3 - الموقف الدقيق
يظهر للمتتبع أن الإمام كان يرى - عطفا على رأيه السابق - وجوب مناهضة القوم
حتى يأخذ حقه منهم .
ويستشعر ذلك من سيرته معهم ومن كثير من أقواله التي منها قوله في الشقشقية عن
حربه لأهل الجمل ومعاوية : " أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر
وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم
ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها " .
فانظر إلى موقع كلمته : " لسقيت آخرها بكأس أولها " ، فإنه يريد أن يقول : إن
زهدي بالدنيا يدعو إلى أن أترك حقي في المرة الأخيرة كما تركته في المرة الأولى
، ولكن الفرق كبير بين الحالين : ففي الأولى لم تقم علي الحجة في القتال لفقدان
الناصر دون هذه المرة ، فلا يسعني أن أعرض عنها هذه المرة
وأسقيها بالكأس الذي سقيت به أولها يوم طويت عنها كشحا وصبرت على القذى .
وأصرح من ذلك ما كان يقوله : " لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم "
وهذا ما عده معاوية من ذنوبه ، وذلك فيما كتب إليه من قوله : " فمهما نسيت فلا
أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم
لناهضت القوم ، فما يوم المسلمين منك بواحد " ، ولم ينكر أمير
المؤمنين عليه السلام هذا القول في جوابه على هذا الكتاب . وفي التاريخ مقتطفات
تؤيد ذلك ، كما في تأريخ
اليعقوبي : إن أصحابه الذين كانوا يجتمعون إليه طالبوه
بمناهضة القوم وتعهدوا بالنصرة ، وكأنهم ظنوا أن قد بلغوا العدد المطلوب " 40
ذوي عزم " فقال لهم : اغدوا على هذا محلقي الرؤس ، وهو إنما يريد أن يريهم أنهم
لم يبلغوا المنزلة التي تقام بها الحجة ، فلم يعد عليه إلا ثلاثة نفر .
وإذا كان هذا رأيه في المناهضة للقوم يبلغ - يا سبحان الله - هذه الشدة
والصرامة فماذا تراه صانعا ؟ لنتركه الآن يحدثنا هو عن نفسه وموقفه الدقيق ، إذ
يقول من الشقشقية : " وطفت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء
يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه " .
ثم يبين لنا كيف أن يده جذاء من خطبة ثانية . " نظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل
بيتي فظننت بهم على ا ت ؟ ؟ " .
فهو إذن بين أمرين لا ثالث لهما : إما المغامرة بما عنده من
أهل بيته ، وإما الرضوخ للأمر الواقع ، أما الحالة الأولى ففيها خطر على
الإسلام لا يتدارك فإنه إذا قتل هو وآل بيته ارتفع الثقل الثاني من الأرض "
عترة الرسول " وافترق عن عديله
القرآن الكريم وهناك الضلالة التي لا هداية معها ، وقد قال
النبي : " لا تضلوا ما أن تمسكتم بهما أبدا " أو " لن يفترقا حتى يردا علي
الحوض " وأما الحالة الثانية فإن في الصبر على هضم حقوقه إضاعة لوصية النبي ،
وتعطيل لنصبه إياه إماما وخليفة من بعده .
فأي الأمرين هو أولى بالرعاية لحفظ بيضة الإسلام ؟
وأنى لنا أن نتحكم في ترجيح أحد الأمرين ، ونعرف الإمام واجبه
في هذا الأمر ؟ !
وما بالنا نذهب بعيدا ، فإنا نعرف ما صنع الإمام ، إنه استسلم للقوم وبايع كما
بايع الناس بالأخير ، وقد قرر الرأي الأخير بعد أن طفق يرتئي بين أن يصول بيد
جذاء أو يصبر على طخية عمياء عندما قال : " فرأيت الصبر على هاتا أحجى " فسدل
دونها حينئذ ثوبا وطوى عنها كشحا .
على أنه لا يضيع وجه الرأي على الناظر في هذا الأمر ليعرف كيف كان الصبر أحجى ،
لأنه لو نهض في وجه القوم مع قلة الناصر وحسد العرب له وترات قريش عنده ، لكان
المغلوب على أمره ، وعندئذ يصبح نسيا منسيا ، ولربما لا يحفظه التأريخ إلا
باغيا بغى على الدين كأولئك أصحاب الردة ، فقتل " بسيف الإسلام " وأضيع مع ذلك
النص على خلافته .
وقد رأيناه مع بقائه حيا وانتهاء الأمر إليه بعد ذلك كيف غمط حقه وأعلن سبه
وبقي الشك فيه إلى يوم الناس هذا ! وقد أشار إلى ذلك في كلامه لعمه العباس وأبي
سفيان لما طلبا بيعته ، إذ قال لهما : " أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح . .
. ثم قال : ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه "
حقا ، لا ينهض في هذا الموقف إلا من لا يبالي إلا بالحرص على
الملك ومطاولة الناس مهما كانت النتائج على الدين والصالح العام ، وأمير
المؤمنين أحرص على الإسلام من أن يغرر به لأمر يقول عنه : " إنه ماء آجن ولقمة
يغص بها آكلها " .
ولا يساوي عنده نعله التي لا تسوى درهما ، إلا إذا كان يقيم
حقا أو يدحض باطلا . ولذلك ، ينصح الناس في كلامه الذي أشرنا إليه مع العباس
وأبي سفيان ، وهما يحثانه على قبول البيعة ، فيقول : " شقوا أمواج الفتن بسفن
النجاة وعرجوا عن طريق المناظرة ، وضعوا عن تيجان المفاخرة " .
وكأنه في كلامه هذا يحس منهما إذ دعواه لهذا الأمر الآنفة من الخضوع لأخي تيم ،
و ( تيم ) على حد تعبير أبي سفيان أقل حي في قريش ، فهما ينظران إلى الأمر من
ناحيته القبلية ، والعصبية الجاهلية . أما فقهه هو فكما قال من كتاب له في جواب
معاوية في خصوص هذا الأمر : " وما على المسلم من غضاضة في أن
يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه " ، وهو غير فقههما فإن العباس مشى إليه
أبو بكر وجماعة ليلا ، لما عرفوا موقفه ، فأطمع في الخلافة له ولولده ، بعد
نقاش انتهى بالإعراض عن النزاع .
وأما أبو سفيان فقد نقل ابن أبي الحديد ( 1 : 30 ) وغيره أن عمر كلم أبا بكر
فقال إن أبا سفيان قد قدم وإنا لا نأمن شره ، فدفع له ما في يده فتركه ، وكان
أبو سفيان قد بعث قبل وفاة النبي على الصدقات .
ثم لنفترض ثانيا أنه ما كان ليقتل لو ناهض القوم ولكن مع ذلك
فالصبر على ترك حقه كان أحجى وأجدر لأن منازعتهم كانت - لا شك - تجر إلى الفتنة
وتبعث على الفرقة ، والإسلام بعد لم يتغلغل في نفوس العرب ولم يضرب جرانه في
الجزيرة ، وقد اشرأبت الأعناق للانتقاض عليه .
فهو إذ وطن نفسه على ما هو أمر من طعم العلقم كما يقول بالتنازل عن حقه ، كان
يخاف ويخشى ، ولكن لا على الحياة - وهو هو ابن أبي طالب في شجاعته واستهانته
بالحياة ، الذي كان يقول : والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها -
بل كان خوفه على الدين من التصدع وعلى جامعته من التفرق ،
فسالم إبقاء لكلمة الإسلام واتقاء للخلاف والشقاق في صفوف المسلمين فيرتدوا
جميعا على أعقابهم ، والمفروض ليس عنده القوة الكافية لا ظهار كلمة الحق وإقامة
السلطان .
وهو يشير إلى هذا الخوف فيما يقول في هذا الصدد من خطبته في
النهج : " ما شككت في الحق مذ رأيته . لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه
. أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال . اليوم توافقنا على سبيل الحق والباطل من
وثق بماء لم
يظمأ " . فهو في هذه الكلمة يتأسى بموسى عليه السلام إذ رموه
بالخيفة ولكن فرقا بين الخوف على الحياة والخوف من غلبة الباطل : وهذا أفضل
تفسير لقوله تعالى : " فأوجس في نفسه خيفة " وفيه تبرئة لنبي الله من الوهن
والشك وما أدق
معنى كلمة " من وثق بماء لم يظمأ " بعد تقديم قوله : " ما
شككت في الحق مذ رأيته " وقد رأى الحق وهو ابن عشر سنين ! .
ويوضح لنا ذلك جوابه المشهور لأبي سفيان لما جاءه مستفزا على
أبي بكر وهو يقول : " فوالله لئن شئت لأملؤها خيلا ورجلا " وأنت تعرف ما قال له
الإمام أنه قال : " أنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وأنك والله طالما بغيب
للإسلام شرا لا
حاجة لنا في نصيحتك " ما أعظم هذه الصرامة والصراحة منه لمن
يريد أن يبذل نفسه وقومه في ظاهر الحال ناصرا ومعينا على خصومه وهو يشكو فقد
الناصر .
نعم أن الدين الذي بذل له مهجته كان عنده فوق جميع الاعتبارات ، وإن استهان به
غيره ، وقد رأينا أبا سفيان كيف أسرع في الرجوع عن وعده ووعيده لما تركوا له ما
في يده .
وأمير المؤمنين قد صرح بغرضه هذا بعد ذلك في جوابه الذي أشرنا إليه عن كتاب
معاوية كما في النهج والعقد الفريد إذ قال عن إبائه على أبي سفيان : " حتى كنت
أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الإسلام " .