شيوخ المسلمين ، فيقول : " أن تطعنوا في إمارته فقد كنتم
تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن ابنه من بعده
لخليق للإمارة " .
- 2 - لشد ما يعتلج العجب في نفوس المتفكرين من
هذا الحادث ، فيعجب الإنسان .
" أولا " - أن تسند قيادة أعظم
جيش إسلامي يومئذ ، في ذلك الظرف الدقيق الذي وصفناه ، في مرض النبي ، إلى شاب
يافع لم يتجاوز العشرين من سنيه ( على جميع التقادير ) ، وهو لم يجرب الحروب
بعد وبالأصح لم تسند إليه قيادة من هذا النوع ولا من نوع آخر . والجيش معبأ
لجهاد أقوى أعداء الإسلام في ذلك الموقع البعيد عن العاصمة الإسلامية .
" ثانيا " - أن يؤمر هذا الفتى ، مع ذلك ، على
شيوخ المسلمين الذين فيهم قواد الحروب ورؤساء القبائل وأصحاب النبي الذين يرون
لأنفسهم مقاما أسمى ومنزلة رفيعة . ويرشحون أنفسهم لمنصب هو أعظم كثيرا من منصب
قائدهم الصغير هذا .
" ثالثا " - أن يتباطأ المسلمون عن الالتحاق بهذا
البعث بالرغم على إصرار النبي وتشديده النكير على المتخلفين ولعنه
إياهم . ويكفي أن نعرف أن البعث وقع قبيل شكاته أو في أولها
وقد استدامت علته أربعة عشر يوما ( على أوسط التقادير ) . وفي كل هذه المدة
الطويلة يثاقل القوم عن الخروج .
وقد عسكر قائدهم الفتى بالجرف ، وهو عن المدينة بفرسخ واحد ( بعد أن عقد النبي
له الراية بيده الشريفة ) ينتظر جيشه المتمرد أن يجتمع إليه ، فتخلق الإشاعات
عن حال النبي فيرجع أسامة إلى المدينة برايته فيركزها على باب النبي ، ولكن
الرسول في كل مرة يأمره بالعودة ويحث القوم على الالتحاق به .
ولكنه في اليوم الأخير يرجع مرتين في المرة الأولى يأمره النبي بالسير قائلا :
( اغد على بركة الله تعالى ) فيودعه ويخرج ، وفي المرة الثانية يرجع ومعه عمر
وأبو عبيدة فيجد النبي يجود بنفسه ، ثم يلتحق بالرفيق الأعلى .
فماذا دهى المسلمين حتى خالفوا الصريح من أمر النبي هذه المدة الطويلة من غير
حياء منه ولا خجل ولا خوف من الله ورسوله وتوطنوا على غضبه ولعنهم جهارا ،
أتراهم استضعفوا النبي وهو مريض شاك فتمردوا عليه ، أم ماذا ؟
" رابعا " - أن ينكر هؤلاء المسلمون على نبيهم
تأميره لهذا الفتى ، ثم لا يرتدعون إن نهاهم عن ذلك . وليس لهم على كل حال حق
هذا الانكار إذا كانوا حقا قد تغذوا بتعاليم
الإسلام وعرفوا أن النبي لا ينطق عن الهوى وما كان لهم الخيرة
.
( خامسا ) - أن النبي قد علم بقرب أجله ويعلم أن
الفتن قد أقبلت كقطع الليل المظلم ، فكيف يبعد جيشه وقوته عن العاصمة ومركز
الدعوة ، بل كيف يخلي المدينة من شيوخ المهاجرين والأنصار وزعمائهم وأهل الحل
والعقد منهم . فلا بد أن يكون كل ذلك لأمر ما عظيم ، أكثر من هذه الظواهر التي
يتصورها الناس .
- 3 - فهل نجد حلا لهذه المشاكل تطمئن إليه النفس
الحرة ، بعد عرفاننا للنبي وعظمته وأنه لا يفعل ولا يقول إلا عن وحي وسر إلهي .
- لم يصح عندنا تفسير لمشاكل هذا الحادث إلا بأن نقول إنه " ص " أراد :
( أولا ) - أن يهيئ المسلمين
لقبول " قاعدة الكفاية " في ولاية أمورهم ، من ناحية ، عملية ، فليست الشهرة
ولا تقدم العمر هما الأساس لاستحقاق الإمارة والولاية ، فإذا قال عن أسامة
مؤكدا جدارته بالقسم ولام التأكيد : " وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة - يعني
زيدا - وإن ابنه لخليق للإمارة " .
وإذا علمنا أن علي بن أبي طالب هو المهيأ لولاية أمور
المسلمين بعد النبي - على الأقل - أن فرض إنه لم يكن هو المنصوص عليه ، أفلا
يثبت لنا أن قضية أسامة كانت لقبول الناس إمارة علي على صغر سنه يومئذ بالقياس
إلى وجوه المسلمين وكان إذ ذاك لا يتجاوز الثلاثين ؟ وهذا ما يفسر به المشكل
الأول والثاني في هذا البعث .
و( ثانيا ) - أن يبعد عن المدينة ساعة وفاته من
يطمع في الخلافة خشية أن يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه لها في الخلافة . وقد ثبت
عنه إنه كان يتوجس خيفة على أهل بيته ولا سيما على علي ، فوصفهم بأنهم
المظلومون من بعده .
ولذا نراه اوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول إلى
الرئاسة ، ولم يدخل فيه عليا ولا أحدا ممن يميل إليه الذين كانوا له بعد ذلك
شيعة ووافقوه على ترك البيعة لأبي بكر ، فلم يذكر واحد منهم في البعث ، وهم
ليسوا أولئك النكرات الذين لا يذكرون .
وهذا ما يفسر تباطؤ القوم عن البعث وعرقلتهم له بخلق الإشاعات في المعسكر عن
وفاة الرسول ، مع إصراره " ص " ؟ ذلك الاصرار العظيم . ولم يمكنهم أن يصرحوا
بما في نفوسهم ، فاعتذروا بصغر قائدهم ، وفي هذا كل معنى التهجين لرأي النبي
وعصيان أمره الصريح . فكان الغرض إخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الأمر
له ، بعد أن اتضح للنبي أن التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها
للعمل بها عندهم ، كما امتنعوا عن السير تحت لواء أسامة وهو لا يزال في قيد
الحياة ، فقدر أن القوم إذا ذهبوا في بعثهم هذا يرجعون وقد تم كل شئ لخليفته
المنصوب من قبله ، فليس يسعهم إلا أن ينضووا حينئذ تحت جماعة المسلمين ورايتهم
.
و( ثالثا ) - أن يقلل من نزوع المتوثبين للخلافة
، ليقيم الحجة لهم وللناس بأن من يكون مأمورا طائعا لشاب يافع ولا يصلح لإمارة
غزوة مؤقتة كيف يصلح لذلك الأمر العظيم وهو ولاية أمور جميع المسلمين العامة ،
وهي في مقام النبوة وصاحبها أولى بالمؤمنين من أنفسهم .
وزبدة المخض أن بعث أسامة لا يصح أن يفسر إلا بأنه تدبير لإتمام أمر علي بن أبي
طالب بمقتضى الظروف المحيطة به من تقدم النص على علي وقرب أجل النبي " ص " ؟
وعلمه بأن هناك من لا يروق له ولاية ابن عمه ، وبمقتضى الدلائل
الموجودة في الواقعة نفسها : من تأمير فتى يافع وتكديس وجوه
القوم وقوادهم في البعث وعدم دخول علي ومن يميل إليه وامتناع جماعة من الالتحاق
بالجيش وحث النبي على تنفيذه وغضبه من اعتراضهم وتخلفهم ، وهو في مرض الفراق
والظرف دقيق على المسلمين . فهذا البعث في الوقت الذي كان تدبيرا لإخلاء
المدينة
لعلي وحزبه كان حجة على المستصغرين لسنه ودليلا على عدم صلاح
غيره لهذا المنصب العظيم . فإذا كان الاخلاء لم يتم لتمانع القوم وعرقلتهم
للبعث فإن الحجة ثابتة مع الدهر .
ولا يصح للباحث أن يدعي إن السبب الحقيقي لتخلف القوم هو ما تظاهروا به من عدم
الرضى بإمارة قائدهم الصغير ، وإن تذرعوا به عذرا لإخفاء تلك الشنشنة التي
عرفها النبي من أخزم ، لأنا نرى أن لو كان هذا هو السبب الحقيقي ، لما تنفذ
البعث بعد أن تم أمر الخلافة الذي به زال المانع الحقيقي ،
والمسلمون إلى النبي أطوع منهم إلى أبي بكر لو كان يمنعهم صغر القائد . ولم
يتأب عمر نفسه بعد ذلك أن يخاطب أسامة بالأمير طيلة حياته اعترافا بإمارته .
أما الشفقة على النبي - إن لم تكن عذرا آخر
تذرعوا به - فلا يصح أن تكون سببا حقيقيا ، إذ ينبغي أن يكونوا عليه أشفق
بالتحاقهم بالبعث ، وقد غضب أشد الغضب من تأخرهم على ما فيه من حال ومرض .
ولئن ذهبوا يسألون عنه الركبان كان أكثر برا بنبيهم من أن يعصوا أمره ويغضبوه
ذلك الغضب المؤلم له .
ولو أن القوم كانوا قد امتثلوا الأمر لأصابوا خيرا كثيرا
ولتبدل سير التأريخ ومجرى الحوادث تبدلا قد لا يحيط به حتى الخيال " ولو أن أهل
القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم
بما كانوا يكسبون "
ولما وقع ما وقع بعد ذلك من خلاف بين المسلمين وتطاحن وحروب
دموية أنهكت قوى الإسلام وأضعفت روحية الدين حتى انفصمت عرى الجامعة الإسلامية
سريعا وانتهكت حرمات الأحكام الدينية ، فعاد الإسلام كما نشاهد اليوم غريبا كما
بدئ .
أي أمر عظيم وتدبير حازم صنعه النبي لسد باب كل خلاف يحدث ؟ " وكل أفعاله عظيمة
" لو تم ما أراد . ولكن لا أمر لمن لا يطاع .