
: محدث كثير الرحلة والسماع ، صحيح السماع " (2) .
محمد بن عبد الله الحافظ : هو الحاكم صاحب ( المستدرك
على الصحيحين ) ، قال عنه الخطيب : " كان من أهل الفضل
والعلم والمعرفة والحفظ ... وكان ثقة " (3) ، وقال عنه
الذهبي : " الإمام الحافظ الناقد العلامة شيخ المحدثين
... وصنف وخرّج وجرح وعدل وصحّح وعلّل وكان من بحور
العلم على تشيع قليل فيه " (4) .
فيتبين لك بذلك وثاقة رواة قول عمر : " وأنا أنهى
عنهما وأعاقب عليهما " الذي رواه البيهقي .
ونقل الخبر أيضا الطحاوي قال : " حدثنا سليمان ، قال :
ثنا الخصيب ، قال : ثنا همام عن قتادة عن أبى نضرة عن
جابر بن عبد الله ، قال : تمتعنا مع رسول الله (ص) فلما
ولى عمر خطب الناس ، فقال : إن القرآن هو القرآن ، وإن
الرسول هو الرسول ، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول
الله (ص) ، متعة الحج ، فافصلوا بين حجكم وعمرتكم ، فإنه
أتم لحجكم وأتم لعمرتكم ، والأخرى متعة النساء ، فأنهى
عنها وأعاقب عليها " (5) .
| |
(1) الجرح والتعديل ج 7 ص 198 ،
سير أعلام النبلاء ج13 ص 449 . |
|
(2) سير أعلام النبلاء ج
15ص530 .
(3) تاريخ بغداد ج3 ص 93 - 94 .
|
(4) سير أعلام النبلاء
ج17 ص 163 - 165 .
(5) شرح معاني الآثار ج2ص 144 . |
|
وسند الطحاوي تام أيضا ، فالرواة قبل همام موثقون :
فالخصيب : قال الذهبي : " ابن عبدالله بن محمد بن
الحسين بن الخصيب ، الشيخ العالم الثقة القاضي أبو
الحسن المصري " (1) .
وسليمان : هو ابن شعيب الكيساني ، قال السمعاني : " من
أهل مصر ... وكان ثقة " (2) .
والطحاوي صاحب الكتاب : هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن
سلامة قال ابن الجوزي : " وكان ثبتا فهما فقهيا عقلا "
(3) ، وقال الذهبي : " الإمام العلامة الحافظ الكبير
محدث الديار المصرية وفقيهها ... ذكره أبو سعيد بن
يونس ، فقال : عداده في حجر الأزد ، وكان ثقة ثبتا
فقيها عاقلا لم يخلف مثله " (4) .
فهل يبقى بعد هذا شك إن عمر حرم ما أحله الله ؟!
- قصة تحريم المتعة يوم خيبر
اشتهر خبر تحريم رسول الله (ص) للمتعة يوم خيبر المروي
في الصحيحين ، وهو مروي عن علي (رض) أنه سمع ابن عباس
يلين في متعة النساء ، فقال : " مهلا يا ابن عباس ،
فإن رسول الله (ص) نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر
الأنسية " (5) .
ومع ذلك ستعجب من رفض الخبر من قبل علماء السنة
لتعارضه مع أخبار أخرى منها ما رواه مسلم عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه أخبره أن رسول الله
(ص) نهى عن
المتعة زمان الفتح ، متعة النساء ، وأن أباه كان تمتع
ببردين أحمرين " (6) .
| |
(1) سير أعلام النبلاء ج17 ص 349 .
(2) الأنساب ج 4 ص 677 .
(3) المنتظم ج8 ص 126 . |
(4) سير أعلام النبلاء
ج15 ص 27 ، 29 .
(5) صحيح مسلم ج 2ص 1028 .
(6) المصدر السابق ج 2ص1026 . |
|
|
فكيف يقال أن رسول الله نهى عنها يوم خيبر مع وجود
رواية صحيحة أنه (ص) نهى عنها يوم فتح مكة ، والمعلوم أن
فتح مكة متأخر عن يوم خيبر ، لذا نقل ابن حجر عن
السهيلي قوله :
" ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال ، لأن فيه النهي
عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وهذا شيء لا يعرفه أحد من
أهل السير ورواة الأثر ، قال : فالذي يظهر أنه وقع
تقديم وتأخير في لفظ الزهري ، وهذا الذي قاله سبقه
إليه غيره في النقل عن ابن عيينة ، فذكر ابن عبد البر
من طريق قاسم بن أصبغ أن الحميدي ذكر عن ابن عيينة أن
النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وأما المتعة
فكان في غير يوم خيبر ، ثم راجعت مسند الحميدي من طريق
قاسم بن أصبغ عن أبي إسماعيل السلمي عنه ، فقال بعد
سياق الحديث : قال ابن عيينة : يعني أنه نهى عن لحوم
الحمر الأهلية زمن خيبر ، ولا يعني نكاح المتعة ، قال
ابن عبد البر : وعلى هذا أكثر الناس ، وقال البيهقي :
يشبه أن يكون كما قال ، لصحة الحديث في أنه (ص) رخص فيها
بعد ذلك ثم نهى عنها ، فلا يتم احتجاج علي إلا إذا وقع
النهي أخيرا لتقوم به الحجة على ابن عباس ، وقال أبو
عوانة في صحيحه : سمعت أهل العلم يقولون : معنى حديث
علي أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر ، وأما المتعة
فسكت عنها ، وإنما نهى عنها يوم الفتح اه ، والحامل
لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد زمن خيبر
كما أشار إليه البيهقي " (1) .
ولكن كل ذلك يرده نص مسلم بصيغة " أن رسول الله
(ص) نهى
عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأنسية " ، فهي لا
تحتمل ما ذكروه ، وصرح بذلك ابن حجر قبل العبارة
السابقة بقليل : " حكى البيهقي عن الحميدي أن سفيان بن
عيينة كان
| |
(1) فتح الباري ج9 ص 168- 169 . |
|
|
يقول : قوله
( يوم خيبر ) يتعلق بالحمر الأهلية لا بالمتعة ، قال
البيهقي : وما قاله محتمل يعني في روايته هذه ، وأما
غيره فصرح أن الظرف يتعلق بالمتعة ، وقد مضى في غزوة
خيبر من كتاب المغازي ويأتي في الذبائح من طريق مالك
بلفظ ( نهى رسول الله (ص) يوم خيبر عن متعة النساء وعن
لحوم الحمر الأهلية ) " .
فلفظ الخبر صريح في أنه نهى عن المتعة يوم خيبر لا
تحتمل غير ذلك (1) .
ثم حاول ابن حجر أن يحتمل أن يكون خبر تحليل وتحريم
المتعة يوم الفتح لم يبلغ عليا ، ولكن كيف يجهل علي
(ع)
- وهو سيد الفاتحين لمكة - أن رسول الله (ص) أحلها مرة
أخرى في يوم فتح مكة ثم نهى عنها ؟ فيخبر الناس بعد
وفاة رسول الله أنه (ص) النهى كان يوم خيبر ، وخاصة أن
ظاهر عبارة الربيع بن سبرة التي نقلها مسلم أن النهي
عنها كان عاما إذا روى عن رسول الله (ص) أنه قال : " يا
أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من
النساء ، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة " (2) ،
فكيف لا يعرف علي بذلك كله ، ويقول إن النهي الأخيركان
قبل ذلك في خيبر ، ووضعنا قيد الأخير لأنه (ع) يريد بيان
التحريم الأخير لابن عباس ، إذ بذلك تتم الحجة عليه .
وما نقله ابن حجر عن السهيلي يبرز لك اضطراب الخبر
أكثر :
" قال السهيلي : وقد اختلف في وقت تحريم نكاح المتعة ،
فاغرب ما روى في ذلك رواية من قال : في غزوة تبوك ، ثم
رواية الحسن ، أن ذلك كان في عمرة القضاء ،
| |
(1) والغريب إن كاتبنا روى الخبر بصيغة " أن رسول الله نهى يوم خيبر عن لحوم
الحمر الأهلية ومتعة النساء " ، في حين أرجع في الحاشية إلى فتح الباري
برقم ( 4216 ) والخبر فيه بصيغة " أن رسول الله (ص) نهى عن متعة النساء
يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية " ، وكذلك أرجع إلى مسلم ، كتاب
النكاح رقم ( 29 ) وهناك أيضا الخبر بنفس صيغة فتح الباري التي أرجع
إليها ؟!!
(2) صحيح مسلم ج2ص1025 |
|
|
والمشهور في
تحريمها أن ذلك كان في غزوة الفتح كما أخرجه مسلم من
حديث الربيع بن سبرة عن أبيه ، وفي رواية عن الربيع
أخرجها أبو داود أنه كان في حجة الوداع ، قال : ومن
قال من الرواة كان في غزوة أوطاس ، فهو موافق لمن قال
عام الفتح اه ، فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن خيبر ثم
عمرة القضاء ثم الفتح ثم أوطاس ثم تبوك ثم حجة الوداع
، وبقي عليه حنين ، لأنها وقعت في رواية قد نبهت عليها
قبل ، فأما أن يكون ذهل عنها أو تركها عمدا لخطأ
رواتها ، أو لكون غزوة أوطاس وحنين واحدة " (1) .
كما يظهر الارتباك من عنوان مسلم للباب بقوله ( نكاح
المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر
حكمه إلى يوم القيامة ) .
وقال ابن كثير في تفسيره : " و لاشك أنه كان مشروعا في
ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك ، وقد ذهب الشافعي
وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ
مرتين ، وقال آخرون أكثر من ذلك " (2) .
وقال القرطبي : " وروى عطاء عن ابن عباس قال : ما كانت
المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا
نهى عمر عنها ما زنى إلا شقي .
العاشرة : واختلف العلماء كم مرة أبيحت ونسخت ، … قال
أبوحاتم البستي في صحيحه : قولهم ( ألا نستخصي ؟ )
دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم
الاستمتاع ، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا
معنى ، ثم رخص لهم في الغزو ... ثم نهى عنها عام خيبر
، ثم أذن فيها عام الفتح ، ثم حرمها بعد ثلاث ، فهي
محرمة إلى يوم القيامة ، وقال ابن العربي : وأما متعة
النساء فهي من غرائب
| |
(1) فتح الباري ج9 ص 170 .
(2) تفسير ابن كثير ج1 ص 486 . |
|
|
الشريعة ،
لأنها أبيحت في صدر الإسلام ، ثم حرمت يوم خيبر ، ثم
أبيحت في غزوة أوطاس ، ثم حرمت بعد ذلك ، واستقر الأمر
على التحريم ، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة
القبلة ، لأن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك
، وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها : إنها تقتضي
التحليل والتحريم سبع مرات ، فروى ابن أبي عمرة أنها
كانت في صدر الإسلام ، وروى سلمة بن الأكوع أنها كانت
عام أوطاس ، ومن رواية علي تحريمها يوم خيبر ، ومن
رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح ، قلت : وهذه
الطرق كلها في صحيح مسلم ، وفي غيره عن علي نهيه عنها
في غزوة تبوك … فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة
وحرمت " (1) .
وبعد ، فهل يمكن أن نقول بعد ذلك أن خبر تحريمها يوم
خيبر أمر ثابت في الصحيحين ؟! أنت الحكم أيها القارئ .
وأما قوله عن تحريم نكاح المتعة : " رواه الشيعة عن
علي في كتبهم " وذكر في الحاشية وسائل الشيعة وتهذيب
الأحكام والاستبصار كمصدر للخبر.
مصدر الخبر كل من ( التهذيب ) و ( الاستبصار ) كتابي
الشيخ الطوسي ، قال الشيخ في ( التهذيب ) : " وأما ما
رواه محمد بن يحيى عن أبي جعفر عن أبي الجوزاء عن
الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن
آبائه عن علي (ع) قال : حرم رسول الله (ص) يوم خيبر لحوم
الحمر الأهلية ونكاح المتعة .
فإن هذه الرواية وردت مورد التقية وعلى ما يذهب إليه
مخالفو الشيعة ، والعلم حاصل لكل من سمع الأخبار من
دين أئمتنا (ع) إباحة المتعة فلا يحتاج إلى إطناب فيه ،
وإذا أراد الإنسان أن يتزوج متعة فعليه بالعفائف منهن
العارفات دون من لا معرفة لها منهن" (2) .
| |
(1) الجامع لأحكام القرآن ، المجلد الثالث ، ج5 ص 114- 115 . |
(2) تهذيب الأحكام ج7 ص 251- 252 . |
|
|
وقال في ( الاستبصار ) : " فأما ما رواه محمد بن أحمد
بن يحيى عن أبي الجوزاء ... ... فالوجه في هذه الرواية
أن نحملها على التقية ، لأنها موافقة لمذاهب العامة
والأخبار الأولة موافقة لظاهر الكتاب وإجماع الفرقة
المحقة على موجبها ، فيجب أن يكون العمل بها دون هذه
الرواية الشاذة " (1) .
ونقل الحر العاملي الرواية عن ( الاستبصار ) ثم علق
بقوله :
" حمله الشيخ وغيره على التقية - يعني في الرواية -
لأن إباحته من ضروريات مذهب الإمامية ، وتقدم ما يدل
على ذلك ، ويأتي ما يدل عليه ، والأخير يحتمل النسخ
والكراهة مع المفسدة " (2) .
ولكن نعم ما قال العلامة المجلسي :
" الأظهر أنه من
مفتريات الزيدية كما يظهر من أكثر أخبارهم " (3) .
وطريق الشيخ إلى محمد بن يحيى العطار تام .
ومحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري : قال عنه النجاشي : "
كان ثقة في الحديث ، إلا أن أصحابنا قالوا : كان يروي
عن الضعفاء ، ويعتمد المراسيل " (4) .
| |
(1) الاستبصار ج3 ص 142 ، ويلاحظ إن الشيخ نقله في ( التهذيب ) عن محمد بن
يحيى عن أبي جعفر عن أبي الجوزاء ، وفي ( الاستبصار ) عن محمد بن أحمد
بن يحيى عن أبي الجوزاء مباشرة .
ولكن لا خطأ في البين ، فإن محمد بن يحيى العطار يروي عن أحمد بن محمد
بن يحيى ( أي أبي جعفر الأشعري ) ، ففي ( التهذيب ) ذكر أن الخبر عن
العطار عن أبي جعفر الأشعري عن أببي الجوزاء ، وفي ( الاستبصار ) عن
محمد بن أحمد بن يحيى ( أبي جعفر ) عن أبي الجوزاء بحذف العطار الراوي
عن أبي جعفر الأشعري ، وأما طرق الشيخ إليهما فقد ذكرها في المشيخة .
(2) وسائل الشيعة ج21 ص 12 .
(3) ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار ج12 ص 32 .
(4) رجال النجاشي ص 348 . |
|
|
أبو الجوزاء : هو منبه بن عبدالله ، قال عنه النجاشي
في رجاله : " صحيح الحديث " (1) ، والكلمة تفيد
الوثاقة في نظر الأكثر (2) ، نعم قال التستري تعليقا
على عبارة النجاشي : " بل غير صحيح الحديث ، كيف وقد
روى حرمة المتعة ، وغسل الرجلين في الوضوء ، وسقوط
الغسل عن الشهيد مع موته في الغد ، ... وتوثيق العلامة
في الخلاصة له ... استند إلى قول النجاشي ، وكيف وصرح
التهذيبان بزيديته في شهداء الأول بلفظ ( أبي الجوزاء
) ومسح رجلي الثاني بلفظ ( عبدالله بن المنبه ) مقلوبا
" (3) .
قال الشيخ في ( الاستبصار ) بعد نقل خبر يفيد غسل
الرجلين سنده عبدالله بن المنبه عن الحسين بن علوان عن
عمرو بن خالد عن زيد عن آبائه عليهم السلام – أي نفس السند الذي
نبحث حوله : " فهذا الخبر موافق للعامة ... يبن ذلك أن
رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية ، وما يختصون
بروايته لا يعمل به على ما بين في غير موضع " (4) .
قال السيد الخوئي : " الشيخ ( قدس ) ذكر في رواية في
سندها عبدالله بن المنبه عن الحسين بن علوان إن رواة
هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية ... وذكرنا هنا أن
المظنون قويا أن ... الصحيح المنبه بن عبدالله " (5) .
الحسين بن علوان : ذكره النجاشي قائلا : " الحسين بن
علوان الكلبي ، مولاهم كوفي عامي ، وأخوه الحسن يكنى
أبا محمد ، ثقة ، رويا عن أبي عبدالله (ع) ، وليس للحسن
كتاب ، والحسن أخص بنا وأولى روى الحسين عن الأعمش
وهشام بن عروة " (6) .
| |
(1) رجال النجاشي ص 21 .
(2) مقباس الهداية ج2 ص 166 .
(3) قاموس الرجال ج10 ص 237 . |
(4) الاستبصار ج1 ص 66 .
(5) معجم رجال الحديث ج 18 ص 326 .
(6) رجال النجاشي ص 52 . |
|
|
عمرو بن خالد : الواسطي ذكره النجاشي من دون توثيق (1)
، وذكره الكشي قال : " محمد بن مسعود ... قال : أخبرنا
عمرو بن خالد وكان من رؤساء الزيدية ... ، ومنزل عمرو
بن خالد كان عند مسجد سماك ، وذكر ابن فضال أنه ثقة "
(2) .
ونقل الشيخ المازندارني تعليقة الوحيد البهبهاني قال :
" والظاهر من أخباره ومن الاستبصار في باب مسح الرجلين
أنه عامي زيدي ، وقيل : إنه ضعيف ، وقيل : موثق ،
ويظهر من خالي أنه المشهور ، وفيه تأمل لأنهم لا
يعتبرون توثيق ابن فضال ، نعم يعتبره من يعتبر الموثق
ويجعل التوثيق من باب الخبر أو الظنون " (3) .
وهذا هو الأقرب لأنه لو جاز الأخذ بتوثيقات ابن فضال
الفطحي لجاز الأخذ بأقوال من وثق من رجاليّ السنة ،
ويبقى ما قاله رجاليو السنة في عمرو بن خالد أولى
لتوافقه مع حال رواياته التي رويت عندنا والتي حددها
العلامة التستري في مواضع عدة ، وخاصة رأي الحاكم
النيسابوري الذي قال : " يروي عن زيد بن علي الموضوعات
" ، كما روى الأثرم عن أحمد قوله : " كذاب يروي عن زيد
بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة يكذب" (4) .
ولذا نبه العلامة التستري على ما ورد في حقه في مصادر
العامة بعد أن عدد توافق رواياته لرواياتهم ، ومنها
روايته لحرمة المتعة قال : " وكيف كان فعنونه العامة ،
وقالوا : كان يكذب ، ففي ( التقريب ) : عمرو بن خالد
القرشي مولاهم أبو خالد كوفي ، نزل واسط ، متروك ،
رماه وكيع بالكذب ، مات سنة 120 .
| |
(1) رجال النجاشي ص 288 .
(2) رجال الكشي ص 231 -232 . |
(3) منتهى المقال ج5 ص 107- 108 .
(4) انظر إلى ترجمته في ( تهذيب التهذيب ) ج 8 ص 24 . |
|
|
وفي ( الميزان ) : ... قال وكيع : كان في جوارنا يضع
الحديث ، فلما فطن له تحول إلى واسط ، وعن أبي عوانة
:كان عمرو بن خالد يشتري الصحف من الصيادلة ويحدث بها
، روى عن زيد بن علي عن آبائه " (1) .
أو على الأقل لنقل تعارض ما ورد عن ابن فضال الفطحي مع
ما ذكره علماء الرجال من العامة ، ومع ملاحظة إن عمرو
بن خالد هو منبع الروايات الموافقة للعامة في مصادرنا
على الأرجح .
| |
(1) قاموس الرجال ج8 ص97 . |
|
|
|