عمر والاستخلاف
حين طعن عمر جعل الشورى في ستة يختار من بينهم
من يخلفه وهؤلاء الستة هم طلحة والزبير و عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص
وعثمان ثم الإمام علي . .
وبالتأمل في سيرة الخمسة غير الإمام علي نجدهم لا
يمكن بحال أن يتفقوا على الإمام بل هم من خصومه وهم في الأساس من أركان الخط
القبلي الذي أوصل عمر للحكم . . فلماذا اختار عمر هؤلاء الستة وهو يعلم يقينا
أنهم لن يجمعوا على الإمام علي ولن يرضى علي بأحد منهم . . ؟
( 32 ) .
ولقد سارت عملية الشورى بطريقة هزلية لتستقر في النهاية بالخلافة في أحضان الخط
الأموي وكأنه أمر مدبر ومرسوم . .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 32 ) أنظر سيرة الخمسة وتبين
مواقفهم من الرسول ومواقف الرسول منهم ومدى سيطرة الروح القبلية على مواقفهم
وممارساتهم . في كتب التراجم . ( * ) |
فحين تشاور القوم مال الزبير لعلي ومال سعد لعثمان ومال طلحة
لعبد الرحمن ثم انسحب عبد الرحمن ورفض ترشيح نفسه ومال لعثمان لتصبح النتيجة
ثلاثة إلى واحد . ثلاثة مع عثمان وواحد مع علي فعبد الرحمن عندما مال لعثمان
مال طلحة معه . ( 33 ) .
وفي رواية أخرى انتهت النتيجة اثنين في مواجهة اثنين أي
تعادلت الأصوات وهنا عرض عبد الرحمن على الإمام علي أن يبايع على كتاب الله
وسنة رسوله وسنة الشيخين فأبى إلزامه بسنة الشيخين . فطلب من عثمان ذلك فوافق
فأعلن بيعته ( 34 )
والطريف في الأمر أن عثمان حين استخلف واستتب له الأمر خرج على الكتاب والسنة
وسنة الشيخين وكفر به القوم حتى الذين رشحوه واختاروه . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : هل عمل عمر هذا
يطابق الشورى وروح الإسلام . . ؟
والجواب بالطبع لا . فقد كان اختيار عمر لمجموعة الشورى يقوم
على أساس قبلي بحت ولم يكن وضع الإمام علي في هذه المجموعة سوى محاولة للتغطية
على الهدف الحقيقي من وراء اختيار هذه المجموعة التي أشار البعض على عمر أن يضع
ولده عبد الله فيها . ( 35 ) .
لقد سن عمر للخط الأموي بهذا العمل سنة أتاحت له فرصة البروز والحصول على
الشرعية من خلال عثمان . . واستثمار هذه السنة فيما بعد في ضرب فكرة الشورى في
الإسلام ودعم نظام الوراثة . . وجعل الشورى في ستة أفراد متناقضين متنافرين
فضلا عن كونه أمر مغرض
| |
* هامش * |
|
|
|
( 33 ) أنظر
فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 7 / 59 وما
بعدها ، وانظر كتب التاريخ .
( 34 ) المرجع السابق .
( 35 ) أنظر فتح الباري ج7 /67 . ( *
) |
هو يصطدم بالقرآن الذي يقول : وأمرهم شورى بينهم . . ، أي بين
المؤمنين جميعا وليس بين فئة محددة . . ويصطدم بسنة الرسول الذي طبق النص
القرآني وعمل به بين الصحابة وفتح الباب لحرية الرأي الذي أغلقه أبو بكر وعمر
ليفتح الباب على مصراعيه لدكتاتورية الخط الأموي . .
وإذا كان عمر وهو ينازع في حيرة من أمره يستخلف أو لا يستخلف مرددا إن لم
أستخلف فلم يستخلف الذي هو خبر مني - أي الرسول - وإن أستخلف فقد استخلف أبو
بكر . ( 36 ) .
وقد انتهز فرصة حيرة عمر هذه رجل لم تكشف لنا الروايات من يكون . وقال له :
استخلف عبد الله بن عمر . . فقال عمر : قاتلك الله . والله ما أردت الله بهذا .
أستخلف من لم يحسن أن يطلق امرأته . . . ( 37 ) .
إلا أن عمر مال إلى الاستخلاف في حدود مجموعة لن تحيد عن الخط القبلي الذي وضع
أساسه مع أبي بكر وهي في النهاية سوف تستقر على واحد من أنصار هذا الخط ولن
تتجه بحال إلى الحيدة عنه والاتجاه نحو علي . .
وعلى الرغم من موقف عمر من ولده عبد الله وكونه صاحب شخصية ضعيفة تجعل منه عديم
القدرة على اتخاذ القرار . على الرغم من ذلك جعله في أهل المشاورة جبرا لخاطره
.
وقال عمر : إذا اجتمع ثلاثة على رأي وثلاثة على رأي فحكموا عبد الله بن عمر فإن
لم ترضوا بحكمه فقدموا من معه عبد الرحمن بن عوف وإن ولي عثمان فرجل فيه لين
وإن ولي علي فستختلف عليه الناس وإن ولي سعدا وإلا فليستعن به الوالي
( 38 ) .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 36 )
البخاري ومسلم .
( 37 ) أنظر فتح الباري ج7 / 67 .
وانظر تاريخ الخلفاء .
( 38 ) المرجع
السابق . والسؤال هنا لماذا لم يرشح عمر أبو ذر أو
عمار مثلا بدلا من ولده . . ؟ وما يجب ذكر . هنا هو أن ابن عمر هذا
رفض بيعة علي بعد عثمان وبايع معاوية وولده يزيد وقد أطال الله في عمره حتى
لحق بالحجاج وكان يصلي خلفه ومعه أنس بن مالك . أنظر تاريخ ابن عمر في كتب
التراجم . . |
وهكذا يبدو لنا بوضوح أن الأمور تتجه إلى غير صالح الإمام علي
فعبد الله بن عمر لا وزن له و عبد الرحمن حليف عثمان . .
يقول الإمام علي حول هذه الحادثة : لقد قرن بي عثمان . . وقال
كونوا مع الأكثر . ثم قال كونوا مع عبد الرحمن بن عوف . وسعد لا يخالف ابن عمه
عبد الرحمن . وعبد الرحمن صهر لعثمان . . وهم لا يختلفون . فإما أن يوليها عبد
الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن ( 39 )
.
ويبدو أن الإمام قد أقحم في أمر الشورى متضررا مع علمه الكامل بخبايا هذه
اللعبة وكونها سوف تستقر على خط عمر الذي استحى على ما يبدو من تطبيق سنة صاحبه
الذي استخلفه دون مشورة المسلمين فأراد أن يوسع دائرة الاستخلاف قليلا في حدود
من يريد أن يستخلفه لتستقر في النهاية على واحد بعينه هو من يريده .
إن عمر كان يعلم مسبقا أن الأمر سوف يستقر في النهاية على اثنين . علي وعثمان
ولأن علي لا يمثل مصالح القوم بل سوف يضربها فإن الأمر سوف يستقر لعثمان . وكأن
عمر يريد أن يستخلف عثمان واخترع أمر الشورى ليموه على غايته
( 40 ) .
يقول عمر : إن تولاها الأجلح لسار بهم على الطريق . فقال له ولده : فلم لا توله
. قال : لا أريد أن أحملها حيا وميتا ( 41 ) .
ولعل هذا القول يؤكد صحة الاستنتاج الذي توصلنا إليه فالأجلح هنا المقصود به
الإمام علي .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 39 )
تاريخ الطبري وانظر
نهج البلاغة . . .
( 40 ) هناك تصريح لعمر يؤكد هذا أنظر فتح
الباري ج7 / 67 . وما بعدها .
( 41 ) فتح الباري ج7 / 68 . ( * ) |