موقف الإمام علي

 

 

- السيف والسياسة - صالح الورداني ص 54 :

موقف الإمام علي


كان هذا العرض التاريخي على جانب الأنصار وقطاع من المهاجرين القريشيين . إلا أنه هناك جانب آخر من قريش كان بعيدا عن السقيفة . وهذا الجانب يملك رصيدا أقوى من رصيد قطاع أبو بكر وعمر ومن تابعهما . يملك رصيدا شرعيا .

ويملك رصيدا جماهيريا . . ويملك رصدا تاريخيا . ويملك وزنا أكبر في قريش . . ذلك الجانب هو جانب الهاشميين بزعامة آل بيت النبي والذي كان مشغولا بتجهيز الرسول للدفن بينما القوم يتصارعون في السقيفة . .


ويروى في نهج البلاغة أن عليا سأل عما حدث في السقيفة . فقال : ماذا قالت قريش . ؟ قالوا : احتجت قريش بأنها شجرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال علي : احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ( 13 )


وتروي كتب التاريخ روايات تشير إلى صدامات وقعت بين جناح الهاشميين بقيادة الإمام علي وجناح القريشيين بقيادة عمر بن الخطاب . وكان الصدام الأول بين فاطمة وبين أبي بكر حين طالبته بميراث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في فدك ورفضه طلبها محتجا بحديث رواه هو . .
 

 

* هامش *

 

 

( 13 ) المراجع السابق . والمقصود بالثمرة آل البيت . . . ( * )

 

- ص 54 -

يقول أبو بكر : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نحن معشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة . ( 14 )


ومن المعروف أن فاطمة خاصمت أبي بكر وهجرته غاضبة حتى ماتت فدفنها علي ( ع ) ليلا في خفية عن القوم . وكانت وفاتها بعد وفاة الرسول بستة أشهر . . ( 15 ) .


وكما كان عمر يحرض أبي بكر على سعد . أصبح يحرضه على علي ويطالبه بحسم الأمر معه وإجباره على البيعة له لما يشكله موقفه من خطورة على استقرار الحكم القبلي الذي أرسى دعائمه ويعد نفسه لقطف ثمرته . . إن عليا لم يكن وحده

فقد كان معه بني هاشم وكثير من العناصر الفاعلة في المجتمع المدني من الأنصار والمهاجرين مثل العباس وعمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي وبلال بن رباح والمقداد وجابر بن عبد الله وابن عباس وغيرهم . .


وتروي الروايات أن عمر هم بإحراق بيت فاطمة الذي كان مقرا للقطاع المعارض لحكم أبي بكر بقيادة الإمام علي ( 16 ) ويبدو أن ممارسات عمر هذه قد زادت من حدة العداء بينه وبين الإمام علي .


يروي الطبري أن عليا أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد ( يقصد عمر ) . . فقال عمر لأبي بكر : والله لا تدخل عليهم وحدك . .

 

* هامش *

 

 

( 14 ) أنظر مسلم كتاب الجهاد والسير والبخاري

( 15 )
أنظر فتح الباري ب 7 / 105 . . وانظر تفاصيل الصدام بين فاطمة وأبي بكر في البداية والنهاية لابن كثير ج6. وكتب التاريخ الأخرى . وكان الهدف عن حجب ميراث فاطمة هو محاصرة آل البيت اقتصاديا من أجل إضعافهم . ومما يدل على أن موقف أبو بكر هذا نابع من القبلية والسياسة أن عمر بن عبد العزيز رد ميراث فدك لآل البيت . ويلاحظ أن موقف أبو بكر هنا مخالف لنصوص القرآن مثل قوله تعالى ( وورث سليمان داود ) وقوله ( يرثني ويرث آل يعقوب ) . . .

( 16 )
- أنظر تاريخ الطبري ج3 / 198 والملل والنحل للشهرستاني ج1 / 75 والإمامة والسياسة لابن قتيبة ج1 / 12 .
          وتاريخ أبي الفداء ج1 / 56 واليعقوبي 2 / 105 . . ( * )

 

- ص 55 -

فقال أبو بكر : وما عساهم أن يفعلوا بي . . والله لآتينهم إلا منفردا . . فدخل أبو بكر على بني هاشم وفيهم علي والعباس . فاستقبلوه استقبالا حسنا . ( 17 )


ويروي المسعودي : ولما بويع أبو بكر في يوم السقيفة وجددت البيعة له يوم الثلاثاء على العامة خرج علي فقال : أفسدت علينا أمورنا ولم تستشر . ولم ترع لنا حقا . . فقال أبو بكر : بلى . ولكني خشيت الفتنة . وكان للمهاجرين والأنصار يوم

السقيفة خطب طويل . ومجاذبة في الإمامة . وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع . فصار إلى الشام . فقتل هناك في سنة خمس عشرة . وليس كتابنا هذا موضعا لخبر مقتله . ولم يبايع أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة ( 18 ) .


وينقل في كتب التراجم والتاريخ الكثير من الروايات التي تنسب لأبي بكر وعمر وعمر بن العاص وابن عمر وغيرهم وذلك في وقت الاحتضار وهم على مشارف الموت . تلك الروايات التي تشير إلى ندمهم الشديد على ما اقترفوه في حياتهم بسبب السياسة .


