النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 377

69- عودة إلى تحريف القرآن

أعاد إدعاء وجود إجماع عند الشيعة على القول بتحريف القرآن اعتمادا على كلمات إما حرفها وغيرها أو أساء فهمها ، وذكرنا الرد على ذلك كله في الجزء الأول .

لكنه هنا حرف اسم عدنان البحراني الذي ذكر كلمته في الجزء الأول إلى هاشم البحراني المحدث الشهير حتى يوهم أنه هو صاحب الكلمة ، ومع ذلك نحتمل أن الأمر مجرد خطأ ، كما ردد تكفير من قال بنقص القرآن ، وقد مر البحث حول ذلك أيضا ، والجديد الذي أضافه هنا هو قوله :
" وكل من قال ان القرآن محرف ... وقوله مردود مضروب به وجهه كالمجلسي والنوري الطبرسي والكليني والقمي " .

- نسبة القول بالتحريف للشيخ الكليني (رض)
أما الكليني فادراجه فيمن يقول بتحريف القرآن يعتمد على مجرد نقله للروايات التي ظاهرها ذلك باضافة ما استظهره البعض من مقدمة الكافي بأنه يقول بصحة الروايات التي نقلها في الكتاب ، فنقول :
أولا : الخطأ في الاستظهار المذكور ، فالكليني رحمه الله يعرض سبب تأليف الكتاب وأنه نتج من طلب أخ بأن يكون في متناول يده كتاب يستطيع من خلاله أن يعرف

- ج 2 ص 378 -

حقائق أمور أشكلت عليه بسبب اختلاف الرواية فيها ، فقال الكليني : " وقلت : إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ، ويرجع إليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين (ع) ...
فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء (ع) برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله (ع) : اعرضوها على كتاب الله فما وافى كتاب الله عز وجل فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردوه وقوله (ع) : دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم ، وقوله (ع) : خذوا بالمجمع عليه فإن المجمع عليه لا ريب فيه ...
وقد يسر الله - وله الحمد – تأليف ما سألت ، وأرجو أن يكون بحيث توخيت " (1) .

قال السيد الخوئي في رد ذلك : " إن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين (ع) ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة ... " (2) .

وثانيا : لو سلم اعتقاده بصحة روايات الكتاب ، ومنها روايات التحريف ، فإنه يحتمل قويا أن الكليني عمل بما قاله في المقدمة في بيان الموقف من الروايات المتعارضة : " خذوا بالمجمع عليه فإن المجمع عليه لا ريب فيه " ، فرأى أن القرآن بصيغته الفعلية أي ما بين الدفتين مجمع عليه للتواتر ، وأما الروايات التي ظاهرها نقص القرآن فهي ليست كذلك فتركها ولم يعتقد بمؤداها وإن كانت صحيحة السند ، فهذا الاحتمال القوي كاف في دفع نسبة القول بالتحريف للكليني بناء على أنه يرى صحة روايات الكافي .

 

(1) الكافي ج1 ، خطبة الكتاب ص 8 - 9 .

(2) معجم رجال الحديث ج1 ص 89 .  
 

- ج 2 ص 397 -

- نسبة القول بالتحريف للمجلسي والمفيد (رض)
وأما العلامة المجلسي فقد اكتفى في ( البحار ) بنقل جواب الشيخ المفيد في ( المسائل السروية ) على سؤال عن القرآن مفاده : أهو ما بين الدفتين الذي في أيدي الناس ؟ أم هل ضاع مما أنزل الله تعالى على نبيه منه شيء أم لا ؟ وهل هو ما جمعه أمير المؤمنين (ع) أم ما جمعه عثمان على ما يذكره المخالفون ؟
" الجواب : إن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنزيله وليس فيه شيء من كلام البشر ، وهو جمهور المنزل ، والباقي مما أنزله الله تعالى قرآنا عند المستحفظ للشريعة ، المستودع للأحكام ، لم يضع منه شيء ، وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك ، منها قصوره عن معرفة بعضه ، ومنه ما شك فيه ، ومنه ما عمد بنفسه ، ومنه ما تعمد إخراجه منه .

وقد جمع أمير المؤمنين (ع) القرآن المنزل من أوله إلى آخره وألفه بحسب ما وجب من تأليفه ...
فصل (1) : غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا (ع) أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين وأن لا نتعداه بلا زيادة فيه ولانقصان منه ... لأنها لم يأت على التواتر وإنما جاء بالآحاد وقد يغلط الواحد فيما ينقله ...
فصل (2) : فإن قال قائل : كيف تصح القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان ، وأنتم تروون عن الأئمة (ع) أنه قرؤا ( كنتم خير أئمة أخرجت للناس ) ، ( وكذلك جعلناكم أئمة وسطا ) ، وقرؤا ( يسألونك الأنفال ) ، هذا بخلاف المصحف الذي في أيدي الناس ؟

 

(1) عنوان الفصل في المسائل السروية ص 81 ( لزوم التقيد بما بين الدفتين ) .
(2) المصدر السابق ص 82 ( وحدة القرآن وتعدد القراءات ) .

 
 

- ج 2 ص 380 -

قيل له : قد مضى الجواب عن هذا ، وهو أن الأخبار التي جائت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها ، فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما أُمرنا به حسب ما بيناه ، مع أنه لا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلتين ، أحدهما ما تضمنه المصحف ، والثاني ما جاء به الخبر كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى فمن ذلك قوله تعالى ( وما هو على الغيب بظنين ) يريد بمتهم ، وبالقراءة الأخرى ( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) يريد به ببخيل ... " (1) .

نعم كلام الشيخ المفيد في ( أوائل المقالات ) يخالف ظاهر مقالته في ( المسائل السروية ) إذ يصرح فيه بأنه يميل إلى أن النقص المشار إليه في بعض الروايات ليس من القرآن حقيقة ، قال : " وأما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه ، وقد امتحنت مقالة من ادعاه ، وكلمت عليه المعتزلة وغيرهم طويلا ، فلم أظفر منهم بحجة اعتمدها في فساده ، وقد قال جماعة من أهل الإمامة إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين (ع) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتا منزلا وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز ، وقد يسمى تأويل القرآن قرآنا ، قال الله تعالى ( وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) (2) ، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف .

وعندي أن هذا القول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، وإليه أميل ، والله أسأل توفيـقه للصواب " (3) .

 

(1) بحار الأنوار ج92 ص 74 .

(2) طه / 114 . (3) أوائل المقالات ص 81 .  
 

- ج 2 ص 381 -

وهناك عبارة أخرى للمجلسي قد يتوهم أنها خلاف ما في ( البحار ) وهي قوله : " ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره ، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأسا ، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر .
فإن قيل : أنه يوجب رفع الاعتماد على القرآن ، لأنه إذا ثبت تحريفه ففي كل آية يحتمل ذلك ؟
وتجوزيهم (ع) على قراءة هذا القرآن والعمل به متواتر معلوم ، إذ لم ينقل من أحد من الأصحاب أن أحدا من أئمتنا أعطاه قرآنا أو علمه قراءة ، وهذا ظاهر لمن تتبع الأخبار " (1) .

وقوله تجويزهم ... إلخ هو جوابه على الإشكال ، وهو لا يختلف عما نقله عن المفيد في ( البحار ) من تواتر الموجود بين الدفتين فقط ، وعدم جواز اعتقاد قرآنية غير ما بين الدفتين ، ولكنه ما أضافه ووضحه أكثر في ( مرآة العقول ) هو وجود علم إجمالي بسبب تواتر معنوي - مستفاد من تعدد الروايات - بوجود آيات لم تكتب في القرآن المتداول ، من دون إمكان تحديدها بعينها لكونها مذكورة في أخبار آحاد ومن دون جواز الاعتقاد بقرآنيتها بسبب ما ورد عن الأئمة (ع) من الأمر بقراءة ما بين الدفتين .

 

(1) مرآة العقول ج12 ص 525 .

 
 

- ج 2 ص 382 -

- ما قاله المفيد لا يختلف عما قاله علماء السنة
وتوضيحا للرأي السابق ، نقول لا بد أن يعلم الجميع أنه لم يقل أحد من المسلمين بالتحريف بمعنى أن يوجد في القرآن المتداول كلام ليس منه ، بل ما ادعي هو وجود نقص في بعض الآيات أو في بعض الكلمات عن المقدار الذي أنزل على رسول الله (ص) ، وهذا على نحوين :
الأول : إن هناك آيات نزلت لم تعد موجودة في القرآن الفعلي ، وهذا ما يقول به كل أهل السنة عندما يؤمنون بما يسمى نسخ التلاوة ، ولا يعدونه تحريفا لأنه وقع بأمر رسول الله (ص) ، والمثال المشهور لذلك آية الرجم المذكورة في الصحاح (1).
الثاني : إن هناك بعض الآيات ألغيت منها بعض الكلمات التي لا تضر بمجمل الآية أو تغيرت بعض الكلمات إلى مرادفاتها ، أو حدث فيها شيء من التقديم والتأخير ، وهذا هو قول كل من آمن بالقرءات المخالفة لرسم المصحف العثماني .

وهو يبتني على ما ذهب إليه علماء السنة من الاعتقاد بالأحرف السبعة أو القراءات الشاذة المخالفة للرسم العثماني ، ومثالها ما ورد في صحيح مسلم عن علقمة قال : قدمنا الشام ، فأتانا أبو الدرداء فقال : أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبدالله ؟ فقلت : نعم أنا ، قال : فكيف سمعت عبدالله يقرأ هذه الآية ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) ؟ قال : سمعته يقرأ ( والليل إذا يغشى والذكر والأنثى ) ، قال : وأنا والله هكذا سمعت رسول الله (ص) يقرؤها ، ولكن هؤلاء يريد أن أقرأ وما خلق ، فلا أتابعهم " (2) .

 

(1) صحيح البخاري ج 8 ص 209 .

(2) صحيح مسلم ج1 ص 565 – 566 ، صحيح البخاري ج6 ص 211 .  
 

- ج 2 ص 383 -

نعم نقل الزركشي تفصيل أكثر لصور الاختلاف في قراءات آيات القرآن ، قال وهو يذكر بعض التفاسير التي فسر بها الخبر المعروف من نزول القرآن على سبعة أحرف :
" وحكى ابن عبد البر عن بعض المتأخرين من أهل العلم بالقرآن أنه قال : تدبرت وجوه الاختلاف في القرآن فوجدتها سبعة :
1- منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته ، مثل ( هن أطهرُ لكم ) و ( أطهرَ لكم ) ، ( ويضيقُ صدري ) ، ( ويضيقَ صدري ) .
2- ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته كقوله ( ربنا باعَدَ بين أسفارنا ) و ( ربنا باعدْ بين أسفارنا ) .
3- ومنها ما يتغير معناه بالحروف واختلافها ولا تتغير صورته كقوله ( كيف ننشزها ) و ( ننشرها ) .
4- ومنها ما تتغير صورته ولا يتغير معناه ( كالعهن المنفوش ) و ( الصوف المنفوش ) .
5- ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل ( طلح منضود ) و ( طلع ) .
6- ومنها بالتقديم والتأخير كـ ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) ، و ( سكرة الحق بالموت ) .
7- ومنها بالزيادة والنقصان ، مثل ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ) ، وقراءة ابن مسعود ( تسع وتسـعون نعجة أنثى ) ، ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين وكان كافرا ) ، قال أبو عمر : وهذا وجه حسن من وجوه معنى الحديث .

- ج 2 ص 384 -

وقال بعض المتأخرين : هذا هو المختار ، قال : والأئمة على أن مصحف عثمان أحد الحروف السبعة ، والآخر مثل قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء ( والذكر والأنثى ) كما ثبت في الصحيحين ، ومثل قراءة ابن مسعود ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ) وقراءة عمر ( فامضوا إلى ذكر الله ) ، والكل حق ، والمصحف المنقول بالتواتر مصحف عثمان ، ورسم واحد إلا ما تنوعت فيه المصاحف ، وهو بضعة عشر حرفا مثل ( الله الغفور ) و ( إن الله والغفور ) " (1) .

نعم شراح الصحاح حاولوا اعتبار قراءة ابن مسعود ( والذكر والأنثى ) من نوع نسخ التلاوة (2) الذي لم يبلغ ابن مسعود وأبوالدرداء ، ولكن التكلف في ذلك واضح بملاحظة عبارة أبو الدرداء : " ولكن هؤلاء يريد أن أقرأ وما خلق ، فلا أتابعهم " ، فهل يعقل أن الذين يريدونه أن يقرأ ( وما خلق ) لم يبلغوه خبر النسخ ، ولا يسعون للاتيان بالأدلة والشهود على ذلك !!

والأمران قال بهما بعض علماء الشيعة ، لكن لم يقولوا بنسخ التلاوة بل قالوا بما يشبه ذلك ، وهو أن الأئمة (ع) أمرونا بأن نعتبر قرآنية ما هو متداول بين الناس ، ولا نخالفه ، ولا نعتقد بقرآنية غيره وإن ورد في روايات صحيحة السند ، ولا يعد هذا تحريفا لأنه بأمر الأئمة الذين نعتقد نحن الشيعة بأنهم يبلغون أمر رسول الله (ص) ، وهذا الأمر أشير إليه على نحو واضح في الجزء الأول من عبارة الشيخ المفيد .

وأما القسم الثاني من كلامه وهو قوله : " مع أنه لا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلتين ، أحدهما ما تضمنه المصحف ، والثاني ما جاء به الخبر كما يعترف

 

(1) البرهان في علوم القرآن ج1 ص 306 - 307 .
(2) شرح النووي على صحيح مسلم ج6 ص109 ، قال : " قال القاضي المازري : يجب أن يعتقد في هذا الخبر وما في معناه أن ذلك كان قرآنا ثم نسخ ولم يعلم من خالف النسخ ، فبقي على النسخ " .

 
 

- ج 2 ص 385 -

مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى " فيشير إلى الأمر الثاني أي قبول الكثير من علماء السنة بحديث نزول القرآن على سبعة أحرف وأنها تعني القراءات التي منعها عثمان بتعميم المصحف العثماني ومنع غيره من المصاحف .

قال ابن تيمية : " لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن ( الأحرف السبعة ) التي ذكر النبي (ص) أن القرآن أنزل عليها ليست هي قراءات القراء السبعة المشهورة ... ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده ، بل قد يكون متفقا أو متقاربا ... وقد يكون معنى أحدهما ليس هو معنى الآخر لكن كلا المعنيين حق ... ومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقا من وجه متباينا من وجه كقوله ( يخدعون ) و ( يخادعون ) ونحو ذلك فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها ...

وأما الذي ذكره القاضي عياض ومن نقل كلامه من الانكار على ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المائة الرابعة ، وجرت له قصة مشهورة ، فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه .

ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة ... وأما القراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثماني مثل قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء (رض) ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ) كما قد ثبت ذلك في الصحيحين ، ومثل قراءة عبدالله ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) ، وكقراءته ( إن كانت إلا زقية واحدة ) ونحو ذلك ، فهذه إذا ثبتت عن بعض الصحابة ، فهل يجوز أن يقرأ بها في الصلاة ؟
على قولين للعلماء ، هما روايتان مشهورتان عن الامام أحمد ، وروايتان عن مالك ، إحدهما : يجوز ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرؤون بهذه الحروف في

- ج 2 ص 386 -

الصلاة ، والثانية : لا يجوز ذلك ، وهو قول أكثر العلماء ... وهذا النزاع لا بد أن يبنى على الأصل الذي سأل عنه السائل ، وهو أن القراءات السبعة هل هي حرف من الحروف السبعة أم لا ؟ فالذي عليه جمهور العلماء من السلف والأئمة أنه حرف من الحروف السبعة ، بل يقولون : إن مصحف عثمان هو أحد الحروف السبعة " (1) .

وقال ابن الجزري : " وقال الإمام أبو محمد مكي في مصنفه الذي ألحقه بكتاب ( الكشف ) له : فإن سأل سائل فقال فما الذي يقبل من القرآن الآن فيقرأ به وما الذي لا يقبل ولا يقرأ به وما الذي يقبل ولا يقرأ به ؟ فالجواب أن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام :
قسم يقرأ به اليوم وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال وهن أن ينقل عن الثقات عن النبي (ص) ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغا ويكون موافقا لخط المصحف ...
والقسم الثاني ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف ، فهذا يقبل ولا يقرأ به لعلتين ، إحداهما أنه لم يؤخذ بإجماع إنما أخذ بأخبار الآحاد ولا يثبت قرآن به بخبر الواحد ، والعلة الثانية أنه مخالف لما قد أجمع عليه فلا يقطع على مغيبه وصحته وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به ولا يكفر من جحده ولبئس ما صنع إذا جحده .
والقسم الثالث هو ما نقله غير الثقة ...
قلت : ومثال القسم الأول ( مالك ) و ( ملك ) ... ومثال القسم الثاني قراءة عبدالله بن مسعود وأبي الدرداء ( والذكر والأنثى ) في ( وما خلق الذكر والأنثى )

 

(1) مجموعة الفتاوى ج13 ص 210 – 213 .

 
 

- ج 2 ص 387 -

وقراءة ابن عباس ( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ) ، ( وأما الغلام فكان كافرا ) ونحو ذلك مما ثبت برواية الثقات .

واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة فأجازها بعضهم لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرأون بهذه الحروف في الصلاة ... وأكثر العلماء على عدم الجواز ، لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي (ص) ...

وهذا يبتني على أصل وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة فهل يجب القطع بكونه ليس منها ؟ فالذي عليه الجمهور أنه لا يجب القطع بذلك ، إذ ليس ذلك مما وجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا ، وهذا هو الصحيح عندنا وإليه أشار مكي بقوله ( ولبئس ما صنع إذا جحده ) " (1) .

فهنا عدة أحكام صرح بها فيما يتعلق بالقراءات المخالفة للرسم العثماني ، فهي تقبل بل بئس الفعل رده ولكن لا تعد قرآنا ، واختلف العلماء في جواز القراءة بالشاذ في الصلاة ، وأخيرا لا يجب الجزم بعدم قرءانيته .

ولم يقتصر تبنى قراءات شاذة مخالفة للرسم العثماني على الصحابة قبل توحيد المصاحف زمن عثمان حتى يقال أن الاعتقاد مغتفر في الجيل الأول ولكنه غير مقبول بعد زمن توحيد المصاحف واتفاق المسلمين على المصحف العثماني .

بل وجود من يقرأ بخلاف المرسوم في المصحف العثماني يمتد إلى ما بعد كتابة المصحف العثماني وإرساله للأمصار وإلى المائة الرابعة ، ولذا يجب علينا الوقوف عند هذا الأمر وسرد الأرقام التاريخية التي تدل على تبني بعض كبار علماء السنة لقراءات تخالف الرسم العثماني بحيث إما تعبر عن نقص كلمة أو أكثر في الآية أو زيادتها كذلك ، كل ذلك في الأجيال التي تأخرت عن زمن توحيد المصاحف أي عن عام 25 من الهجرة المباركة كما هو الصحيح في عام توحيد المصاحف .

 

(1) النشر في القراءات العشر ج1 ص 18- 19 .

 
 

- ج 2 ص 388 -

- استمرار الصحابة على القراءة بما يخالف للرسم العثماني .
وأوضح الأدلة على ذلك المعروف من موقف عبدالله بن مسعود من محاولات أخذ المصحف منه وامتناعه عن الالتزام بالمصحف العثماني ، روى مسلم عن شقيق عنه أنه قال : " ( وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (1) ، ثم قال : على قراءة من تأمروني أن أقرأ ؟ فلقد قرأت على رسول الله (ص) بضعا وسبعين سورة ، ولقد علم أصحاب رسول الله (ص) أني أعلمهم بكتاب الله ولو أعلم أن أحدا أعلم مني لرحلت إليه .

قال شقيق : فجلست في حلق أصحاب محمد (ص) فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه ولا يعيبه " (2) .
والخبر في سنن الترمذي عن الزهري : فأخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أن عبدالله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصحاف ، وقال : " يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ كتابة المصحف ، ويتولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت .
ولذلك قال عبدالله بن مسعود : يا أهل العراق ، اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها ، فإن الله يقول ( وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) فاتقوا الله في المصاحف .
قال الزهري : فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب النبي (ص) " .
قال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح " (3) .

 

(1) آل عمران / 161 .
(2) صحيح مسلم ج4 ص1912 ، وصحيح البخاري ج6 ص 229 - 230 .
(3) سنن الترمذي ج5 ص 285 .

 
 

- ج 2 ص 389 -

قال النووي : " معناه أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور ، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه ، فأنكر عليه الناس ، وأمروه بترك مصحفه وبموافقة مصحف الجمهور ، وطلبوا مصحفه أن يحرقوه كما فعلوا بغيره فامتنع ... ، ثم قال على سبيل الانكار : ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول الله (ص) ؟! " (1) .

وقال ابن حجر : " وكأن مراد ابن مسعود بغل المصاحف كتمها وإخفاؤها لئلا تخرج فتعدم ، وكان ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان ومن وافقه في الاقتصار على قراءة واحدة وإلغاء ما عدا ذلك ... فلما فاته ذلك ورأى أن الاقتصار على قراءة زيد ترجيح بغير مرجح عنده اختار استمرار القراءة على ما كانت عليه " (2) .

- التابعون يقرأون خلاف الرسم العثماني
وإليك بعض الأسماء اللامعة من التابعين الذين ثبت أنهم قرؤا بما يخالف المصحف العثماني :
فقد ذكر بعضهم أبو عبيد الهروي قال : " عن ابن عباس انه كان يقرأ ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ) ... عن عكرمة أنه كان يقرؤها كذلك ( في مواسم الحج ) " (3) .
وقال أبوعبيد : " عن علقمة أنه قرأها ( فخاطبها من تحتها ) " (4) .
وقال : " عن ابن جريج قال : سمعت مجاهدا يقرؤها ( فطلقوهن لقبل عدتهن ) " (5) .

 

(1) شرح النووي على صحيح مسلم ج16 ص 16 .
(2) فتح الباري ج9 ص 49 .
(3) فضائل القرآن ص 291 .

(4) المصدر السابق ص 304 .
(5) المصدر السابق ص 315 .
 
 

- ج 2 ص 390 -

وقال : " عن خالد بن أبي عثمان الأموي قال : سمعت سعيد بن جبير يقرأ ( كالصوف المنفوش ) " (1) .
وذكر بعضا منها ابن أبي داود السجستاني قال : " عن عمرو بن دينار قال : سمعت عبيد بن عمير يقول : أول ما نزل من القرآن ( سبح اسم ربك الذي خلقك ) " (2) .
وقال : " سعيد بن جبير في قوله ( أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) " (3) .
وقال : " سمعت سعيد بن جبير يقرؤها ( فإذا هي تلقم ما يأفكون ) " (4)
وقال : " عن إبراهيم قال : كان علقمة والأسود يقرآنها ( صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ) " (5) .
وذكرها أيضا ابن جنّي قال : " ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي ) " (6)
وقال : " ومن ذلك قرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف : ( يسألونك الأنفال ) " (7) .

 

(1) فضائل القرآن ص 318 .
(2) المصاحف ج1 ص380 ، والقراءة المتواترة ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ) ، سورة الأعلى .
(3) المصدر السابق ج1 ص 383 ، والآية في المائدة / 5 بدون ( من قبلكم ) .
(4) المصدر السابق ج1 ص 383 ، وفي الرسم العثماني ( فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) .
(5) المصدر السابق ج1 ص 384 .
(6) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات ج1 ص 207 .
(7) المصدر السابق ج1 ص 386 .

 
 

- ج 2 ص 391 -

قال : " ومن ذلك قراءة طلحة ( وما يستغفر إبراهيم لأبيه ) ، ورويت عنه أيضا ( وما استغفر إبراهيم لأبيه ) " (1) .
قال : " ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ( من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ) " (2) .
قال : " ومن ذلك قراءة ابن عباس والضحاك وأبي عبدالله وعلي بن الحسين ( تبينت الإنس ) " (3) .
قال : " ومن ذلك قراءة ابن مسعود وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وأبي جعفر محمد بن علي وأبي عبدالله جعفر بن محمد بن وعلي بن حسين ( والشمس تجري لا مستقر لها ) " (4) .
قال :" ومن ذلك ما روي عن أبي بكر (رض) عند خروج نفسه ( وجاءت سكرة الحق بالموت ) ، وقرأ بها سعيد بن جبير وطلحة " (5) .
وقال : " قرأ عبدالله وإبراهيم ( وزوجناهم بعيس عين ) (6) .
وقال : " ومن ذلك قراءة طلحة ( ليس لها مما يدعون من دون الله كاشفة وهي على الظالمين ساءت الغاشية ) " (7) .
قال : " ومن ذلك قرأ الأعمش ( ولا تجعل في قلوبنا غمراً ) " (8) .

 

(1) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات ج1 ص424 ، والآية في القرآن ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ) التوبة / 114.
(2) المصدر السابق ج2 ص 151 ، والآية في القرآن بدون ( لهن ) .
(3) المصدر السابق ج2 ص 232 ، والحديث عنه قوله تعالى ( فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ ) سبأ / 14.
(4) المصدر السابق ج2 ص 257 .
(5) المصدر السابق ج2 ص 332 ، والآية ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) ق / 19 .
(6) المصدر السابق ج2 ص 340 .
(7) المصدر السابق ج2 ص 345 ، والآية المقصودة النجم / 58 .
(8) المصدر السابق ج2 ص 370 ، وغمرا وضعت بدل غلا في الآية الحشر / 10.

 
 

- ج 2 ص 392 -

قال : " ومن ذلك قراءة علي (ع) وعمر صلوات الله عليه وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وابن عمر وابن الزبير (رض) وأبي العالية والسلمي ومسروق وطاوس وسالم بن عبدالله وطلحة بخلاف ( فامضوا إلى ذكر الله ) " (1) .
قال : " ومن ذلك قراءة ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وعبدالله بن يزيد وقتادة ( وأنزلنا بالمعصرات ) " (2) .
وقال أيضا : " ومن ذلك ما رواه الأعمش عن مجاهد ( والأرض مع ذلك دحاها ) " (3) ، هذا بعض ما نقل عن التابعين من قراءات مخالفة للرسم العثماني .

- ما بعد زمن التابعين
ولا نريد هنا الإطالة في الاستقصاء فنقفز إلى القرن الرابع الهجري مكتفين بمثال واحد ، قال الذهبي : " ابن شنبوذ شيخ المقرئين ... لكنه كان له رأي في القراءة بالشواذ التي تخالف رسم الامام فنقموا عليه لذلك وبالغوا وعزّروه ، والمسألة مختلف فيها في الجملة ...قال أبوشامة : كان الرفق بابن شنبوذ أولى ... أخطاؤه في واقعة لا تسقط حقه من حرمة أهل القرآن والعلم " (4) ، توفي ابن شنبوذ في سنة 328 من الهجرة المباركة .

قال الذهبي : " وجرت معه مناظرات في حروف حكي عنه أنه يقرأ بها ، وهي شواذ ، فاعترف بها ، عمل به محضر بحضرة أبي علي بن مقلة وأبي بكر بن مجاهد ومحمد بن موسى الهاشمي وأبي أيوب محمد بن أحمد وهما يومئذ شاهدان مقبولان ،

 

(1) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات ج2 ص 375 .
(2) المصدر السابق ج2 ص 410 ، وفي القرآن ( مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) 14 / عم .
(3) المصدر السابق ج2 ص 414 ، وفي القرآن ( بَعْدَ ذَلِكَ ) 30 / النازعات .
(4) سير أعلام النبلاء ج15 ص265 -266 .

 
 

- ج 2 ص 393 -

نسخه المحضر سئل محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ عما حكي عنه أنه يقرؤه ، وهو ( فامضوا إلى ذكر الله ) فاعترف به ، وعن ( وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ) ، وعن ( كل سفينة صالحة غصبا ) فاعترف به ، وعن ( كالصوف المنقوش ) فاعترف به ، وعن ( فاليوم ننجيك ببدنك ) فاعترف به ، وعن ( تبت يدا أبي لهب وتب ) فاعترف به ، وعن ( فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين ) فاعترف به ، وعن ( والذكر والأنثى ) فاعترف به ، وعن ( فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما ) ، وعن ( وينهون عن المنكر ويستغيثون الله على ما أصابهم وأولئك هم المفلحون ) ، وعن ( وفساد عريض ) فاعترف بذلك .
وفيه اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي وكتب ابن مجاهد " (1).

الخلاصة التي نريدها مما سبق
أولا : لماذا يقبل نسخ التلاوة الذي يقول به علماء السنة مع منافاته لقوله تعالى ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ، ولا يقبل قول بعض علماء الشيعة الذي قالوا بإنّا نؤمن بصحة بعض الروايات التي ذكرت آيات ساقطة والتي تدل على أن هناك قرآنا لم يكتب في المصحف العثماني ، ولكن لا نعتبرها قرآنا بالألفاظ المذكورة في الخبر لأنه لا يثبت إلا بالتواتر ، ولا نتبعها لأن الأئمة (ع) أمرونا بأن نقرأ بما بين الدفتين فقط ، لماذا أصحاب القول بنسخ التلاوة سادة الإسلام وعلماءه وأما أصحاب القول الثاني كفار خرجوا عن الدين ، أنبئونا بالفرق بينهما ! لماذا الأول دين وحديث والثاني مروق وقول بالتحريف ؟!!

 

(1) معرفة القراء الكبار ج1 ص 278 .

 
 

- ج 2 ص 394 -

ثانيا : لماذ تقبل القراءات المخالفة للرسم العثماني وتحمل عند علماء السنة على أنها قراءات شاذة لا بأس بها ، بل هناك من يجيز قراءتها في الصلاة ، وأما الاعتقاد الاجمالي عند بعض علماء الشيعة بوجود بعض من تلك القراءات من دون أن يحددوها ويقبولها بعينها هو كيد للدين وكفر .

نعم الفارق أن من آمن بالقراءات الشاذة المخالفة للرسم العثماني – سواء كانت تعبر عن نقص آية أو كلمة كما في الأمثلة التي مرت - غالبا تنطلق عقيدتهم من تخطأة صاحب القراءة الأخرى لا تعمده خلافا لما ذهب إليه بعض علماء الشيعة ، إذ يرون أن مقدارا من النقص الموجود في الرسم العثماني نبع من عمد من بعض الجهات المتنفذة .

ولكن هناك ميزة لمقولة البعض من علماء الشيعة على من تبنى خلاف الرسم العثماني من علماء السنة ، وهي أنهم مع وجود روايات تذكر الآية بصيغة مخالفة للرسم العثماني ، لم يعتقدوا بقرآنيتها لوردها عن طريق آحاد ، بل بقوا لا يرون إلا قرآنية ما بيد الدفتين وإن اعتقدوا على نحو الإجمال بوجود نقص ما لا يضر بجواز الاعتماد على القرآن الفعلي والقراءة به بملاحظة أن الأئمة (ع) أمرونا بالقراءة بما بين الدفتين من القرآن والاعتقاد به دون غيره .

وأما أولئك الذي آمنوا بالقراءات المخالفة للرسم العثماني فقد كانوا يكتبونه في مصاحفهم ، ويقرأه بعضهم في صلاته كما نقلنا ، ولم يصدر شيء من هذا عن القائلين بالنقص من علماء الشيعة .

والمهم أن المعتقد بنقص الرسم العثماني عن القرآن النازل على خاتم الرسل (ص) مخطئ سواء آمن بأن سببه هو العمد كما هو ظاهر عبارة المفيد ( منها ما تعمد

- ج 2 ص 395 -

إخراجه منها ) في ( المسائل السروية ) (1) أو سببه جهل الكتاب ، ولا تشكل نقطة الفارق هذه موجبا للحكم بكفره دون كفر من آمن بأنه نبع من جهل بالتلاوة الصحيحة .

سئل ابن تيمية عن الإمام مالك أنه قال : من كتب مصحفا على غير رسم المصحف العثماني فقد أثم أو قال : كفر فهل هذا صحيح ؟
فأجاب : أما هذا النقل عن مالك في تكفير من فعل ذلك ، فهو كذب على مالك سواء أريد به رسم الخط أو رسم اللفظ ، فإن مالكا كان يقول عن أهل الشورى : إن لكل منه مصحفا يخالف رسم مصحف عثمان ، وهم أجل من أن يقال فيهم مثل هذا الكلام ، وهم علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد وعبدالرحمن بن عوف مع عثمان .
وأيضا فلو قرأ رجل بحرف من حروفهم التي تخرج عن مصحف عثماني ففيه روايتان عن مالك وأحمد ، وأكثر العلماء يحتجون بما ثبت من ذلك عنهم ، فكيف يكفر فاعل ذلك ؟ " (2) .

وما روي في بعض مصادر الشيعة لا يتعدى هذه القراءات الشاذة لذا قال الشيخ القمي في مقدمة تفسيره : " وأما ما هو على خلاف ما أنزل الله فهو قوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ... ) فقال أبو عبدالله (ع) لقارئ هذه الآية : ( خير أمة ) يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين بن علي (ع) ، فقيل له : وكيف نزلت يا ابن رسول الله ؟! فقال : إنما نزلت ( كنتم خير أئمة أخرجت للناس ) ...

 

(1) ولكنه ذهب في ( أوائل المقالات ) إلى الرأي الصحيح كما نقلناه عنه .

(2) مجموعة الفتاوى ج13 ص 228 .  
 

- ج 2 ص 396 -

وأما ما هو محرف منه فهو قوله ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ) ... " (1) .
لكن لم يذهب إلى شيء زائد عما ذهب إليه المخالفون للرسم العثماني من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء القراءات في القرون المتأخرة .
لكن مع هذا ينبغي الالتفات إلى أن هناك تشكيكا في صحة نسبة التفسير المنسوب إلى القمي .

قال الشيخ السبحاني : " التفسير ملفق من تفسير علي بن إبراهيم وتفسير أبي الجارود ولكل من التفسيرين سند خاص يعرفه كل من راجع هذا التفسير ، ثم إنه بعد هذا ينقل عن علي بن إبراهيم كما ينقل عن مشايخه الآخر إلى آخر التفسير .

وبعد هذا التلفيق ، كيف يمكن الاعتماد على ما ذكر في ديباجة الكتاب لو ثبت كون الديباجة لعلي بن إبراهيم نفسه ؟ ...
ثم أن الاعتماد على هذا التفسير بعد هذا الاختلاط مشكل جدا خصوصا مع مافيه من الشذوذ في المتون ، وقد ذهب بعض أهل التحقيق إلى أن النسخة المطبوعة تختلف عما نقل عن ذلك التفسير في بعض الكتب وعند ذلك لا يبقى اعتماد على هذا التوثيق الضمني أيضا فلا يبقى اعتماد لا على السند ولا على المتن " (2) .

 

(1) تفسير القمي ج1 ص 10 .

(2) كليات علم الرجال ص316 -317 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب