عثمان بن عفان وعلي

 

 

 

 عثمان وعلي


كان تعايش الإمام علي مع أبي بكر وعمر تعايش المحافظ والمدافع . فقد كانت الضغوط الموجهة إليه تتركز على دوره كممثل شرعي للأمة وكقائد لتيار آل البيت الذي يضم الكثير من كبار الصحابة .


وقد تنازل الإمام عن هذا الدور حفاظا على وحدة الأمة . لكنه لم يتنازل عن المبدأ الذي ورثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم . أي أن الإمام تنازل عن السلطة ولم يتنازل عن الفكرة . تنازل عن الحكم ولم يتنازل عن الدعوة .


فهو قد أفسح الطريق للخط القبلي ليحكم لكنه لم يفسح له الطريق ليعبث بالإسلام . ويبدو أن الخليفتين أبو بكر وعمر لم يكونا من المتحرشين بهذا الجانب . جانب الإسلام فقد احترم كل منهما قدرات الإمام العلمية وأقرا بتفوقه عليهما .


وهذا لا يعني أن صورة الإسلام كانت سوية ومستقيمة بشكل كامل في عهد الخليفتين وإنما كان هناك انحراف . لكنه لم يكن كبيرا بالقدر الذي يستفز الإمام ويدفعه إلى الصدام به . وما كان يقلق الإمام هو ما سوف يترتب على هذا الانحراف في المستقبل .


وعندما جاء عثمان برز الانحراف بصورة تجاوزت الحدود التي وقف عندها الشيخان وتعدى حدود الحكم ليصل إلى الإسلام . وهنا تغير موقف الإمام وشيعته وانتقل بهم من المقاومة السلبية إلى المقاومة الإيجابية . وتصدى لعثمان وبني أمية

الذين رفعوا رايتهم لأول مرة بعد سقوطهم على أيدي الرسول حين فتح مكة . لقد كان ظهور بني أمية في عهد عثمان بداية لتحول الأمة إلى طريق الجاهلية وبداية لظهور إسلام آخر مناقض لإسلام آل البيت ومعاد له ومعلنا هذا العداء .
 

- ص 94 -

لم يكن الأمر إذا مجرد تغلغل عائلة في الحكم وإنما كان في حقيقته محاولة لإظهار إسلام جديد بديل عن إسلام الخلفاء السائد الذي كان فاقد الأساس لكنه ليس منحرفا بالقدر الذي يتيح لهم تحقيق مآربهم والعودة إلى جاهليتهم . .


لقد انتهز بني أمية فرصة وصول عثمان للحكم وأحاطوا به موحدين صفوفهم للثأر والانقضاض على بني هاشم ممثلين في آل البيت تحت زعامة الإمام علي . وفي مواجهة وضع كهذا لا بد على الإمام علي أن يعلن المواجهة والتصدي لا أن يلتزم بالمهادنة والتعايش السلبي كما كان حالة مع أبي بكر وعمر .


ومما تقدم تتضح لنا طبيعة العلاقة بين الإمام وعثمان وطبيعة الموقف الذي تبناه في مواجهة سياساته وممارساته . فقد كان موقفه من أبي بكر وعمر موقف الموجه الشرعي أمام تجاوزاتهم للنصوص أما موقفه من عثمان فهو موقف شرعي سياسي تجاوز الحدود النظرية إلى الحدود العملية .


يقول الإمام في عثمان : . . إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه . وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع . إلى أن انتكث فتله وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته ( 12 ) .


والإمام هنا يهاجم عثمان ويتهمه بالغرور والتكبر والتواطئ مع بني أمية وتبديد مال المسلمين على قومه الذين فتحت أمامهم الأبواب على مصراعيها ليحثو من هذا المال مشبها إياهم بالإبل التي ترعى في النبات وقت الربيع وتأكله بشراهة وملء الفم

وليس بعد هذا التشبيه الدقيق من تشبيه يصور حال عثمان مع بني أمية . وحالهم مع أموال المسلمين . ولم يكن هذا حال سابقيه . فقد كان على الرغم من موقفهما من النصوص ومن آل البيت يلتزمان بسياسة التقشف على أنفسهما ويحرصان على صيانة المال العام ولم تكن لهما ميول للتحصن والاحتماء بقومهما كما فعل عثمان .
 

 

* هامش *

 

 

( 12 ) نهج البلاغة ج‍ 1 / خطبة رقم 3 . ( * )

 

- ص 95 -

ولم يرد على لسان الإمام أي نقد لهما فيما يتعلق بهذا الجانب وإنما كان صدامه معهما في حدود النصوص وتطبيقها . أما إذا تعلق الأمر بأمور المسلمين فإن الإمام لا يسالم .


يقول الإمام حين آل الأمر لعثمان : لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة التمسا لأجر ذلك وفضله وزهدا فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجه ( 13 ) .


وفي هذا القول دلالة على موقف الإمام الثابت من الخلفاء . ذلك الموقف المبنى على التضحية بشخصه من أجل صالح الإسلام والمسلمين . فإذا ما حدث مساس بمصالح المسلمين أو مساس بالإسلام فإن الإمام لا يقف ساكنا وهو ما نراه بوضوح من خلال مواقفه من عثمان .


وحين أصدر عثمان قراره بنفي أبي ذر نادى في الناس أن لا يكلم أحدا أبا ذر ولا يشيعه ضرب الإمام بقرار عثمان هذا عرض الحائط وخرج يشيعه إلى الربذة ومعه عقيل أخوه والحسن والحسين وعمار بن ياسر .


يقول الإمام في وداع أبي ذر : يا أبا ذر إنك غضبت لله فارج من غضبت له . إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فاترك في أيديهم ما خافوك عليه . واهرب منهم بما خفتهم عليه . فما أحوجهم إلى ما منعتهم . وما أغناك عما منعوك ؟

وستعلم من الرابح غدا والأكثر حسدا . ولو أن السماوات والأرض كانتا على عبد رتقه ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا . لا يؤنسنك إلا الحق . ولا يوحشنك إلا الباطل . فلو قبلت دنياهم لأحبوك . ولو قرضت منها لأمنوك ( 14 ) .

لقد تراكمت التجاوزات والمفاسد والانحرافات في عهد عثمان حتى حاصرته ودفعت بالمسلمين إلى الثورة عليه .
 

 

* هامش *

 

 

( 13 ) المرجع السابق .
( 14 )
المرجع السابق ج2 خطبة رقم 126 . ( * )

 

- ص 96 -

وتحاول كتب التاريخ والمؤرخون الدفاع عن عثمان وتبرئته من هذه المفاسد وإلقاء المسؤولية على قوم آخرين ( 15 ) .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : ما دور الإمام علي في الصدام الذي وقع بين المسلمين وعثمان . . ؟ .

هل تحالف الإمام مع الثوار ضد عثمان . أم صد عن الثورة . . ؟ .
 

إن المؤرخين يحاولون جاهدين تبييض وجه عثمان بإظهار الإمام علي بمظهر المؤيد له والمتعاطف معه . حتى أنه تصدى للثوار الذين يحاصرون بيت عثمان ووضع الحسن والحسين على بابه شاهرين سيوفهما في وجه الثوار وقد وبخهم توبيخا شديدا على تهاونهما في الدفاع عنه بعد مصرعه ( 16 ) .


إلا أن المتتبع لأحداث تلك الفترة يكتشف أن الإمام قد بذل جهدا كبيرا في نصح عثمان ومحاولة تحريره من سيطرة بن أمية . لكن جهوده هذه قد ضاعت هباءا منثورا أمام إصرار عثمان وموقفه المتصلب والمتعصب لقومه ( 17 ) .


وأمام موقف عثمان هذا اضطر الإمام إلى التنحي جانبا مفسحا الطريق أمام الثوار الذين يدافعون عن حقوق المسلمين لينالوا من عثمان . . وإذا كان معظم الذين شاركوا في الثورة والذين تزعموها هم من أتباع الإمام ومن تلامذته .


فبهذا يتأكد لنا أن الإمام هو المحرك الأول لهذه الثورة التي كانت ترفع لواء الإسلام الحق في مواجهة بني أمية . أو بصورة أخرى ترفع لواء آل البيت في . مواجهة الخط القبلي الذي كشف عن وجهه القبيح على يد عثمان .


إن الصراع لم يكن صراع بين ظالم ومظلوم كما يحلو للبعض تصويره بذلك وإنما كان صراعا بين الحق والباطل . الحق المتمثل في الثوار . . والباطل المتمثل في عثمان وبني أمية .
 

 

* هامش *

 

 

( 15 ) أنظر كتب التاريخ . وكتاب العواصم من القواصم . والمغني للقاضي عبد الجبار ج20 .
( 16 )
نظر الطبري والبداية والنهاية والكامل لابن الأثير .
( 17 )
أنظر مروج الذهب والإمامة والسياسة والطبري والبداية والنهاية لابن كثير . ( * )

 

- ص 97 -

والإمام ليس مخيرا في الانحياز لأي من الطرفين . وإنما هو مقيد بالحق ويدور معه حيث دار . والحق واضح وضوح الشمس والباطل كذلك .

ولعل موقف الإمام هذا هو الذي استثمره معاوية فيما بعد في تزكية نار الصراع بينه وبين الإمام من أجل تحقيق مآربه في التسلط على المسلمين . وقد كان بإمكانه نصرة عثمان وإنقاذه لكنه رأى أن التضحية به أنفع له في صراعه مع الإمام ( 18 )

 

 

 

* هامش *

 

 

( 18 ) أنظر المراجع السابق . وانظر كتاب عثمان إلى معاوية يستنصر .

في الطبري ج1 / 185 يقول الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إلى من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول . . وانظر ابن كثير ج7 / 185


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب