النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 443

79- أبو حنيفة النعمان

قيل : " فصار أبو حنيفة أعظم العلماء ومذهبه أعظم المذاهب الفقهية المتبعة رغم أن علماء عصره كفروه واعتبروه زنديقا ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل ... " .
قال : وأين كفره أحمد واتهمه بالزندقة ؟

نقول : هناك العديد من كبار العلماء الذين صرحوا بتكفيرهم لأبي حنيفة ، ولكن عبارات أحمد ليست بصراحة عباراتهم ، وهناك عدة أمور كفر أبو حنيفة بسببها :

منها : ما يتعلق بعقيدته في الإيمان ، روى الخطيب البغدادي عن الحارث بن عمير قال : سمعت رجلا يسأل أبا حنيفة في المسجد عن رجل قال : أشهد أن الكعبة حق ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا ؟ فقال : مؤمن حقا ... ، قال الحميدي : ومن قال هذا فقد كفر ...

الباغندي حدثنا أبي قال : كنت عند عبدالله بن الزبير ( الحميدي ) فأتاه كتاب أحمد بن حنبل : اكتب إلي بأشنع مسألة عن أبي حنيفة فكتب إليه حدثني الحارث بن عمير قال : سمعت أبا حنيفة يقول : لو أن رجلا قال : أعرف لله بيتا ، ولا أدري أهو الذي بمكة أو غيره أمؤمن هو ؟ قال : نعم ... " (1) .

 

(1) تاريخ بغداد ج13 ص 367 - 268 .

 
 

- ج 2 ص 444 -

وأيضا روى عن سفيان قوله - بعد أن نقل قول أبي حنيفة السابق : " وأنا أقول من شك في هذا فهو كافر " (1) .

وكذلك نقل أن أبا حنيفة قال : " لو أن رجلا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسا ، فقال سعيد : هذا الكفر صراحا " .
وروى عن شريك قوله : " كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى ... وزعم أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وزعم أن الصلاة ليست من دين الله " (2) .
وروى عن أبي مسهر قال : " كان أبو حنيفة رأس المرجئة " (3) .

والذي يدل على أن أحمد بن حنبل كان يكفر من يؤمن بتلك الإعتقادات ما رواه ابن خلال عن الحميدي : وأخبرت أن قوما يقولون : إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة ، فقلت : هذا الكفر بالله الصراح ، خلاف كتاب الله وسنة رسوله (ص) وفعل المسلمين ... قال حنبل : قال أبوعبدالله - أحمد بن حنبل : من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به " (4) .

وما يدل على أن الحميدي يتحدث عن أبي حنيفة رواية ابن حبان عن الجوّار قال : رأيت الحميدي يقرأ كتاب الرد على أبي حنيفة في المسجد الحرام ، فكان يقول : قال بعض الناس كذا ، فقلت : فكيف لا تسميه ؟ قال : أكره أن أذكره في المسجد الحرام " (5) .

 

(1) تاريخ بغداد ج13 ص 369 .
(2) تاريخ بغداد ج13 ص 396 .
(3) المصدر السابق ج13 ص 371 .

(4) السنة لابن خلال ، المجلد الأول ص 586 -587 .
(5) المجروحين ج3 ص 70
 
 

- ج 2 ص 445 -

ومنها : قوله بخلق القرآن ، فقد روى الخطيب البغدادي عن أبي يوسف قال : " أو من قال القرآن مخلوق أبو حنيفة " ، وقال عنه : " ما تصنعون به ؟ مات يوم مات يقول القرآن مخلوق " ، وقال يحيى بن عبد الحميد : " سمعت عشرة ثقات يقولون سمعنا أبا حنيفة يقول : القرآن مخلوق " (1) .

وروى عن أحمد بن يونس قال اجتمع ابن أبي ليلى وأبو حنيفة عند عيسى بن موسى العباس والي الكوفة ، قال : فتكلما عنده ، قال : فقال أبو حنيفة : القرآن مخلوق قال : فقال عيسى لابن أبي ليلى : اخرج فاستتبه ، فإن تاب وإلا فاضرب عنقه ... ... ابن أبي ليلى كان يتمثل بهذه الأبيات :

إلى شنآن المرجئين ورأيهــم     عمر بن ذر وابن قيس الماصر
وعتيبة الدباب لا نرضى به     وأبو حنيفة شيخ سوء كافـــر

... سفيان الثوري قال : قال لي حماد بن أبي سليمان : أبلغ عني أباحنيفة المشرك أني بريء منه حتى يرجع عن قوله في القرآن " (2) .

وروى عن سليمان : " إن الذي استتاب أباحنيفة خالد القسري قال : فلما رأى ذلك أخذ في الرأي ليعمي به ، وروي أن يوسف بن عمر استتابه ، وقيل : إنه لما تاب رجع وأظهر القول بخلق القرآن ، فاستتيب دفعة ثانية ... .
يحيى بن حمزة ... قال : حدثني شريك بن عبدالله – قاضي الكوفة : إن أباحنيفة استتيب من الزندقة مرتين ... ، قيل لشريك : مم استتبتم أبا حنيفة ؟ قال : من

 

(1) تاريخ بغداد ج13 ص 375 .

(2) المصدر السابق ج13 ص 376 -377 .  
 

- ج 2 ص 446 -

الكفر " (1) ، وروى عن عبدالله بن أحمد بن حنبل ، قال : قلت لأبي : كان أبو حنيفة استتيب ؟ قال : نعم " (2) .

وصريح ما نقل عن أحمد بن حنبل أنه كان يكفر من يقول بخلق القرآن فقد روى الذهبي عن إسحاق بن إبراهيم البغوي سمعت أحمد يقول : " من قال القرآن مخلوق فهو كافر ، وسمع سلمة بن شبيب أحمد يقول ذلك وهذا متواتر عنه .
وقال أبو إسماعيل الترمذي سمعت أحمد بن حنبل يقول : " من قال القرآن محدث فهو كافر " (3) .

ونقل ابن أبي يعلى عن أحمد بن حنبل قوله : " والقرآن كلام الله تكلم به ليس بمخلوق ، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهم جهمي كافر ، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق ، فهو أخبث من قول الأول ، ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي ، ومن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم " (4) .

ومنها : عمله بالرأي وتركه للحديث ، فقد روى الخطيب عن منصور بن أبي مزاحم قال : " سمعت مالكا يقول : إن أبا حنيفة كاد الدين ومن كاد الدين فليس له دين " (5) .

روى ابن حبان عن أبي إسحاق الطالقاني : " سمعت ابن المبارك يقول : من كان عنده كتاب الحيل يريد أن يعمل بما فيه فهو كافر وبانت منه امرأته وبطل حجه "

 

(1) تاريخ بغداد ج13 ص 378 -379 .
(2) المصدر السابق ج13 ص 382 .

(3) سير أعلام النبلاء ج11ص 288 .
(4) طبقات الحنابلة ج1ص 29 .
(5) تاريخ بغداد ج13 ص 401 .  
 

- ج 2 ص 447 -

وأضاف الخطيب البغدادي : " فقال مولى ابن المبارك : يا أبا عبدالرحمن ما أدري وضع كتاب الحيل إلا شيطان ، فقال ابن المبارك : الذي وضع كتاب الحيل أشر من الشيطان " (1) ، وكتاب الحيل كتاب لأبي حنيفة .
وقال النضر بن شميل عن كتاب الحيل : " في كتاب الحيل كذا وكذا مسألة كلها كفر " (2) .

وروى عن الأبيوردي قال : قدمت على ابن المبارك ، فقال له رجل : إن رجلين تماريا عندنا في مسألة ، فقال أحدهما ، قال أبو حنيفة ، وقال الآخر قال رسول الله (ص) ، فقال : كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء ، فقال ابن مبارك : أعد علي ، فأعاد عليه ، فقال : كفر ،كفر ، فقلت : بك كفروا ، وبك اتخذوا الكافر إماما ، قال : ولم ؟ قلت : بروايتك عن أبي حنيفة ، قال : استغفر الله من رواياتي عن أبي حنيفة " (3) .

وهنا نستعرض كلمات أخرى لأحمد في أبي حنيفة رواها الخطيب البغدادي ، فقد روى عن المروذي قال : " سألت أباعبدالله – وهو أحمدبن حنبل – عن أبي حنيفة وعمرو بن عبيد ، فقال : أبو حنيفة أشد على المسلمين من عمرو بن عبيد لأن له أصحابا " .

وعن مهني بن يحيى قال : " سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء " (4) .

وروى العقيلي عن أحمد بن الحسن الترمذي قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : أبو حنيفة يكذب " .

 

(1) المجروحين ج3 ص 70 -71 ، تاريخ بغداد ج13 ص 404 .
(2) تاريخ بغداد ج13 ص 404 .
(3) المصدر السابق ج13 ص 415 .
(4) تاريخ بغداد ج13 ص 412 - 413 .

 
 

- ج 2 ص 448 -

وعن المروزي يقول : سألت أحمد بن حنبل فقلت : ما تقول في أبي حنيفة ، فقال : رأيه مذموم وحديثه لا يذكر " .
وعن عبدالله بن أحمد قال : سمعت أبي يقول : حديث أبي حنيفة ضعيف ورأيه ضعيف " (1) .

وأخيرا إليك ما نقله الخطيب عن الأسدي الفقيه المالكي قال : سمعت أبا بكر بن أبي داود السجستاني يوما وهو يقول لأصحابه : ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه ، والأوزاعي وأصحابه والحسن بن صالح وأصحابه وسفيان وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه ؟ فقالوا له : يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذه ، فقال : هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبي حنيفة " (2) .

 

(1) الضعفاء الكبير ج4 ص 284 - 285 .

(2) تاريخ بغداد ج13 ص 383 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب