|
- السقيفة : الشيخ
محمد رضا المظفر ص 31 - |
الفصل الأول موقف النبي تجاه
الخلافة
1 - هل كان يعلم بأمر الخلافة ؟
هل تجد من نفسك الميل إلى الاعتقاد بأن النبي صلى الله عليه
وآله كان لا يعلم بما سيجري بعده : من خلافات وحوادث من أجل الخلافة ؟
وهل تراه كان غافلا عما يجب في هذا
السبيل ؟ .
إذاً كان لك هذا الميل فلا كلام لي معك ، وأرجو منك - يا قارئي العزيز علي - أن
تلقي الكتاب عندئذ عنك ولا تتعب نفسك بالاستمرار معي إلى آخر الحديث ، لأني
افرض قارئي مسلما يؤمن بالنبي ورسالته ، ويعرف من تأريخه ما يكفيه في طرد هذا
الوهم .
فإن من يمت إلى الإسلام بصلة العقيدة لا بد أن يثبت عنده على الأقل أن صاحبه
صرح في مقامات كثيرة بما ستحدثه أمته من بعده فقد قال غير مرة : ( ستفترق أمتي
على ثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار ) .
وأكثر من ذلك أنه لم يستثن من أصحابه إلا مثل همل النعم ، ثم
هم يدخلون النار بارتدادهم بعده على أدبارهم القهقري ، أو يردون عليه الحوض
فيختلجون بما أحدثوا بعده .
وفي بعض الأحاديث : ( فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين على
أعقابهم منذ فارقتهم ) ( 1 ) واخبرهم أنهم يتبعون سنن من قبلهم شبرا بشبر
وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعوهم .
و ( الخلافة ) أمر كانت تحدثه به نفسه الشريفة ، ويشير إليها أنها ستكون ملكا
عضوضا بعد الثلاثين سنة .
وثبت أنه قال : ( هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة
كلهم من قريش ) .
وقال : ( من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ) . وقال . .
. وقال . . . إلى ما لا يحصى .
وسيرته والأحاديث عنه - وما أكثرها - تشهد شهادة قطعية
على ما كان من اختلاف أمته ، وعلى أن الخلافة والإمامة من أولى القضايا التي
كانت نصب عينيه .
2 - هل وضع حلا للخلاف ؟ إذن كان صلى الله
عليه وآله عالما بأن الدهر سيقلب لأمته صفحة مملؤة بالحوادث والفتن ، والخلافات
والمحن ، وأن لا بد لهم من خلافة وإمارة .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 8 : 107 وغيره . ( * )
|
|
|
فلا بد أن نفرض أنه قد وضع حلا مرضيا لهذا الأمر يكون حدا
للمنازعات وقاعدة يرجع إليها الناس ، لتكون حجة على المنافقين والمعاندين ،
وسلاحا للمؤمنين ، ما دمنا نعتقد أنه نبي مرسل جاء بشيرا ونذيرا للعالمين إلى
يوم يبعثون ، فلم يكن دينه خاصا بعصره ، ليترك أمته من بعده سدى من غير راع أو
طريقة يتبعونها ، مع علمه بافتراق أمته في ذلك .
ولا يصح من حاكم عادل أن يحكم بنجاة فرقة واحدة على الصدفة من دون بيان وحجة
تكون سببا لنجاتهم باتباعها ، وسببا لهلاك باقي الفرق بتركها .
لنفرض أن الحديث والتأريخ لم يسجلا لنا الحل الذي نطمئن إليه ، فهل يصح أن
نصدقهما بهذا الاهمال ، ونوافقهما على أن النبي ترك أمته سدى ، وفي فوضوية لا
حد لها يختلفون ويتضاربون ؟ ، ثم يتقاتلون ، وتراق آلاف آلاف الدماء السلمة ،
ساكتا عن أعظم أمر مني به الإسلام والمسلمون ، مع أنه كان على
علم به ؟ .
ولو كنا نصدقها مستسلمين لكذبنا عقولنا وتفكيرنا ، فإن
الإسلام جاء رحمة لينقذ العالم الإسلامي من الهمجية والجاهلية الأولى ، فكيف
يقر تلك المجازر البشرية في أقصى حدودها ، تلك المجازر التي لم يحدث التأريخ عن
مثلها ولا عن بعض منها في عصر الجاهليين .
فما علينا إلا أن نتهم التأريخ والحديث بالكتمان وتشويه
الحقيقة بقصد أو بغير قصد .
ولئن لم يكن محمد نبيا مرسلا يعلم عن وحي ويحكم بوحي فليكن - على الأقل - أعظم
سياسي في العالم كله لا أعظم منه ، فكيف يخفى عليه مثل هذا الأمر العظيم لصلاح
الأمة بل العالم بأسره مدى الدهر ، أو يعلم به ولا يضع له حدا فاصلا ؟ .
وهل يرضى لنفسه عاقل يتولى شئون بلده فضلا عن أمة ، أن يتركها تحت رحمة الأهواء
واختلاف الآراء ولو لأمد محدود ، وهو قادر على إصلاحها أو التنويه عن إصلاحها ،
إلا أن يكون مسلوبا من كل رحمة وإنسانية ؟
حاشا نبينا الأكرم من جاء رحمة للعالمين ومتمما لمكارم الأخلاق وخاتما للنبيين
! وقد قال الله تعالى على لسانه بعد حجة الوداع : (
اليوم أكملت لكم دينكم ) . وقد وجدناه نفسه لا يترك حتى المدينة المنورة
، إذا خرج لحرب أو غزاة ، من غير
أمير يخلفه عليها ، فكيف نصدق عنه أنه أهمل أمر هذه الأمة
العظيمة بعده إلى آخر الدهر ، من دون وضع قاعدة يرجعون إليها أو تعيين خلف بعده
.
|