النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 53

45- إسلام أبي سفيان

ثم قال الكاتب : وأبو سفيان قد أسلم وحسن إسلامه والله تبارك وتعالى يقول ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) .

وأي حسن في إسلامه وأنت تتغاضى عما نقل عن تاريخه بعد دخوله الظاهري في الإسلام ، فابدأ معنا من قصة إسلامه التي تحدث عنها وهو ينقل خبر هرقل في صحيح البخاري كتاب الجهاد باب دعاء النبي (ص) إلى الإسلام والنبوة ، قال أبو سفيان بعد ذكر كلام هرقل وذكره الأدلة على صحة نبوة خاتم الرسل محمد (ص) :" والله ما زلت ذليلا مستيقنا بأن أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره " (1) .

وعجبي من شخص يصرح بأنه تيقن من كلام هرقل بأن محمدا (ص) سيظهر واستشعر الذلة ومع ذلك أصر على باطله ولم يخضع إلا عندما ظهر محمد (ص) على نحو فعلي ومع ذلك صرح بأنه كاره للإسلام ،كيف يقال أنه آمن عن اعتقاد بنبوة محمد (ص) .

 

(1) صحيح البخاري ج4 ص 57 .

 
 

- ج 2 ص 54 -

وإليك خبرا آخر يكشف لك هل كان إسلامه حقيقيا حينما ظهر عليه خاتم الرسل (ص) أم لا ؟ فقد روى الطبراني في ( المعجم الكبير ) أن رسول الله (ص) قال لأبي سفيان : " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن ، قال العباس : ويحك يا أبا سفيان أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك قال : فشهد بشهادة الحق وأسلم " (1) ، فهل مثل هذا الإيمان يسمى إيمانا حقيقيا برسول الله (ص) ؟ وحتى في آخر الخبر حينما عرضت عليه عساكر المسلمين قال : " والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما قلت : يا أبا سفيان إنها النبوة ، قال : فنعم إذن " .
وقد علق الهيثمي على السند بقوله : " رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح " (2) .

بل الواضح من بعض الروايات أن الرسول (ص) كان عالما بأن إسلامه متزلزل حينما روى ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) : " وانطلق يسير والناس متفرقون في الأراك والسمر فقال رسول الله (ص) : إلحق صاحبك فإني لا آمن أن يكون قد أحس في قلبه قلة القوم إذ رآهم متفرقين في السمر والأراك فيرجع إلى قومه فيخبرهم بذلك فيرجع كافرا ، فانطلق العباس يسير حتى إذا

 

(1) المعجم الكبير للطبراني ج8 ص 12 ، وقد ذكر الخبر البيهقي في ( دلائل النبوة ) ج5 ص34 بأسناد عدة وابن هشام في سيرته ج4 ص44 والطبري في تاريخه ج2 ص 331 وابن كثير في ( البداية والنهاية ) ج 4 ص331 وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ج24 ص 449 وغيرهم .
(2) مجمع الزوائد ج6 ص 167 .

 
 

- ج 2 ص 55 -

كان حيث ينظر إليه قال : أبا سفيان قف … حتى إذا انتهى إليه قال : غدرا يا بني هاشم ، قال : ستعلم آخر يومك أنا لسنا نغدر … " (1) .

بل صرح ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) بالخلاف بين علماء المسلمين في إسلامه حقيقة أم عن نفاق فقال : " واختلف في حين إسلامه فطائفة ترى أنه لما أسلم حسن إسلامه وذكرها عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : رأيت أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول : يا نصر الله اقترب ، وروى أن أبا سفيان بن حرب كان يقف على الكراديس يوم اليرموك فيقول للناس : الله فإنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام ، وإنهم ذادة الروم وأنصار المشركين … .
… وفي خبر ابن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال : فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان : إيه بني الأصفر فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان : وبنو الأصفر الملوك ملوك الروم لم يبق منهم مذكور فحدث به ابن الزبير أباه لما فتح الله على المسلمين فقال الزبير : قاتله الله يأبى إلا نفاقا أو لسنا خيرا له من بني الأصفر .

وذكر ابن المبارك عن مالك بن مغول عن ابن أبجر قال : لما بويع لأبي بكر الصديق جاء أبو سفيان إلى علي فقال : أغلبكم على هذا الأمر أقل بيت في قريش ‍ أما ولله لأملأنها خيلا ورجالا إن شئت ، فقال علي : ما زلت عدوا للإسلام وأهله ، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا ، إنا رأينا أبا بكر لها أهلا ، وهذا الخبر ما رواه عبدالرزاق عن ابن المبارك .

 

(1) تاريخ دمشق ج23 ص 455 ، وذكر نحوه الطبراني في ( المعجم ) ج8 ص8 .

 
 

- ج 2 ص 56 -

وروي عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه فقال : لقد صارت إليك بعد تيم وعدي ، فأدرها كالكرة ، واجعل أوتادها بني أمية فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار ، فصاح به عثمان : قم عني ، فعل الله بك وفعل .

وله أخبار من نحو هذا ردية ذكرها أهل الأخبار لم أذكرها وفي بعضها ما يدل على أنه لم يكن إسلامه سالما ولكن حديث سعيد بن المسيب يدل على صحة إسلامه والله أعلم " (1) ، انتهى كلام ابن عبدالبر .

أقول نضيف هنا خبرا رواه البيهقي في ( دلائل النبوة ) قال : " أنبأني أبو عبدالله الحافظ إجازة قال أخبرنا أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن المقرئ قال حدثنا أحمد بن يوسف السلمي قال حدثنا محمد بن يوسف الفريابي قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر عن ابن عباس قال : رأى أبو سفيان رسول الله (ص) يمشي والناس يطؤون عقبه فقال بينه وبين نفسه : لو عاودت هذا الرجل القتال فجاء رسول الله (ص) حتى ضرب بيده في صدري ، فقال : إذا يخزيك الله ، قال : أتوب إلى الله واستغفر الله مما تفوهت به .
قال البيهقي : " هكذا وجدته في كتابي موصولا في أبواب فتح مكة من كتاب الإكليل " (2).

أقول أما خبر ابن أبجر فقد رواه عبدالرزاق في مصنفه أخبرنا ابن مبارك عن مالك بن مغول عن ابن أبجر قال : لما بويع أبي بكر (رض) جاء أبو سفيان إلى علي فقال : غلبكم على هذا الأمر أذل أهل بيت في قريش ،أما والله لأملأنها خيلا ورجالا قال ،

 

(1) الاستيعاب لابن عبد البر ج4 ص 240 .

(2) دلائل النبوة للبيهقي ج5 ص102  
 

- ج 2 ص 57 -

فقلت : ما زلت عدوا للإسلام وأهله فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا … " (1) ، وفيه إرسال من قبل ابن أبجر .
ولكن رواه بسند متصل الحاكم في مستدركه عن مرة الطيب قال : جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي بن أبي طالب (رض) فقال : ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة وأذلها ذلة يعني أبو بكر والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا ، فقال علي : لطال ما عاديت الإسلام وأهله يا أبا سفيان فلم يضره شيئا … " ، قال الذهبي في التلخيص : " سنده صحيح " (2).

وروى مثله ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) قال : " أنبأنا أبو الطاهر بن أبي أحمد الحافظ أنا أبو غالب محمد بن الحسنة بن أبي أحمد الكرخي - ببغداد – أنا أبو القاسم عبدالملك بن محمد بن عبدالله بن بشران المعدل أنا أبو علي أحمد بن الفضل بن العباس بن خزيمة قال أنا عبدالله بن روح نا شبابة بن سوار بن مصعب عن زياد بن عبدالرحمن عن سويد بن غفلة قال : دخل أبو سفيان على علي والعباس فقال : يا علي وأنت يا عباس ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها ، والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا ولأثورنها عليه من أقطارها فقال له علي : لا والله ما أريك أن تملأها عليه خيلا ورجالا … يا أبا سفيان إن المؤمنين قوم نصحة بعضهم لبعض متوادون … وإن المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض " (3).

وأما خبر ابن الزبير ذكره ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) قال : أخبرنا أبو محمد بن عبدالكريم بن حمزة ثنا أبو بكر الخطيب ح وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو بكر بن الطبري قالا أنا أبو الحسين بن الفضل أنا عبدالله بن جعفر نا

 

(1) المصنف للصنعاني ج5 ص451 .
(2) المستدرك على الصحيحين ج3 ص 83 .

(3) تاريخ دمشق لابن عساكر ج23 ص 464 .  
 

- ج 2 ص 58 -

يعقوب نا عمار ثنا سلمة حدثني محمد بن إسحاق عن وهب بن كيسان عن عبدالله بن الزبير قال : كنت مع أبي عام اليرموك فلما تعبأ المسلمون للقتال لبس الزبير لامته ثم جلس على فرسه ثم قال لموليين : احبسا عبدالله بن الزبير معكما في الرحل فإنه غلام صغير ثم توجه فدخل في الناس فلما اقتتل الناس والروم نظرت إلى ناس وقوف على تل لا يقاتلون مع الناس فأخذت فرسا للزبير كان خلفه في الرحل فركبته ثم ذهبت إلى أولئك الناس فوقفت معهم ، وقلت : أنظر ما يصنع الناس ، فإذا أبو سفيان بن حرب في مشيخة من قريش من مهاجرة الفتح وقوفا لا يقاتلون ، فلما رأوني رأوا غلاما حدثا لم يتقوني ، قال : فجعلوا – والله – إذا مال المسلمون وركبهم الروم يقولون إيه بل أصفر ، وإذا مالت الروم وركبهم المسلمون قالوا : ويح بل أصفر فجعلت أعجب من قولهم ، فلما هزم الله الروم ورجع الزبير جعلت أخبره خبرهم ، قال : فجعل يضحك ويقول : قاتلهم الله أبوا إلا ضغنا ، وماذا لهم في أن يظهر علينا الروم ولنحن خير لهم منهم (1) .

والخبر رواه ابن حجر في ( الإصابة ) قال : " وروى يعقوب أيضا من طريق ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عن ابن الزبير … " (2) .

ورواه الطبري في تاريخه قال : " حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عن عبدالله بن الزبير … " (3) .

والخبر لا بأس بسنده على مبانيهم باعتبار كون كل من سلمة بن الفضل وابن إسحاق وصفا بالصدق ، ولكن الأول كثير الخطأ والثاني مدلس رمي بالتشيع .

 

(1) تاريخ ابن عساكر ج23 ص 467 .

(2) الإصابة ج3 ص238 . (3) تاريخ الطبري ج3 ص 74 .  
 

- ج 2 ص 59 -

ولكن الحق أن كلا الرجلين من أكابر المؤرخين ولم يرفضا إلا لتشيعهم لا لسبب آخر .
وتوجد زيادة في آخر رواية أبي الفرج الأصفهاني في ( الأغاني ) قال ابن الزبير متحدثا عن أبيه : " ثم كان يأخذ بيدي فيطوف على أصحاب رسول الله (ص) يقول : حدثهم فأحدثهم فيعجبون من نفاقه " (1).

وأما خبر الحسن وقصة دخول أبي سفيان على عثمان فقد ذكره أبو الفرج الأصفهاني في ( الأغاني ) بسندين قال في الأول : " حدثني أحمد بن الجعد قال حدثني ابن حميد قال حدثنا جرير عن عمر بن ثابت عن الحسن قال : دخل أبو سفيان على عثمان بعد أن كف بصره فقال : هل علينا من عين ؟ فقال له عثمان : لا ، فقال : يا عثمان ، إن الأمر أمر عالمية والملك ملك جاهلية فاجعل أوتاد الأرض بني أمية " (2).

وقال في الثاني وبنفس السند السابق : " لما ولي عثمان الخلافة دخل عليه أبو سفيان ، فقال : يا معشر بني أمية إن الخلافة صارت في تيم وعدي حتى طمعت فيها ، وقد صارت إليكم فتلقفوها بينكم تلقف الكرة ، فوالله ما من جنة ولا نار - هذا أو نحوه – فصاح به عثمان قم عني فعل الله بك وفعل " (3).

ورواه ابن عساكر عن أنس قال : " أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم نا عبدالعزيز بن أحمد أنا أبو محمد بن أبي نصر نا أبو علي الحسن بن حبيب أنا جرير بن غطفان نا عفان نا حماد بن سلمة نا هشام بن زيد عن أنس : أن أبا سفيان بن

 

(1) الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ج6 ص370

(2) المصدر السابق ج6 ص370 . (3) المصدر السابق ج6 ص 371 .  
 

- ج 2 ص 60 -

حرب دخل على عثمان بعدما عمي فقال : ها هنا أحد ؟ قالوا : لا ، قال : اللهم اجعل الأمر أمر الجاهلية والملك ملك غاصبية واجعل أوتاد الأرض لبني أمية " (1) .
وجرير في السند وإن كان مجهولا لكن رواه البغوي عن عفان بنفس السند السابق عن أنس ، ولكنه لم يكمل الرواية (2) .
قال ابن حجر في ( الإصابة ) : " وروى البغوي بإسناد صحيح عن أنس إن أبا سفيان دخل على عثمان بعد ما عمي وغلامه يقوده " (3) .

وذكر الخبر الطبري ضمن كتاب المأمون الذي أمر بإنشائه للعن معاوية " … ومنه قول الرسول (ص) وقد رآه مقبلا على حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوق به لعن الله القائد والراكب والسائق ومنه ما يرويه الرواة من قوله يا بني عبدمناف تلقفوها تلقف الكرة فما هناك جنة ولا نار " (4).

إن مستندهم في ترجيح حسن إسلامه هى الرواية التي ذكرها ابن عبدالبر في ( الاستيعاب ) عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : رأيت أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول : يا نصر الله اقترب ، وصرح بأنها مستند من قال بحسن إسلامه وقد صحح الخبر ابن حجر في الإصابة .

ولكن الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) يظهر من التردد في صحة الخبر فقد قال : " وكان يومئذ قد حسن إن شاء الله إيمانه ، فإنه كان يومئذ يحرض على الجهاد وكان تحت راية ولده يزيد فكان يصيح : يا نصر الله اقترب ، وكان يقف على الكرابيس يذكر ويقول : الله الله إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب … .

 

(1) تاريخ دمشق ج23 ص471 .
(2) معجم الصحابة للبغوي ج3 ص353 .

(3) الإصابة لابن حجر ج 3 ص 238 .
(4) تاريخ الطبري ج 8 ص 185 .
 
 

- ج 2 ص 61 -

فإن صح هذا عنه فإنه يغبط بذلك " (1).
فيظهر من كلام الذهبي شكه في صحة الخبر .
وأصل الخبر مذكور في تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي وطبقات ابن سعد وليس لأبي سفيان ترجمة في المطبوع من الطبقات ، ولكن ابن عساكر ذكر السند على النحو التالي قال : " أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالباقي أنا الحسن بن علي أنبأ أبو عمر بن حيوية انا أحمد بن معروف نا الحسين بن الفهم نا محمد بن سعد – صاحب الطبقات – نا سليمان أبو داود الطيالسي أنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : " خمدت الأصوات يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الروم إلا صوت رجل يقول : يا نصر الله اقترب … " (2) .

ورواة الخبر في الإستيعاب وإن وثقوا ، ولكن فيه المسيب بن حزن ذكره ابن حبان في التابعين وذكر الأكثر في الصحابة ، ولم تثبت صحبته إلا بروايته وحده ، والذي يظهر من قدماء المؤرخين قبل البخاري أنه من مسلمة الفتح ، فالمعروف بينهم أنه أسلم حينذاك ، قال ابن حجر : " زعم الواقدي ومصعب الزبيري أنه من مسلمة الفتح ولم يصنعا شيئا … وفي الثقات لابن حبان في التابعين المسيب بن حزن وإن كان أراد هذا فقد وهم وهما قبيحا ، وعده الأزدي وغيره فيمن لم يرو عنه إلا واحد " (3) .

وظاهر ابن حجر أن الواقدي والزبيري قالا بذلك فقط لكن ابن أبي حاتم في ( الجرح والتعديل ) ذكر ذلك أيضا قال : " المسيب … المدني له صحبة أسلم يوم الفتح " (4) .

 

(1) سير أعلام النبلاء للذهبي ج2 ص106 .
(2) تاريخ دمشق ج32 ص 466 .

(3) تهذيب التهذيب ج10 ص 138 .
(4) الجرح والتعديل ج 8 ص 292 .
 
 

- ج 2 ص 62 -

بل يظهر من عبارة الزبيري : " لا يختلف أصحابنا إن المسيب وأباه من مسلمة الفتح " والتي نقلها ابن حجر في ( الإصابة ) (1) أنه قول جماعة .

وقد ذكر خبر إسلامه زمن الفتح ابن عساكر عن ابن سعد قال : " نا أبوبكر بن أبي الدنيا نا محمد بن سعد قال : في الطبقة الخامسة حزن بن أبي وهب المخزومي أسلم يوم الفتح وابنه المسيب بن حزن وهو أبو سعيد بن المسيب أسلم يومئذ أيضا " ، وهكذا حينما ذكر ابن عساكر المسيب في الطبقة الرابعة (2) .

وكذلك نقل ابن عساكر قول الواقدي تعليقا على ما روي من أنه بايع تحت الشجرة : " ولا يعرف هذا - زاد فهم عندنا – وأنما أسلم المسيب بن حزن مع أبيه يوم الفتح " (3) .

وفي سند الاستيعاب أيضا إبراهيم بن سعد ذكره الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) قائلا : " عبدالله بن أحمد سمعت أبي يقول : ذكر عند يحيى بن سعيد عقيل وإبراهيم بن سعد فجعل كأنهما يضعفهما يقول : عقيل وإبراهيم ! ثم قال أبي : إيش ينفع هذا ! هؤلاء ثقات لم يحضرهما يحيى … وساق له ابن عدي عدة غرائب عن الزهري مما خولف في إسنادها يبدل تابعيا بآخر … وكان إبراهيم يجيد الغناء " (4) .

وقصته مع الغناء رواها الخطيب في ( تاريخ بغداد ) مفصلة عن عبيدالله بن سعيد بن كثير بن عفير عن أبيه قال :
" قدم إبراهيم بن سعد الزهري سنة أربع وثمانين ومائة فأكرمه الرشيد وأظهر بره ، وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله ، وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث

 

(1) الإصابة ج6 ص100 .
(2) تاريخ دمشق لابن عساكر ج 58 ص 184 .

(3) المصدر السابق ج 58 ص 187 .
(4) ميزان الاعتدال ج1 ص33-34 .
 
 

- ج 2 ص 63 -

الزهري فسمعه يتغنى ، فقال : لقد كنت حريصا على أن أسمعك ، فأما الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا ، فقال : لا أفقد إلا شخصك علي وعلي إن حدثت ببغداد ما أقمت حديثا إلا غنيت قبله ، وشاعت عنه هذه في بغداد فبلغت الرشيد فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها النبي (ص) في سرقة الحلي ، فدعا بعود فقال الرشيد : أعود المجمر؟ قال : لا ، ولكن عود الطرب ، فتبسم ففهمها إبراهيم بن سعد ، فقال : لعله بلغك يا أمير المؤمنين حديث السفيه الذي آذاني بالأمس وألجأني إلى أن حلفت ؟ قال : نعم ، ودعا له الرشيد بعود فغناه :

يا أم طلحة إن البين قد أفدا    قل الثواء لئن كان الرحيل غدا

فقال الرشيد : من كان من فقهائكم يكره السماع ؟ قال : من ربطه الله ، قال : فهل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شيء ؟ قال : لا والله إلا إن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع وهم يومئذ جلة ، ومالك أقلهم من فقهه وقدره ، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون ، ومع مالك دف مربع وهو يغنيهم :

سليمى أجمعت بينا    فأين لقاؤها أيــنا
وقد قالت لأتـراب    لها زهر تلاقينـــا
تعالـين فقد طـاب    لنا العيش تعالينا

فضحك الرشيد ووصله بمال عظيم " (1) .

والحكم لك أيها القارئ .

 

(1) تاريخ بغداد ج6 ص81 –82 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب