المحطة الخامسة
على نهاية الصراع الفكري وبداية الصراع العسكري
بعد مصرع عثمان هرع الناس نحو الإمام علي ليولوه أمرهم ( إنه
لا يصلح الناس إلا بأمرة ولا بد للناس من إمام ولا نجد اليوم أحدا أحق بهذا
الأمر منك لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأمام إصرار الجماهير وافق الإمام مشترطا أن تكون بيعته علنا ولا تكون إلا عن
رضى المسلمين . وتمت البيعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
( 1 ) .
ولقد كانت بيعة الإمام أول حركة انتخاب جماهيري حق في تاريخ الإسلام فمن ثم فإن
دولة الإمام قامت على أكتاف الجماهير لتعبر عن مصالح الجماهير رافعة راية
الإسلام النبوي .
من هنا فقد اصطدم بها أنصار الخط القبلي والمنتفعين والمنافقين ثم بني أمية
وعملوا على هدمها والحيلولة دون أن تأخذ امتدادها الطبيعي على ساحة الواقع
ويتحقق لها الاستقرار والتمكن .
إن جميع القوى التي واجهت الإمام كان يتزعمها صحابة كان لهم موقفهم الثابت من
الإسلام النبوي ومن آل البيت من قبل وفاة الرسول وقد برز هذا الموقف بوضوح بعد
وفاته وأخذ في التطور حتى وصل إلى صورته التي واجهها الإمام وتصدى لها .
لقد كانت القوى المناوئة للإسلام النبوي تعمل جاهدة منذ وفاة الرسول صلى الله
عليه وسلم لتقضي على معالم هذا الإسلام وحصار آل البيت وعزل الإمام علي عن
جماهير
المسلمين .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 1 ) أنظر الطبري
ج3 . والبداية والنهاية ج7 . والإستيعاب
في معرفة الأصحاب لابن عبد البر . ويذكر أن عدد من الصحابة فروا من
المدينة إلى الشام فور تسلم الإمام علي الحكم . .
يروي ابن كثير عن الطبري قوله : هرب قوم من
المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليا ولم يبايعه قدامة بن مظعون وعبد الله
بن سلام والمغيرة بن شعبة . . وقال ابن كثير : وهرب مروان بن الحكم والوليد
بن عقبة وآخرون إلى الشام . . وبايع الأنصار إلا سبعة : عبد الله بن عمر
وسعد بن أبي وقاص . وصهيب وزيد بن ثابت ومحمد بن أبي سلمة ومسلمة بن سلامة
وأسامة بن زيد . أنظر البداية ج7 / 227 . ( *
) |
وكان وصول علي إلى الحكم بمثابة ضربة قاصمة لهم ولمخططاتهم .
فمن ثم فإن المواجهة العسكرية فرضت نفسها كوسيلة وحيدة لإجهاض دولة الإمام .
وهكذا دخل الإمام علي في مواجهات عسكرية مع هذه القوى بقيادة كبار الصحابة
وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم ثم بقيادة بني أمية وأخيرا بقيادة الخوارج .
وهذه القوى الثلاث إنما تمثل خطوطا استمرت باقية في واقع الأمة وتفرخت منها
الاتجاهات المعادية للإسلام النبوي وخط آل البيت تلك الاتجاهات التي صبت في
النهاية في دائرة الإسلام الأموي .
ولم تكن مواجهة الإمام علي لهذه القوى من باب الحفاظ على كيان
الدولة واستقرارها فهذا السبب لا يعكس حقيقة الصراع وهو سبب ظاهري يستنتجه من
لا يفقه حقيقة الإسلام النبوي وحقيقة الإسلام الأموي .
إن فقه الإسلام النبوي سوف تقود إلى فقه حقيقة الإسلام الأموي وبالتالي سوف
تقود إلى فقه حركة الصراع الذي دار بين الإمام وبين هذه القوى وإن فهم حقيقة
الإسلام النبوي لن يتم إلا بفهم شخصية الإمام علي ودوره ومكانته . .