|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 423 |
|
74- عمر
والاختتان
قيل : وعمر الذي نزل فيه قوله تعالى
( عَلِمَ اللّهُ
أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ ) لأنه لم يصبر على الجماع وقت الصيام .
فرد قائلا : المشهور أن عمر جاء أهله في ليلة من ليالي
رمضان ، وليس في وقت الصيام كما يدعي هذا الأفاك ،
والقصة في صحيح البخاري وليس فيها ذكر لعمر وإنما نزلت
في قيس بن صرمة .
وأما نزول الآية في عمر فقد رواه الحاكم عن معاذ بن
جبل قال :
" ... كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم
يناموا ، فإذا ناموا امتنعوا ثم إن رجلا من الأنصار
يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله
فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح ...
وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية أو حرة بعدما نام
فأتى النبي (ص) فذكر ذلك له ، فأنزل الله
( أُحِلَّ
لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآئِكُمْ ) إلى قوله
( ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ
إِلَى الَّليْلِ ) ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي : صحيح (1) .
فلينظر القارئ الكريم من الأفاك ؟ وما الفرق أن يكون
الجماع في الليل أو النهار إذا كان الحكم الذي أوجبه
الله عليهم هو عدم إتيان النساء حتى ليلا في ليالي شهر
رمضان إذا ناموا ؟! نعم نسخ الحكم بعد ذلك بالآية .
| |
(1) المستدرك على الصحيحين ج2ص 301 . |
|
|
ثم ما ذكره البخاري من قصة قيس بن صرمة يتعلق بمن
امتنع عن الأكل حتى نام فلم يجز لم الأكل بعد ذلك ،
فروى عن أبي إسحاق عن البراء قال : كان أصحاب محمد (ص)
إذا كان الرجل صائما فحضر الافطار فنام قبل أن يفطر لم
يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي " ، ثم يذكر نوم قيس قبل
الأكل إلى أن يقول : " فلما انتصف النهار غشي عليه
فذكر ذلك للنبي (ص) فنزلت هذه الآية الله
( أُحِلَّ
لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ... ) " (1) .
فإذا كان هذا تمام القصة فماذا يعني
( تَخْتانُونَ
أَنفُسَكُمْ ) وقيس المسكين لم يختان في شيء قال ابن الجوزي : " قوله تعالى
( عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ
كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ) قال ابن قتيبة :
يريد تخونونها بإرتكاب ما حرم عليكم ، قال ابن عباس :
وعنى بذلك فعل عمر فإنه أتى أهله " (2) .
بل صريح رواية الحاكم التي نقلناها أن لنزول الآية
سببان ، الأول سبب حلية الأكل ولم يكن فيه خيانة من
الأنصاري ، والثاني سبب حلية الجماع وكان سببه خيانة
عمر .
وكذلك صرح ابن الجوزي بوجود حادثتين قال : " قوله
تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ
) سبب نزل هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا نام الرجل
قبل الأكل والجماع حرما عليه إلى أن يفطر ، فجاء شيخ
من الأنصار ... فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول
الله ، إني أردت أهلي الليلة ، فقالت : إنها نامت ،
فظننتها تعتل فواقعتها فأخبرتني انها قد نامت ، فأنزل
الله تعالى في عمر بن الخطاب ( أُحِلَّ لَكُمْ
لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ )
وأنزل الله تعالى في الأنصاري ( وَكُلُواْ
وَاشْرَبُواْ
| |
(1) صحيح البخاري ج3 ص36 . |
(2) زاد المسير ج1 ص 166
|
|
|
حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ
الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) هذا قول جماعة
من المفسرين " (1) .
ولكن يبدوا أن صاحبنا لم يتكلف قراءة كلمات المفسرين ،
بل لم يتأمل مفردات الآية وإلا فأين الخيانة التي
تتحدث عنها الآية إذا كان فعل قيس سبب لنزولها ، فقيس
بن صرمة لم يخن بل التزم بالحكم حتى غشي عليه في
النهار .
ولكن يبقى أحد أسباب ذلك التصنم على روايات البخاري
وما قام به في صحيحه فمن الواضح أنه لم ينقل الخبر
تاما وتمامه هو ما ذكره الحاكم سابقا وما ذكره ابن حجر
في الفتح قال : " زاد في رواية زكريا عند أبي الشيخ
وأتى عمر امرأته وقد نامت فذكر ذلك للنبي (ص) ... وبه
جزم السهيلي وقال : إن الآية بتمامها نزلت في الأمرين
معا وقدم ما يتعلق بعمر لفضله " (2) .
وروى البخاري في كتاب التفسير باب
( أُحِلَّ لَكُمْ
لَيْلَةَ الصِّيَامِ … ) عن البراء (رض) " لما نزل صوم
رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال
يخونون أنفسهم ، فأنزل الله ( عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ
كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ
وَعَفَا عَنكُمْ... ) " (3) .
قال ابن حجر : " قوله : وكان رجال يخونون أنفسهم ، سمي
من هؤلاء عمر وكعب بن مالك رضي الله عنهما فروى أحمد
وأبو داود والحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
معاذ بن جبل قال : أحل الصيام ثلاثة أحوال ، فإن رسول
الله (ص) قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ،
... إلى أن قال : وكانوا يأكلون ويشربون
| |
(1) زاد المسير ج1 ص 165 . |
(2) فتح الباري ج4 ص 131 . |
(3) صحيح البخاري ج6 ص 31 . |
|
|
ويأتون
النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا ثم أن رجلا من
الأنصار صلى العشاء ثم نام فأصبح مجهودا ، وكان عمر
أصاب من النساء بعد ما نام فأنزل الله عز
( أُحِلَّ
لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآئِكُمْ ) إلى قوله
( ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ
إِلَى الَّليْلِ ) وهذا الحديث مشهور عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى ... وله شواهد منها ما أخرجه ابن مردويه من
طريق كريب عن ابن عباس قال بلغنا ومن طريق عطاء عن أبي
هريرة نحوه وأخرج بن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد
الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال كان الناس في رمضان
إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب
والنساء حتى يفطر من الغد ، فرجع عمر من عند النبي (ص)
وقد سمر عنده ، فأراد امرأته ، فقالت : إني قد نمت ،
قال : ما نمت ووقع عليها ، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك
فنزلت وروى ابن جرير من طريق ابن عباس نحوه ومن طريق
أصحاب مجاهد وعطاء وعكرمة وغير واحد من غيرهم كالسدى
وقتادة وثابت نحو هذا الحديث ، لكن لم يزد واحد منهم
في القصة على تسمية عمر إلا في حديث كعب بن مالك والله
أعلم " (1) .
وبين ابن كثير سبب نزول الآية وأنها نزلت في عمر قائلا
:
" وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ
الطويل ... ... وقال علي بن أبي طلحة : عن ابن عباس
قال : كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم
عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة ثم إن
أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر
رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى
رسول الله (ص) فأنزل الله تعالى
( عَلِمَ اللّهُ
أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ )
الآية ، وكذا روى العوفي عن ابن عباس وقال
| |
(1) فتح الباري ج 8 ص 182 . |
|
|
موسى بن عقبة
عن كريب عن ابن عباس قال : إن الناس كانوا قبل أن ينزل
في الصوم ما نزل فيهم يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن
النساء فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله
حتى يفطر من القابلة فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما
نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله ثم جاء إلى النبي
(ص)
فقال : أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت ، قال : وما
صنعت ، قال : إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما
نمت وأنا أريد الصوم ، فزعموا أن النبي (ص) قال : ما كنت
خليقا أن تفعل فنزل الكتاب ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ ) ... ...
وهكذا روى عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب
نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع وفي
صرمة بن قيس فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع
الليل رحمة ورخصة ورفقا " (1) .
فبعد كل هذا يتجرأ ويقول : " والقصة في صحيح البخاري ،
وليس فيها ذكر لعمر وإنما نزلت في قيس بن صرمة " ، بل
يتجرأ ويصم من خالفه وقرأ الأخبار والروايات والتفاسير
وعرف الحقيقة أفاكا .
| |
(1) تفسير ابن كثير ج1 ص 226 - 227 . |
|
|
|