يروي المسعودي عن أبي بكر : ولما احتضر قال : ما آسى على شئ إلا على ثلاث فعلتها وددت أني تركتها . وثلاث تركتها وددت أني فعلتها . وثلاث وددت أني سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنها : فأما الثلاث التي وددت أني تركتها :

فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة وذكر في ذلك كلاما كثيرا . وودت أني لم أكن قد حرقت الفجاءة وأطلقته نجيحا أو قتلته صريحا . ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميرا وكنت وزيرا .
 

 

* هامش *

 

 

( 17 ) أنظر تاريخ الطبري . .

( 18 ) أنظر الطبري ومروج الذهب - للمسعودي . . ( * )

 

- ص 56 -

والثلاث التي تركتها ووددت أني فعلتها : وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا ضربت عنقه . فأنه قد خيل لي أنه لا يرى شرا إلا أعانه . ووددت أني كنت قد قذفت المشرق بعمر بن الخطاب . فكنت قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله .

وودت أني يوم جهزت جيش الردة ورجعت أقمت مكاني فإن سلم المسلمون سلموا . وإن كان غير ذلك كنت صدق اللقاء أو مددا . والثلاث التي وددت أني سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنها . وددت أني كنت سألته في من هذا الأمر فلا

ينازع الأمر أهله . ووددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ فإن بنفسي منها حاجة . ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فنعطيهم إياه . ( 19 )


ولم يكن الصراع على الحكم ينحصر بين الأنصار وبين قطاع أبو بكر وعمر من المهاجرين إنما كانت هناك قطاعات أخرى تتطلع إلى الحكم من قريش على رأسها قطاع السفيانيين الذين تزعمهم أبو سفيان بن حرب الذي فقد سلطانه ونفوذه بعد فتح مكة . . ولم يكن أمام أبو سفيان الذي لا توجد له شوكة في المدينة سوى تحريض الإمام علي على المجتمعين في السقيفة . .


يروي الطبري أن أبا سفيان قال للإمام : ما بال هذا الأمر ( الخلافة ) في أذل قبيلة من قريش وأقلها . والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا . . وكان جواب الإمام : ما زلت عدوا للإسلام وأهله فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا . والله ما أريد أن

تملأها عليه خيلا ورجالا ولو رأينا أبا بكر لذلك أهلا ما خليناه وإياها . يا أبا سفيان إن المؤمنين قوم نصحه بعضهم لبعض متوادون . وإن بعدت ديارهم وأبدانهم وأن المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض . . ( 20 )
 

 

* هامش *

 

 

( 19 ) أنظر مروج الذهب .

( 20 ) أنظر الطبري ج2 / 449 الإستيعاب لابن عبد البر . ( * )

 

- ص 57 -

ويروي الطبري أيضا أن الإمام علي سارع ببيعة أبي بكر ولزم مجلسه وهناك روايات أخرى تقول أنه بايع بعد ستة أشهر وبايع بعده شيعته من الصحابة . . ( 21 )


يقول الإمام : فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام . يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدفا تكون المصيبة به علي أعظم من موت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب . فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه . . ( 22 )


ومثل هذه الروايات التي تتحدث عن بيعة الإمام لأبي بكر سواء كانت قبل ستة شهور أو بعد هذه المدة أو حتى بعد دفن الرسول مباشرة .
 

إنما تؤكد حقيقة واحدة وهي أن الإمام كان له موقف مما جرى بالسقيفة بشكل عام ومن أبي بكر وعمر بشكل خاص .


إن تسامح الإمام في أمر البيعة لا يعني تخليه عن موقفه الفكري والعقائدي تجاه هذا الخط القبلي الذي بدأت توضع قواعده أمامه . فهذا التسامح لا يخرج عن كونه موقفا سياسيا في مواجهة الأمر الواقع .


فالإمام لم يتنازل عن قضيته ولكن تنازل عن شخصه من أجل حفظ قضيته التي تعكس الجوهر الحقيقي للإسلام . . لقد كان الإمام مخير بين أن يتنازل عن إمامته من أجل الحفاظ على الإسلام أو يصطدم الواقع وتكون النتيجة خسارة الإسلام وخسارة الإمامة فقد كانت جيوب المنافقين بالمجتمع المدني قوية وكانت القبلية مستشرية . هذا على مستوى الداخل .


أما على مستوى الخارج فكانت هناك قوى الروم والفرس تتربص بالمسلمين . . إن الانحراف في عصر أبي بكر لم يكن كبيرا إلى الحد الذي يستفز الإمام . ويؤرقه . إنما الانحراف الأكبر برز في عصر عثمان . وهنا تغير موقف الإمام .
 

 

* هامش *

 

 

 ( 21 ) أنظر الطبري . .

( 22 ) نهج البلاغة ح‍ . . 1 / خطبة رقم 3 . ( * )

 

- ص 58 -

وتعايش الإمام مع عصر الخليفة الأول والثاني يبرهن به البعض على شرعية هذين العصرين حيث أن الإمام اعترف بشرعيتهما ولم يصطدم بهما . .


وفات هؤلاء إن هناك فرق بين التعايش والرضا . . وفات هؤلاء إن الإمام تعايش مع واقع الخلفاء تعايش العالم المتميز . تعايش العالم المدرك لحقائق الأمور حيث أنه قد نبأ من قبل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بتصورات الأحداث من بعده .

والبون شاسع بين من يفاجأ بظهور انحراف من جهة لم يكن يتوقع الانحراف منها . وبين من لعلم بحدوث هذا الانحراف مسبقا . . ومن بين الروايات التي تؤكد علم الإمام بهذه الحوادث . .


قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : يا علي . قاتلت على التنزيل وأنت تقاتل على التأويل . . ( 23 ) .


أي أن الرسول قاتل المشركين الذين كفروا بما أنزل عليه ورفضوا الاعتراف بنبوته أما علي فسوف يقاتل المنتسبين لهذا الدين من المنافقين والمارقين الذين يؤولون النصوص ويستندوا إلى هذا التأويل في تبرير الانحراف والفساد ونسبته إلى الدين . .


وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : يأتي على الناس زمان يكون فيه حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون بقول خير البرية ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . لا يجاور إيمانهم حناجرهم تحقر صلاتك خلف صلاتهم إذا وجدتموهم فاقتلوهم . . ( 24 )


وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش . قال أبو هريرة الرواي إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان . . ( 26 )
 

 

* هامش *

 

 

( 23 ) أنظر مسند أحمد ج3 / 82 .
( 24 )
أنظر مسلم بشرح النووي ج3 . ( 26 ) أنظر البخاري كتاب الفتن والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا لم يصرح بهم أبو هريرة ؟ . وفي هذا النص إشارة إلى ردة الصحابة من بعد الرسول . أنظر أحاديث الحوض في البخاري . . ( * )

 

- ص 59 -

وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ( 27 )

وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لعمار تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار ( 28 )

وحديث السر الذي كشفته عائشة وحفصة في سورة التحريم ذلك السر الذي كان يتعلق بموقف كلا من أي بكر وعمر بعد وفاة الرسول . . ( 29 ) .


إن مثل تلك الروايات إنما تشير إلى أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قد أجلى الأمور أمام الأمة وحدد لها معالم الانحراف عن خط الإسلام . وهي تشير أيضا إلى أن هناك الكثير من الصحابة الذين كانت لديهم دراية بأخبار الحوادث التي سوف تقع بعد وفاة الرسول مثل حذيفة . . ( 30 )


ومن المعروف أن الإمام علي لم يشهر سيفا بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) إلا على أهل القبلة وقد شهر هذا السيف في وجه عائشة والزبير وطلحة ومعاوية وابن العاص والخوارج . وهذا كله يشير إلى أن لديه علم خاص يبيح له

فعل ذلك . . كما أنه من المعروف أن جميع العقائد والاتجاهات التي خالفت خط الإمام علي وفي مقدمتها عقيدة أهل السنة قد قامت على التأويل . . ( 31 ) .


إن الإمام قد تعايش مع واقع رافض له غير راض عنه لا مستسلما له . وهو فوق ذلك له وضعه المتميز فيه والذي يتلائم مع مكانته وقدره ووزنه . وفد اتخذه كل من الخليفة الأول والثاني مستشارا شرعيا وسياسيا له . . يقول الإمام : أما والله لقد تقمصها فلان - أبو بكر - وإنه ليعلم أن محلي منها
 

 

* هامش *

 

 

( 27 ) المرجع السابق ( 28 ) أنظر مسلم ( 29 ) أنظر تفسير الكشاف للزمخشري وكتب التفسير الأخرى . .
( 30 )
أنظر رواية البخاري في حذيفة صاحب سر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتاب فضائل الصحابة .
        ورواية كان الناس يسألون الرسول عن الخبر وكنت أسأله عن الشر . كتاب الفتن . وانظر المحطة الخامسة من هذا الكتاب .
( 31 )
أنظر لنا كتاب الخدعة . وكتاب عقائد السنة وعقائد الشيعة . . وانظر المحطة الخامسة من هذا الكتاب . ( * )

 

- ص 60 -

محل القطب من الرحا ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير . فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جزاء أو أصبر طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن

الصبر على هاتا أحجى . فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا . أرى تراثي نهبا حتى مضى الأول لسبيله فأدلى إلى فلان بعده - عمر - فيا عجبا . بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته . لشد ما تشطرا ضرعيها فصيرها في

حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها فصاحبها كراكب الصعبة أن أشنق لها خرم وأن أسلس لها تقحم . فمنى الناس - لعمر الله - بخبط وشماس وتلون واعتراض فصبرت على طول المدة وشدة المحنة . حتى

إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم . فيا لله وللشورى متى أعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا فصغى رجل منهم لضغنه . ومال الآخر لصهره مع هن وهن . . ( 32 )

 

* هامش *

 

 

( 32 ) نهج البلاغة ج1 خطبة رقم 3 ( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب