|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 439 |
|
78- مالك
والمنصور العباسي
قيل :
" وإذا راجعنا التاريخ فإننا نجد مالكا صاحب
المذهب قد تقرب إلى السلطة والحكام وسالمهم ومشى في
ركابهم " .
قال :
كذبت لعمرو الله فهلا ذكرت لنا مصدر فريتك ؟
وهذا الأفاك إن كان مالكيا كما يدعي بل من علمائهم
فإنه قد اشتهر عند أهل السير وعند المالكيين خاصة ما
وقع للإمام مالك مع أبي جعفر المنصور وأنه أمر أن يضرب
بالسياط حتى انخلعت يده من كتفه ".
أقول : هذه من الموارد التي تظهر جليا إن هذا الكاتب
لم يقرأ الكتاب الذي قصد الرد عليه ، فقد ذكر القائل
الشيعي دليله ذلك بعد صفحات قليلة نقلا عن كتاب (
السياسة والإمامة ) لابن قتيبة ، قال ابن قتيبة وهو
ينقل كلام مالك : " ثم قال لي : يا أبا عبدالله ضع هذا
العلم ودونه ودون منه كتبا ، وتجنب شدائد عبدالله بن
عمر ورخص عبدالله بن عباس وشواذ عبدالله بن مسعود ،
واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة
والصحابة (رض) لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك
ونبثها في الأمصار ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا
يقضوا بسواها .
فقلت له : أصلح الله الأمير إن أهل العراق لا يرضون
علمنا ولا يرون في عملهم رأينا .
فقال أبو جعفر : يحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم
بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط ، فتعجل بذلك وضعها
فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء الله
إلى المدينة ليسمعها منك فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء
الله " (1) .
فأقسم عليك أيها القارئ ألا يكشف قول الكاتب : " كذبت
لعمرو الله فهلا ذكرت لنا مصدر فريتك ؟ " أنه لم يقرأ
شيئا مما سبق ، فلو كان قرأ لقال : مصدرك وهو كتاب ابن قتيبة ضعيف ، ولما قال : فهلا ذكرت لنا مصدر فريتك ؟
والمهم أنه قد ذكر ما سبق في مصادر عديدة فقد ذكر
الذهبي بعض الحوار الذي دار بين المنصور ومالك قال : "
إسماعيل القاضي حدثنا أبو مصعب سمعت مالكا يقول : دخلت
على أبي جعفر أمير المؤمنين وهو على فراشه وإذا صبي
يخرج ثم يرجع ، فقال لي : أتدري من هذا ؟ فقلت : لا ،
قال : ابني وإنما يفزع من هيبتك ، ثم سألني عن أشياء
منها حلال ومنها حرام ، ثم قال لي : أنت والله أعقل
الناس وأعلم الناس ، قلت : لا والله يا أمير المؤمنين
، قال : بلى ولكنك تكتم ، لئن بقيت لأكتبن قولك كما
يكتب المصاحف ولأبعثن به إلى الآفاق فأحملهم عليه "
(2) .
ومما يؤكد ما سبق وإن الدولة روجت للمذهب المالكي ما
نقله الخطيب البغدادي عن بكر بن عبد الله بن الشرود الصنعاني يقول : أتينا مالك بن أنس ، فجعل يحدثنا عن
ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن ، فكنا نستزيده حديث
ربيعة ، فقال لنا ذات يوم : ما تصنعون بربيعة هو نائم
في ذاك الطاق ، فأتينا ربيعة فانبهناه ، فقلنا له :
أنت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، قال : بلى ، قلنا ربيعة
بن فروخ ، قال : بلى ، قلنا : ربيعة الرأي ، قال : بلى
، قلنا : هذا الذي يحدث عنك مالك بن أنس ، قال : بلى ،
| |
(1) الإمامة والسياسة ج2 ص 202 . |
(2) تذكرة الحفاظ ج1 ص 209 .
|
|
|
قلنا له :
كيف حظى بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك ؟! قال : أما علمتم
أن مثقالا من دولة خير من حمل علم " (1) .
فهل تريد أكثر من ذلك صراحة على موقف مالك بن أنس من
السلطة ؟
بل أن علاقة مالك الواضحة بالسلطان وكثرة دخوله عليهم
يتضح مما نقله الذهبي قال : قال أبو حاتم الرازي حدثنا
عبد المتعال بن صالح صاحب مالك قال : قيل لمالك : إنك
تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون ، فقال : يرحمك
الله فأين التكلم بالحق " (2) .
وقال الذهبي : عن ابن وهب أن مناديا نادي بالمدينة :
ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب "
(3) .
وقال ابن خلكان وهو يذكر مالك : " وأخذ العلم عن ربيعة
الرأي ثم أفتى معه عند السلطان " (4) .
وأما ما ذكره الكاتب من إنه اشتهر عند أهل السير وعند
المالكيين خاصة ما وقع للإمام مالك مع أبي جعفر
المنصور وأنه أمر أن يضرب بالسياط حتى انخلعت يده من
كتفه ، فالقصة أيضا أشار إليها القائل وعلق عليها
بقوله : " ولا يفوتنا أن نذكر بأن مالكا أفتى بحرمة
بيعة الإكراه فضربه جعفر بن سليمان والي المدينة سبعين
سوطا ، وهذا يحتج به المالكية دائما على معاداة ملك
للسلطة وهو غير صحيح إذ أن الذين رووا هذه القصة هم
أنفسهم رووا ما بعدها فإليك البيان والتفصيل .
| |
(1) تاريخ بغداد ج 8 ص 424 .
(2) تاريخ الإسلام ، ج ( حوادث 171-180 ) ص 329 . |
(3) المصدر السابق ص 331 .
(4) وفيات الأعيان ج4 ص135 . |
|
|
قال ابن قتيبة : وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر المنصور
ضرب مالك بن أنس وما أنزل به جعفر بن سليمان ، أعظم
ذلك إعظاما شديدا وأنكره ولم يرضه ، وكتب بعزل جعفر بن
سليمان عن المدينة وأمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب
" .
فإذن القائل يعلم بذلك وذكره وذكر الدليل على أنه لم
يكن بأمر المنصور إنما هو فعل واليه على المدينة جعفر
، فهلا رددت على ذلك ، لكن أنى له ذلك وهو لم يقرأ ذلك
أو قرأ ولكن مرض القلب أملى عليه ما كتب .
وما رواه ابن سعد يدل على إن ما حدث هو من فعل الوالي
جعفر بن سليمان قال : " لما دعي مالك بن أنس وشوور
وسمع منه وقبل قوله ، شنف الناس له وحسدوه وبغوه بكل
شيء ، فلما ولي جعفر بن سليمان بن على المدينة ، سعوا
به إليه وكثروا عليه عنده ، وقالوا : لا يرى أيمان
بيعتكم هذه بشيء ، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت الأحنف
في طلاق المكره أنه لا يجوز ، فغضب جعفر بن سليمان
فدعا بمالك فاحتج عليه بما رقي إليه عنه ثم جرده ومده
وضربه بالسياط ومدت يده حتى انخلع كتفاه وارتكب منه
أمر عظيم " (1) .
وقال الذهبي : " وقال أبو الوليد الباجي روي أن
المنصور حج وأقاد مالكا من جعفر بن سليمان الذي كان
ضربه فأبى مالك وقال معاذ الله " (2) .
فالخبر صريح بأن المنصور لم يكن هو الفاعل بل أقاد
مالكا من جعفر .
وروى أيضا عن الفضل بن زياد قال : " سألت أحمد من الذي
ضرب مالك ؟ قال : ضربه بعض الولاة في طلاق المكره ،
كان لا يجيزه فضربه لذلك ، قال أبو داود : ضرب جعفر بن
سليمان العباسي مالكا في طلاق المكره " (3) .
| |
(1) الطبقات الكبرى ج4 ص 190 .
(2) سير أعلام النبلاء ج 8 ص113 . |
(3) تاريخ الإسلام ، ج ( حوادث 171-180 ) ص 330 . |
|
|
|