|
|
|
|
مناقشة الاستدلال
مناقشة الاستدلال : فنحن إذن لا بد وأن
نبحث عن هذه الأدلة ، لنعرف الحق من غيره في مثل هذه المسألة المهمة . قبل الورود في البحث عن هذه الأدلة ، أضيف أنهم على أساس هذه الأدلة يقولون بحجية سنة الصحابة ، ويقولون بحجية مذهب الصحابي ، ويستدلون بهذه الأدلة من الآيات والأحاديث ، مضافا إلى حديث يعتمد عليه بعضهم في الكتب الأصولية ، وإن كان باطلا من حيث السند عندهم كما سنقرأ ، وهو : أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم .
الله سبحانه وتعالى يصف القرآن بأنه تبيان لكل شئ ، فإذا كان القرآن تبيانا لكل شئ ، فلا بد وأن يكون فيه كل شئ ، والحال ليس فيه كثير من الأحكام ، ليس فيه أحكام كثير من الأشياء فيجيب عن هذا السؤال : ]
بالمعروف وتنهون عن المنكر
) ( 1 ) . أولا : الاستدلال بهذه الآية لعدالة الصحابة أجمعين موقوف على أن تكون الآية خاصة بهم ، والحال أن كثيرا من مفسريهم يقولون بأن الآية عامة لجميع المسلمين . لاحظوا عبارة ابن كثير يقول : والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة ( 2 ) .
لاحظوا كلام القرطبي : ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) مدح لهذه الأمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به ، فإذا تركوا التغيير - أي تغيير الباطل - وتواطؤوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سببا لهلاكهم ( 3 )
تلك الخيرية ( 1 ) . وحينئذ نقول : كل من اتصف بهذه الأوصاف ، فيكون خير الأمة ، ونحن أيضا نقتدي بهم ، وتعالوا أثبتوا لنا من المتصف بهذه الصفات لنقتدي به ، فيكون البحث حينئذ صغرويا ، ويكون البحث في المصداق ، ولا نزاع في الكبرى ، أي لا يوجد أي نزاع فيها
هذه الآية مفادها - كما في كثير من تفاسير الفريقين ( 3 ) - أن الله سبحانه وتعالى جعل الأمة الإسلامية أمة وسطا بين اليهود والنصارى ، أو وسطا بمعنى عدلا بين الإفراط والتفريط في الأمور ، فالآية المباركة تلحظ الأمة بما هي أمة ، وليس المقصود فيها أن يكون كل واحد من أفرادها موصوفا بالعدالة ،
لأن واقع الأمر ، ولأن الموجود في الخارج ، يكذب هذا المعنى ، ومن الذي يلتزم
بأن كل فرد فرد من أفراد الصحابة كان (
خير أمة أخرجت للناس ) (
كذلك جعلناكم أمة وسطا ) أي عدلا ، ومن
يلتزم بهذا ؟
إذن ، لا علاقة للآية المباركة بالأفراد ، وإنما المقصود من الآية مجموع الأمة من حيث المجموع .
أولا : هذه الآية مختصة
بأهل بيعة الرضوان ، بيعة الشجرة ، ولا علاقة لها بسائر الصحابة ، فيكون الدليل
أخص من المدعى . ثانيا : في الآية المباركة قيود ، في الآية رضا الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين ، الذين بايعوا ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) ، ثم إن هناك شرطا آخر وهو موجود في القرآن الكريم ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد . . . ) إلى آخر الآية ( 2 ) .
فحينئذ ، كل من بقي على عهده مع رسول الله فنحن أيضا نعاهده على أن نقتدي به ، وهذا ما ذكرناه أولا في بداية البحث .
حينئذ من المراد من السابقين الأولين ؟ قيل : أهل بدر ، وقيل : الذين صلوا القبلتين ، وقيل : الذين شهدوا بيعة الشجرة . كما اختلفوا أيضا في معنى التابعين ( والذين اتبعوهم بإحسان ) على أقوال عديدة موجودة في تفاسيرهم ( 2 ) .
وإقرار العقلاء على أنفسهم حجة ! ! وليس المقر بذلك هو البراء وحده ، بل هذا وارد عن جمع من الصحابة وفيهم عائشة ، ولا يخفى اشتمال اعترافهم على الإحداث ، وهو اللفظ الذي جاء في الصحاح عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أحاديث الحوض الآتية .
القول الثاني : إن الله يكفيك ويكفي المؤمنين بعدك أو معك . وكأن الاستدلال - أي استدلال الخطيب البغدادي - يقوم على أساس التفسير الأول ، وإذا كان كذلك ، فلا بد وأن يؤخذ الإيمان والاتباع والبقاء على المتابعة لرسول الله بعين الاعتبار ، ونحن أيضا موافقون على هذه الكبرى ، وإنما البحث سيكون بحثا في المصاديق .
الآية السادسة : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) ( 1 ) .
هذه كل الآيات . واستدل الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني بهذه الآيات المباركة ، وفيها قيود وصفات وشروط وحالات ، فكل من اجتمعت فيه هذه الصفات والحالات فنحن نقتدي به ، لكن لا بد وأن تكون الآية ناظرة إلى عموم الأمة الإسلامية ، وإلا فكل فرد فرد من الأمة ، وحتى من الصحابة ، يكون قد
اجتمعت فيه هذه الصفات والحالات ؟ هذا لا يدعيه أحد ، حتى المستدل لا يدعيه .
بقي الكلام في الحديث الذي استدل به ابن حجر العسقلاني ، لأن الخطيب لم يذكر حديثا ! الحديث الأول : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله فيوشك أن يأخذه . قال الشاطبي حيث استدل بهذا الحديث : من كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة ( 1 ) .
الأصول ، وحتى في الموارد الأخرى ، وحتى الكتب الأخلاقية أيضا ، وحتى في الفقه يستدلون بهذا الحديث ، ولكن مع الأسف ، هذا الحديث ليس بصحيح عندهم ، لاحظوا العبارات : في شروح التحرير ; قال أحمد بن حنبل : لا يصح ( 1 ) . وفي جامع بيان العلم لابن عبد البر ; قال أبو بكر البزار : لا يصح ( 2 ) . وقال ابن حجر في تخريج الكشاف : أورده الدارقطني في غرائب مالك ( 3 ) . وقال ابن حزم في رسالته في إبطال القياس : هذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط ( 4 ) . وقال ابن حجر في تخريج الكشاف : ضعفه البيهقي ( 5 ) . وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم : إسناده لا يصح
( 6 ) .
وذكر المناوي أن ابن عساكر ضعف هذا الحديث ( 1 ) . وأورده ابن الجوزي في كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية . وبين أبو حيان الأندلسي ضعف هذا الحديث في تفسيره ( 2 ) . وأورد الذهبي هذا الحديث في أكثر من موضع في ميزان الاعتدال ونص على بطلانه ( 3 ) . وأبطل هذا الحديث ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين ( 4 ) ، وابن حجر العسقلاني في تخريج الكشاف المطبوع في هامش الكشاف ( 5 ) . وذكر السخاوي هذا الحديث في المقاصد الحسنة وضعفه ( 6 ) . ووضع السيوطي علامة الضعف على هذا الحديث في كتاب الجامع
الصغير ( 7 ) .
وضعفه أيضا القاري في شرح المشكاة ( 1 ) . وأوضح ضعفه المناوي في فيض القدير ( 2 ) . وفوق ذلك كله ، فإن شيخ الإسلام ! ! ابن تيمية ينص على ضعف هذا الحديث في كتاب منهاج السنة ( 3 ) .
|
|