لا يشك التأريخ إن عليا عليه السلام - كما قدمنا - لم يكن على علم من اجتماع
الأنصار في سقيفتهم ، حتى بعد ذهاب الثلاثة من حزب المهاجرين متكتمين ، وهم أبو
بكر وعمر إذ ذهبا يتقاودان - على حد تعبير الطبري في تاريخه - وتبعهما أبو
عبيدة .
بل لم يعلم الإمام بما تم في السقيفة إلا بعد خروجهم إلى المسجد في ضجيجهم "
وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو محتجز يحث الناس على البيعة " ،
فبلغه تكبيرهم ، وهو مشغول - لا يزال - في جهاز النبي . ولم يخرج إليهم إلا في
اليوم الثاني .
وأول شئ يبدو دليلا على افتيات القوم عليه بالمشهورة ، وهم يشعرون بأنهم في
مقام الخصومية له أنهم لم يخبروه بحادث اجتماع الأنصار عندما أسر عمر إلى أبي
بكر وهو في بيت الرسول بالخبر ، وهما أيضا لم يخبرا أحدا غير أبي عبيدة الذي
تبعهما وحده حيث الاجتماع السري ، مع أن مثل الإمام أولى
الناس بتدارك هذا الموقف الدقيق إن كان في اجتماع الأنصار خطر على الإسلام أو
فتنة ، والأمور جارية على ظواهرها الطبيعية بين الإمام وبين هذه الجماعة .
ثم الأغرب أنهم لم يدعوه للمشاورة بل حتى للبيعة قبل أن يتم كل شئ ينتظر لبيعة
أبي بكر .
ولا ينتهي التساؤل عما إذا
ينبغي أن يرسلوا إليه من يخبره بالأمر على الأقل ! أما كانوا
على حسن نية معه أو ثقة بموافقته لهم ورضاه ؟
نعم ! لقد وجدناهم قد قضوا أمرهم بينهم ، ودعوا الناس إلى
البيعة أشتاتا ومجتمعين ، مستشعرين الكفاح والخصومة بل الخوف أمام حزب علي .
ولذا انتهزوا فرصة انشغاله وانشغال أصحابه وبني هاشم بجهاز سيدهم .
ويشهد لهذا قول الطبري في تاريخه : " وجاءت أسلم فبايعت فقوي بهم جانب أبي بكر
وبايعه الناس " ، تأمل كلمة ( فقوي بهم جانب أبي بكر ) ، لتفهم أن هناك جانبين
متخاصمين يقوي أحدهما ويضعف الآخر ، وليس المراد بالجانب الآخر الأنصار لأنهم
قد بايعوا في السقيفة ولم يبق إلا سعد بن عبادة وابنه ، وليس له كبير اهتمام
وقد أهملت بيعته حسب إشارة بعض أبناء عمه .
أما علي فقد قلنا إنه جاءه الخبر عفوا لما سمع تكبير القوم في المسجد وهو حول
النبي مشغول بجهازه . ولما بلغته حجتهم على الأنصار لم يكتم نقدها ، فقال كما
في نهج البلاغة : " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة " .
قلنا في آخر الفصل الأول إنه لماذا لم يطالب الإمام
صراحة بالنص عليه بالخلافة ، وهنا نقول : إنه مع ذلك لم يكتم
رأيه في بيعة السقيفة ، فإن التأريخ لا يشك ، عند من ينظر إليه نظرة فحص وتمحيص
، أنه كان ناقما على ما أسرعوا إليه من بيعة أبي بكر ، وكان يعدها غضبا لحقه ،
فلم يلاق
الحادث إلا بالاستغراب والاستنكار كما يبدو من كلمته السابقة
التي قرأتها أخيرا ، ومن كلمات كثيرة منبثة في نهج البلاغة وغيره وأهمها الخطبة
الشقشقية . وأقل ما يقال في إنكاره تخلفه عن البيعة حتى ماتت فاطمة الزهراء
عليها السلام .
على أن من الظلم نقول : إن الإمام تخلف عن البيعة ، وهو صاحب
الأمر الذي يجب أن يؤتى إليه ، وإنما الحق أن نقول : إن الناس هم الذين تخلفوا
عنه .
وأول إعلان له عن رأيه كان عند خروجه في اليوم
الثاني من السقيفة بعد البيعة العامة - كما في مروج الذهب - فقال لأبي بكر :
" أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا "
.
وهذا القول صرخة في وجه الاستئثار عليه ، وتصريح بعدم الرضى بما تم ، وليس علي
ممن يداجي أو يخاتل ولا ممن تأخذه في الله لومة لائم . ولذلك هم كانوا يفرون من
التحرش به قبل تمام البيعة خوف إعلان خصومتهم ، فنرى أبا بكر في جواب كلامه
السابق يعترف له ويقول : " بلى ! ولكن خشيت الفتنة " .
ويسكت التأريخ عن ذكر جواب الإمام ، أفتراه اقتنع
بكلمة أبي بكر أو أغضى عن جوابها أو التأريخ أهمل الجواب .
ولكن عليا نفسه يقول من خطبة له عن هذه الحادثة :
" فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب كأنه لا يدري
ما يجيبني به " .
ولئن فرض إنه سكت هذه المرة فإنه لم يترك الدعوة إلى نفسه
واستنكار حادث السقيفة ، وإن بايع بعد ذلك فلم يبايع عن طيبة خاطر واطمئنان إلى
الوضع ، وهو الذي يقول بالصراحة في الشقشقية : " فصبرت
وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا " .
ثم التأريخ يحدثنا إنه لم يبايع إلا بعد أن صرفت عنه وجوه الناس بموت فاطمة
الزهراء . وكم تذمر وتظلم من دفعه عن حقه مثل قوله من كلام له في النهج :
" فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض نبيه
صلى الله عليه وآله وسلم حتى يوم الناس هذا " ويشير بهذا اليوم إلى عصره
في خلافته * * *
هذا هو الصريح الواضح من رأي الإمام في بيعة السقيفة وما وقع بعدها . ويكفي
النظر في الشقشقية وحدها ، غير أن التأريخ قد يحاول أن يكتم هذه الصراحة ، لأنه
لا ينكر على كل حال أن عليا مع الحق والحق مع علي ، فلا
يمكنه أن يتهمه بالحيدة عن طريق الحق إذا اعترف بهذا الرأي
منه ، وهو - أعني التأريخ - يريد أن يصحح ما وقع يوم السقيفة الذي لا يصح من
دون رضى صاحب الحق وموافقته ، فيركن إلى المداورة .
ولكن في الحقيقة لا بد أن تتم على نفسها ، فإنه جاء في صحيحي البخاري ومسلم عدا
كتب التأريخ والسير ما لا يخرج عن هذا القول : " إن وجوه الناس كانت إليه
وفاطمة باقية فلما ماتت انصرفت وجوه الناس عنه وخرج من بيته فبايع أبا بكر
وكانت مدة بقائها بعد أبيها ستة أشهر " .
وجاء ما هو أصرح من كل ذلك في جوابه لكتاب لمعاوية ، إذ يتهمه معاوية بالبغي
على الخلفاء والإبطاء عنهم وكراهية أمرهم ، فيقول الإمام منكرا لبعض التهم
ومعترفا بالبعض الآخر : " فأما البغي فمعاذ الله أن يكون وأما الابطاء
والكراهية لأمرهم فلست اعتذر إلى الناس في ذلك ) ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) راجع شرح النهج ( 3 : 409 ) . ( *
)
|
|
|