عثمان بن عفان والصحابة

 

 

- السيف والسياسة - صالح الورداني ص 90 :

عثمان والصحابة

وقف عثمان من الصحابة موقفين متناقضين : موقف مؤيد ومناصر . . وموقف معاد مجاهر . . أما الذين أيدهم وناصرهم فهم الذين أيدوه وبايعوه ومهدوا له طريق الوصول للحكم وعلى رأسهم سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام

وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء قد أغدق عثمان عليهم العطاء وكافئهم أحسن مكافأة ليجمعوا ثروات طائلة بعد أن فتح الباب أمامهم على مصراعيه للثراء بلا حدود . ( 2 ) .


ويبدو أن هؤلاء قد رضوا أن يكونوا من الرأسماليين على أن يكونوا من السياسيين . أي أنهم اختاروا الثراء على الحكم الذي تركوه لبني أمية .


أما الذين عاداهم فهم الذين صدعوا بالحق في وجهه وتحالفوا مع علي ضده وعلى رأسهم أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود . وموقفه من أبي ذر إنما يعد من أشد المواقف حدة وعداءا نظرا لشدة موقف أبي ذر من الخط الأموي بشكل عام ومن عثمان ومعاوية بشكل خاص . . ومن الخطأ
 

 

* هامش *

 

 

( 2 ) مات الزبير وله الكثير من العقارات والأراضي منها إحدى عشر دارا بالمدينة . ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر . ونزل أرضا تسمى الغابة اشتراها بسبعين ومائة ألف . وكان الزبير متزوجا أربعة نسوة . كان نصيب الواحدة منهن في ميراثه ألف ألف ومائتا ألف .

أما ثروة عبد الرحمن بن عوف فهي أضعاف ذلك . .

ويروي ابن عساكر أن قيمة ما ترك طلحة من المال والعقار ثلاثين ألف ألف درهم وترك من العين ألف ألف ومائتين ألف دينار
أنظر ج7 / 90 . ( * )

 

- ص 91 -

تصور أن موقف أبو ذر من عثمان ومعاوية كان بسبب الترف وكنز الأموال وهضم حقوق الفقراء والمحتاجين . فلم يكن هذا السبب إلا ظاهر الموقف . أما باطنه فيكمن في بطلان الخط الأموي وعدم شرعيته .


إن الصدام بين أبي ذر وعثمان لم يكن وليد عصره وإنما كانت له جذوره من عصر أبي بكر وعمر حين بدأت عملية الانحراف عن خط الرسول صلى الله عليه وسلم .


فإن أبا ذر الذي كان يصدع بالحق في مواجهة مشركي مكة ويلاقي ما يلاقي . لم يكن ليتوقف عن الصدع بالحق في عهد أبي بكر وعهد عمر وقد روى فيه الرسول ما روى . ( 3 ) .


ومن هنا يتبين لنا أن الصدام بين أبي ذر وعثمان كان صداما عقائديا . بين عقيدة ملتزمة وعقيدة مخالفة . . بين صحابي موال لآل البيت ورمز بني أمية . . بين خط آل البيت وخط بني أمية . . وعلى هذا الأساس كان حكم عثمان على أبي ذر قاسيا

فهو حكم على قدر الموقف الذي اتخذه أبو ذر . ألا وهو الحكم بالنفي . . وربما يكون عثمان هو أول من طبق سنة نفي القادة والمصلحين في تاريخ الحكام الطغاة الذين هيمنوا على بلاد المسلمين . وموقف عثمان من عمار هو نفس موقفه من أبي ذر .

فكلا من أبي ذر وعمار من أتباع الإمام وموقفهما من الخط الأموي واحد وثابت . فمن ثم فقد تصدى عثمان لعمار كما تصدى لأبي ذر وقرر نفيه ليحل محل أبو ذر الذي كان قد توفي لولا تدخل الإمام الذي نهر عثمان قائلا : إتق الله . فإنك سيرت

رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك . ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ( 4 ) .


وكانت النتيجة أن هدد عثمان الإمام علي بالنفي قائلا له : أنت أحق بالنفي منه . وكان رد الإمام : إفعل إن شئت ذلك ( 5 ) .
 

 

* هامش *

 

 

( 3 ) قال الرسول صلى الله عليه وسلم في قبيلة أبي ذر : غفار غفر الله لها . أنظر سيرته في كتب التراجم . .
( 4 )
أنظر البداية والنهاية لابن كثر ج 7 / 173 وما بعدها وانظر الطبري وابن عساكر ومروج الذهب .
( 5 )
أنظر المراجع السابقة وطبقات ابن سعد والكامل لابن الأثير . ( * )

 

- ص 92 -

ثم إن عثمان تراجع عن قراره بعد ضغوط لكن عمار لم يغير موقفه من عثمان وتصدى له ثانية حين وهب بعض نسائه من مال المسلمين ما تتزين به . فأوعز عثمان إلى شرطته فأخذوه وضربوه حتى غشي عليه ( 6 ) .


ويروى أنه حين بويع عثمان خطب عمار في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : يا معشر قريش أما إذا صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وههنا مرة . فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله

ووضعتموه في غير أهله ( 7 ) . وقام المقداد فقال : ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم . فتصدى له عبد الرحمن بن عوف قائلا : وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو . ؟ . فقال المقداد : إني والله لأحبهم لحب رسول الله صلى الله

عليه وسلم إياهم وإن الحق معهم وفيهم . يا عبد الرحمن . أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله بعده من أيديهم . وأيم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي يوم بدر ( 8 ) .


ولقد تصدى عبد الله بن مسعود لعثمان وحرض عليه المسلمين وكان على الكوفة يعظ الناس ويعلمهم كتاب الله فعزله عثمان وأرسل مكانه الوليد بن عقبة فاصطدم به ابن مسعود وأسمعه كلاما شديدا في حق عثمان . ثم رحل إلى المدينة تاركا الكوفة في وداع أهلها ( 9 ) .


وفي المدينة وقع صدام بينه وبين عثمان الذي أمر زبانيته فضربوه حتى دق ضلعه ثم أمر بقطع رزقه . مما دفع بالإمام علي إلى التصدي له وحمل ابن مسعود إلى بيته ليكون تحت رعايته ( 10 ) .


ولم يكتفي عثمان بهذا بل أصدر قرارا بمنع ابن مسعود من الخروج من المدينة فبقي فيها حتى مرض مرضه الذي توفي فيه ( 11 ) .

 

* هامش *

 

 

( 6 ) أنظر المراجع السابقة . ( 7 ) أنظر المراجع السابق .( 8 ) أنظر المراجع السابق .
( 9 )
أنظر المراجع السابق . ( 10 ) أنظر المراجع السابق . ( 11 ) أنظر المراجع السابق
 ( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب