|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 2 - ص 449 |
|
80- تكفير
ابن تيمية
قيل :
" ابن تيمية ... الذي كفره علماء عصره لأنه حكم على كل
المسلمين بالشرك ، لأنهم يتبركون ويتوسلون بالنبي (ص)
" .
قال : " هذا كذب ... ولا جديد ، وكلام شيخ الإسلام
معروف ، وهو قول جميع أئمة السلف " .
الغريب أنه أرجع إلى رد سابق له لتثبيت وتأييد ما
ادعاه هنا من أن قول ابن تيمية من تكفير المتوسل
بالنبي (ص) هو قول جميع أئمة السلف ، بينما عند الرجوع
إلى فقرة التكفير تلك لا نجد غير قول ابن تيمية وحده
لا غير ، وقد بينا فيما سبق أنه شعر بعدم دلالة كلام
غير ابن تيمية فحذف ما نقله هناك عن غير ابن تيمية في
طبعته الثانية للكتاب ونسي هنا تلك التعديلات التي
أجراها سابقا لذا رجع هنا يقول أنه قول جميع أئمة
السلف ، فراجع الرد على كلامه هناك .
وأما ما يدل على أن ابن تيمية كفر ، قال ابن الوردي في
تاريخه : " وفي آخر الأمر ظفروا له – ابن تيمية –
بمسألة السفر لزيارة قبور النبيين وأن السفر وشد
الرحال لذلك منهي عنه لقوله (ص) : لا تشد الرحال إلا إلى
ثلاثة مساجد مع اعترافه بان الزيارة بلا شد رحل قربة
فشنعوا عليه بها وكتب فيها جماعة بأنه يلزم من منعه
شائبة تنقيص للنبوة فيكفر بذلك " (1) .
| |
(1) تاريخ ابن الوردي ج 2 ص 279 . |
|
|
وقال ابن رجب الحنبلي : " وفي آخر الأمر دبروا عليه
الحيلة في مسألة المنع من السفر إلي قبور الأنبياء
والصالحين وألزموه من ذلك التنقيص بالأنبياء وذلك كفر
، وأفتى بذلك طائفة " ، ووصفهم ابن رجب بأنهم أهل
أهواء ، ثم قال : " وهم ثمانية عشر نفسا رأسهم القاضي الأخنائي المالكي وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه " (1)
.
والقاضي الأخنائي هذا الذي وصفه ابن رجب بأنه من أهل
الأهواء يقول عنه ابن حجر : " محمد بن أبي بكر تقي
الدين اشتغل بالفقه على مذهب مالك وغيره وتقدم وتميز …
وذكر في ترجمته أنه قرأ صحيح البخاري في مائتي وعشرة
مجالس في مدة سنتين قراءة بحث ونظر وتأمل " (2) .
وقد فصل ابن حجر العسقلاني الأمور التي تعرض لها ابن
تيمية بصورة أكبر ، قال : " وأول ما أنكروا عليه من
مقالاته في شهر ربيع الأول قام عليه عام 698 قام عليه
جماعة من الفقهاء بسبب فتوى الحموية وبحثوا معه ومنع
من الكلام " .
إلى أن قال ابن حجر : " ثم توجه القاضي والشيخ الى
القاهرة ومعهما جماعة فوصلا في العشر الأخير من رمضان
، وعقد مجلس في ثالث عشر منه بعد صلاة الجمعة ، فادعي
على ابن تيمية عند المالكي فقال : هذا عدوي ولم يجب عن
الدعوى ، فكرر عليه فأصد ، فحكم المالكي بحبسه ، فأقيم
من المجلس وحبس في برج ، ثم بلغ المالكي أن الناس
يترددون إليه ، فقال : يجب التضييق عليه إن لم يقتل ،
وإلا فقد ثبت كفره فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجب ،
ونودي بدمشق من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله
خصوصا الحنابلة " (3) .
| |
(1) ذيل طبقات الحنابلة ج 4 ص 401 . |
(2) الدرر الكامنة ج4 ص247 . |
(3) الدرر الكامنة ج1 ص 88 . |
|
|
وأما القاضي المالكي فهو علي بن مخلوف بن ناهض كما صرح
بذلك ابن كثير عند نقله للحادثة في كتابه البداية
والنهاية قال :
" وادعي عليه عند ابن مخلوف المالكي … فقال – أي ابن
تيمية – ومن الحاكم فقيل له القاضي المالكي فقال له
الشيخ : كيف تحكم في وأنت خصمي … " (1) ، وقد ذكر ابن
كثير ابن مخلوف قائلا : " كان غزير المروءة والاحتمال
والاحسان إلى الفقهاء والشهود ومن يقصده " (2) .
وكذلك ذكر المقريزي الحادثة ، قال : " فنودي بدمشق من
ذكر عقيدة ابن تيمية شنق ، فاشتد حينئذ ابن عدلان ،
وقام معه قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف المالكي
، وحرض الأمراء عليه ، ومازال بهم حتى خرج الأمير ركن
الدين العمري الحاجب على البريد بحمله ، وحمل أخيه شرف
الدين عبدالرحمن إلى القاهرة ، وطلب الأمير ركن الدين
نجم الدين أحمد بن صصرى ووجيه الدين بن المنجا وتقي
الدين شقير وأولاد ابن الصائغ ، فأحضرهم يوم الخميس
ثاني عشر رمضان فاجتمع القضاة والفقهاء بقلعة الجبل ،
وحضر الأمراء فادعى ابن عدلان على ابن تيمية فلم يجبه
، وقام يخطب فصاح عليه القاضي زين الدين بن مخلوف
المالكي : نحن أحضرناك للدعوى عليك ما أحضرناك خطيبا ،
وألزمه بالجواب ، فقال له : أنت عدوي لا يجوز حكمك علي
، فأمر باعتقاله فأخذ وسجن بحارة الديلم من القاهرة هو
وأخوه .
وخلع على ابن صصرى وأعيد إلى دمشق ، ومعه كتاب ليقرأ
على الجامع بالمنع من الكلام في العقائد والنهي عن
اعتقاد شيء من فتاوى ابن تيمية ، وأن يكتب على
الحنابلة محاضر بالرجوع عن ذلك ، وتثبت على قضاة
الممالك وتقرأ على المنابر ، ففعل ذلك بدمشق " (3) .
| |
(1) البداية والنهاية ج 14 ص 43 |
(2) المصدر السابق ج 14 ص 103 |
(3) السلوك لمعرفة دول الملوك ج2 ص 401 |
|
|
ونقل ابن حجر أمورا أخرى عنه قال : " ومنهم من ينسبه
إلى الزندقة ، لقوله إن النبي (ص) لايستغاث به ، وإن في
ذلك تنقيصا ومنعا من تعظيم النبي (ص) ، وكان أشد الناس
عليه في ذلك النور البكري ، فإنه لما عقد له المجلس
بسبب ذلك ، قال بعض الحاضرين : يعذر ، فقال البكري :
لا معنى لهذا القول ، فإنه إن كان تنقيصا يقتل ، وإن
لم يكن تنقيصا لايعذر ، ومنهم من ينسبه إلى النفاق
لقوله في علي ما تقدم ، ولقوله إنه كان مخذولا حيث ما
توجه ، وإنه حاول الخلافة مرارا فلم ينلها ، وانما
قاتل للرياسة لا للديانة ، ولقوله إنه كان يحب الرياسة
، وأن عثمان كان يحب المال ، ولقوله أبوبكر أسلم شيخا
يدري ما يقول ، وعلي أسلم صبيا والصبي لا يصح إسلامه
على قول ، وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل ، ومات ما
نسبها من الثناء على …… (1) وقصة أبي العاص بن الربيع
وما يؤخذ من مفهومها ، فإنه شنع في ذلك ، فألزموه
بالنفاق لقوله (ص) لايبغضك إلا منافق " (2) .
وقال ابن حجر : " وقال شيخ شيوخنا الحافظ أبو الفتح اليعمري في ترجمته ابن تيمية : ... فوصلوا بالأمراء
أمره ، وأعمل كل منهم في كفره وفكره ، فرتبوا محاضر
وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر ، وسعوا في
نقله إلى حضرة المملكة بالديار المصرية ، فنقل وأودع
السجن ساعة حضوره واعتقل ، وعقدوا لإراقة دمه مجالس ،
وحشدوا لذلك قوما من عمار الزوايا وسكان المدارس ، ما
بين مجامل في المنازعة ومخاتل في المخادعة ومجاهر
بالتكفير مبادئ بالمقاطعة ، يسومونه ريب المنون وربك
يعلم ما تكن صدروهم وما يعلنون ، وليس المجاهر بكفره
بأسوء حال من المجامل ... ... " (3) .
أليست كلها نصوص صريحة في أنه كفّر ، أتشك بعد هذا ؟
| |
(1) قال محقق الكتاب : بياض في الأصل .
(2) الدرر الكامنة ج1 ص93 ، الظاهر أن المنقول كلام الأقشهري في رحلته
. |
(3) الدرر الكامنة ج1 ص94 . |
|
|
|