مناقشة الاستدلال

- الصحابة - السيد علي الميلاني ص 28 :

 مناقشة الاستدلال :
 

فنحن إذن لا بد وأن نبحث عن هذه الأدلة ، لنعرف الحق من غيره في مثل هذه المسألة المهمة .
 

قبل الورود في البحث عن هذه الأدلة ، أضيف أنهم على أساس هذه الأدلة يقولون بحجية سنة الصحابة ، ويقولون بحجية مذهب الصحابي ، ويستدلون بهذه الأدلة من الآيات والأحاديث ، مضافا إلى حديث يعتمد عليه بعضهم في الكتب الأصولية ، وإن كان باطلا من حيث السند عندهم كما سنقرأ ، وهو : أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم .


يدل هذا الحديث على أن كل واحد واحد من الصحابة يمكن أن يقتدى به ، وأن يصل الإنسان عن طريق كل واحد منهم إلى الله سبحانه وتعالى ، بأن يكون واسطة بينه وبين ربه ، كما سنقرأ نص عبارة الشاطبي .


وبهذا الحديث - أي حديث أصحابي كالنجوم - تجدون الاستدلال في كتاب المنهاج للقاضي البيضاوي ، وفي التحرير لابن الهمام وفي مسلم الثبوت وإرشاد الفحول وغير ذلك من الكتب الأصولية ، حيث يبحثون عن سنة الصحابة وعن حجية مذهب الصحابي ، والصحابي كما عرفناه : كل من لقي رسول الله ورآه ولو مرة واحدة وهو يشهد الشهادتين .


بل استدل الزمخشري بحديث أصحابي كالنجوم في تفسيره الكشاف ، يقول : فإن قلت : كيف كان القرآن تبيانا لكل شئ [ لأن

- ص 29 -

الله سبحانه وتعالى يصف القرآن بأنه تبيان لكل شئ ، فإذا كان القرآن تبيانا لكل شئ ، فلا بد وأن يكون فيه كل شئ ، والحال ليس فيه كثير من الأحكام ، ليس فيه أحكام كثير من الأشياء فيجيب عن هذا السؤال : ]


قلت : المعنى : إنه بين كل شئ من أمور الدين ، حيث كان نصا على بعضها ، وإحالة على السنة حيث أمر باتباع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وطاعته وقال : ( وما ينطق عن الهوى ) ( 1 ) ، وحثا على الإجماع في قوله : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) ( 2 ) ، وقد رضي رسول الله لأمته اتباع أصحابه والاقتداء بآثاره في قوله : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، فمن ثم كان القرآن تبيانا لكل شئ ( 3 ) .


وأما التحقيق في الأدلة التي ذكرها الخطيب البغدادي ، وارتضاها ابن حجر العسقلاني ، وحديث أصحابي كالنجوم ، فيكون على الترتيب التالي :


الآية الأولى : قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون

 

* هامش *

 

 

(1) سورة النجم : 3 .
(2) سورة النساء : 115 .
(3)
الكشاف في تفسير القرآن * 2 / 628 . ( * )

 

 

- ص 30 -

بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ( 1 ) .
 

 أولا : الاستدلال بهذه الآية لعدالة الصحابة أجمعين موقوف على أن تكون الآية خاصة بهم ، والحال أن كثيرا من مفسريهم يقولون بأن الآية عامة لجميع المسلمين . لاحظوا عبارة ابن كثير يقول : والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة ( 2 ) .


 ثانيا : قوله تعالى : ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) في ذيل الآية المباركة حكمه حكم الشرط ، أي إن كنتم ، أي ما دمتم ، وهذا شئ واضح يفهمه كل عربي يتلو القرآن الكريم ، ونص عليه المفسرون ،

لاحظوا كلام القرطبي : ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) مدح لهذه الأمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به ، فإذا تركوا التغيير - أي تغيير الباطل - وتواطؤوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سببا لهلاكهم ( 3 )


وقال الفخر الرازي والنظام النيسابوري : وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر ، والمقصود به بيان علة

 

* هامش *

 

 

(1) سورة آل عمران : 110 .
(2) تفسير ابن كثير 1 / 399 .
(3)
تفسير القرطبي 4 / 173 . ( * )

 

 

- ص 31 -

تلك الخيرية ( 1 ) .

وحينئذ نقول : كل من اتصف بهذه الأوصاف ، فيكون خير الأمة ، ونحن أيضا نقتدي بهم ، وتعالوا أثبتوا لنا من المتصف بهذه الصفات لنقتدي به ، فيكون البحث حينئذ صغرويا ، ويكون البحث في المصداق ، ولا نزاع في الكبرى ، أي لا يوجد أي نزاع فيها


الآية الثانية : قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ( 2 ) .

هذه الآية مفادها - كما في كثير من تفاسير الفريقين ( 3 ) - أن الله سبحانه وتعالى جعل الأمة الإسلامية أمة وسطا بين اليهود والنصارى ، أو وسطا بمعنى عدلا بين الإفراط والتفريط في الأمور ، فالآية المباركة تلحظ الأمة بما هي أمة ، وليس

المقصود فيها أن يكون كل واحد من أفرادها موصوفا بالعدالة ، لأن واقع الأمر ، ولأن الموجود في الخارج ، يكذب هذا المعنى ، ومن الذي يلتزم بأن كل فرد فرد من أفراد الصحابة كان ( خير أمة أخرجت للناس ) ( كذلك جعلناكم أمة وسطا ) أي عدلا ، ومن يلتزم بهذا ؟
 

 

* هامش *

 

 

(1) تفسير الفخر الرازي ، تفسير النيسابوري 2 / 232 .
(2) سورة البقرة : 143 .
(3) مجمع البيان 1 / 244 ، الكشاف 1 / 318 ، القرطبي 2 / 154 ، النيسابوري 1 / 421 ، وغيرها . ( * )

 

 

- ص 32 -

إذن ، لا علاقة للآية المباركة بالأفراد ، وإنما المقصود من الآية مجموع الأمة من حيث المجموع .


الآية الثالثة : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) ( 1 ) .

 أولا : هذه الآية مختصة بأهل بيعة الرضوان ، بيعة الشجرة ، ولا علاقة لها بسائر الصحابة ، فيكون الدليل أخص من المدعى .
 

 ثانيا : في الآية المباركة قيود ، في الآية رضا الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين ، الذين بايعوا ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) ، ثم إن هناك شرطا آخر وهو موجود في القرآن الكريم ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد . . . ) إلى آخر الآية ( 2 ) .


قال المفسرون كابن كثير والزمخشري وغيرهما : إن رضوان الله وسكينته مشروطة بالوفاء بالعهد وعدم نكث العهد ( 3 ) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة الفتح : 18 .
(2) سورة الفتح : 10 .
(3)
الكشاف 3 / 543 ، ابن كثير 4 / 199 . ( * )

 

 

- ص 33 -

فحينئذ ، كل من بقي على عهده مع رسول الله فنحن أيضا نعاهده على أن نقتدي به ، وهذا ما ذكرناه أولا في بداية البحث .


الآية الرابعة : قوله تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) ( 1 ) .


والاستدلال بهذه الآية لعدالة عموم الصحابة في غير محله ، لأن موضوع الآية ( السابقون الأولون ) ، وأي علاقة بعموم الصحابة ؟ تريدون من هذه الآية أن تثبتوا عدالة مائة ألف شخص بالأقل ، وهي تقول ( السابقون الأولون ) .
 

حينئذ من المراد من السابقين الأولين ؟ قيل : أهل بدر ، وقيل : الذين صلوا القبلتين ، وقيل : الذين شهدوا بيعة الشجرة . كما اختلفوا أيضا في معنى التابعين ( والذين اتبعوهم بإحسان ) على أقوال عديدة موجودة في تفاسيرهم ( 2 ) .


وأخرج البخاري عن البراء بن عازب قيل له : طوبى لك ، صحبت النبي وبايعته تحت الشجرة ، قال : إنك لا تدري ما أحدثنا بعده ( 3 ) .

 

* هامش *

 

 

(1) سورة التوبة : 100 .
(2) الدر المنثور 4 / 269 ، القرطبي 8 / 236 ، الكشاف 2 / 210 ، ابن كثير 2 / 398 .
(3)
صحيح البخاري 5 / 160 . ( * )

 

 

- ص 34 -

وإقرار العقلاء على أنفسهم حجة ! ! وليس المقر بذلك هو البراء وحده ، بل هذا وارد عن جمع من الصحابة وفيهم عائشة ، ولا يخفى اشتمال اعترافهم على الإحداث ، وهو اللفظ الذي جاء في الصحاح عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أحاديث الحوض الآتية .


الآية الخامسة : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) ( 1 ) . هذه الآية لو راجعتم التفاسير لرأيتموها نازلة في واقعة بدر بالإتفاق ، وفي معنى الآية قولان :


القول الأول : أي يكفيك الله والمؤمنون المتبعون لك .

القول الثاني : إن الله يكفيك ويكفي المؤمنين بعدك أو معك .

وكأن الاستدلال - أي استدلال الخطيب البغدادي - يقوم على أساس التفسير الأول ، وإذا كان كذلك ، فلا بد وأن يؤخذ الإيمان والاتباع والبقاء على المتابعة لرسول الله بعين الاعتبار ، ونحن أيضا موافقون على هذه الكبرى ، وإنما البحث سيكون بحثا في المصاديق .

 

* هامش *

 

 

(1) سورة الأنفال : 64 . ( * )

 

 

- ص 35 -

الآية السادسة : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) ( 1 ) .

 

هذه كل الآيات . واستدل الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني بهذه الآيات المباركة ، وفيها قيود وصفات وشروط وحالات ، فكل من اجتمعت فيه هذه الصفات والحالات فنحن نقتدي به ، لكن لا بد وأن تكون الآية ناظرة إلى عموم الأمة الإسلامية ،

وإلا فكل فرد فرد من الأمة ، وحتى من الصحابة ، يكون قد اجتمعت فيه هذه الصفات والحالات ؟ هذا لا يدعيه أحد ، حتى المستدل لا يدعيه .
 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة الحشر : 8 - 10 . ( * )

 

 

- ص 36 -

بقي الكلام في الحديث الذي استدل به ابن حجر العسقلاني ، لأن الخطيب لم يذكر حديثا ! الحديث الأول : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله فيوشك أن يأخذه . قال الشاطبي حيث استدل بهذا الحديث : من كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة ( 1 ) .


ونحن أيضا نقول : من كان بهذه المثابة ، حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة .


وهل كل فرد فرد من الأصحاب يكون الإنسان إذا أحبه فقد أحب رسول الله ، وإذا أبغضه فقد أبغض رسول الله : فبحبي أحبهم . . . فببغضي أبغضهم ؟ كل فرد فرد هكذا ؟ لا أظن الخطيب البغدادي ، ولا ابن حجر العسقلاني ، ولا أي عاقل من عقلائهم يدعي هذه الدعوى .


الحديث الثاني : أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم . وقد أشرت إلى من استدل بهذا الحديث ، بالتفسير وعلم

 

* هامش *

 

 

(1) الموافقات 4 / 79 . ( * )

 

 

- ص 37 -

الأصول ، وحتى في الموارد الأخرى ، وحتى الكتب الأخلاقية أيضا ، وحتى في الفقه يستدلون بهذا الحديث ، ولكن مع الأسف ، هذا الحديث ليس بصحيح عندهم ، لاحظوا العبارات : في شروح التحرير ; قال أحمد بن حنبل : لا يصح ( 1 ) .

وفي جامع بيان العلم لابن عبد البر ; قال أبو بكر البزار : لا يصح ( 2 ) .

وقال ابن حجر في تخريج الكشاف : أورده الدارقطني في غرائب مالك ( 3 ) .

وقال ابن حزم في رسالته في إبطال القياس : هذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط ( 4 ) .

وقال ابن حجر في تخريج الكشاف : ضعفه البيهقي ( 5 ) .

وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم : إسناده لا يصح ( 6 ) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) التقرير والتحبير في شرح التحرير ، التيسير في شرح التحرير 3 / 243 .
(2) جامع بيان العلم 2 / 90 ، إعلام الموقعين 2 / 223 ، البحر المحيط 5 / 528 .
(3)
الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ( هامش الكشاف ) 2 / 628 .
(4)
أنظر : البحر المحيط في تفسير القرآن لأبي حيان 5 / 528 .
(5)
الكاف الشاف 2 / 628 .
(6)
جامع بيان العلم وفضله 2 / 90 . ( * )

 

 

- ص 38 -

وذكر المناوي أن ابن عساكر ضعف هذا الحديث ( 1 ) .

وأورده ابن الجوزي في كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية .

وبين أبو حيان الأندلسي ضعف هذا الحديث في تفسيره ( 2 ) .

وأورد الذهبي هذا الحديث في أكثر من موضع في ميزان الاعتدال ونص على بطلانه ( 3 ) .

وأبطل هذا الحديث ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين ( 4 ) ،

وابن حجر العسقلاني في تخريج الكشاف المطبوع في هامش الكشاف ( 5 ) .

وذكر السخاوي هذا الحديث في المقاصد الحسنة وضعفه ( 6 ) .

ووضع السيوطي علامة الضعف على هذا الحديث في كتاب الجامع الصغير ( 7 ) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4 / 76 .
(2) البحر المحيط 5 / 528 .
(3)
ميزان الاعتدال في نقد الرجال 1 / 413 ، 2 / 102 .
(4)
إعلام الموقعين 2 / 223 .
(5)
الكاف الشاف 2 / 628 .
(6)
المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة : 26 - 27 .
(7)
الجامع الصغير بشرح المناوي 4 / 76 ( * )

 

 

- ص 39 -

وضعفه أيضا القاري في شرح المشكاة ( 1 ) .

وأوضح ضعفه المناوي في فيض القدير ( 2 ) .

وفوق ذلك كله ، فإن شيخ الإسلام ! ! ابن تيمية ينص على ضعف هذا الحديث في كتاب منهاج السنة ( 3 ) .


ويبقى الدليل الاعتباري ، إنه إذا لم نوافق على عدالة كل فرد فرد من الصحابة ، فقد أبطلنا القرآن ، فقد أبطلنا السنة النبوية ، فقد بطل الدين ! ! والحال إننا أبطلنا عدالة الصحابة ، ولم يبطل الدين ، والدين باق على حاله ، والحمد لله رب العالمين .


يقولون هذا وكأن الطريق منحصر بالصحابة ؟ ! إن الطريق الصحيح منحصر بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأهل البيت أدرى بما في البيت ، أهل البيت هم القادة بعد الرسول .
 

 

* هامش *

 

 

(1) المرقاة في شرح المشكاة 5 / 523 .
(2) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4 - .
(3) منهاج السنة 7 / 142 ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب