شخصية الإمام علي

 

 

- السيف والسياسة - صالح الورداني ص 106 :

شخصية الإمام


هناك عدة ملامح رئيسية لشخصية الإمام علي :

 الملمح الأول : الربانية فهذه الشخصية قد تربت على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وارتوت من معينه وهذا أمر له دلالته وانعكاساته على شخصية الإمام فتربية الرسول له ثم مصاهرته إنما يعني الاصطفاء فكما أن الرسول تم اصطفاؤه فإن عليا أيضا تم اصطفاؤه .


وهذا الاصطفاء لا يمكن أن يكون عبثا وإنما له أبعاده المستقبلية وهذا ما تشير إليه كثير من النصوص الواردة عن الرسول : ومن هذه النصوص : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ( 2 ) .
 

 

* هامش *

 

 

( 2 ) أنظر البخاري ومسلم كتاب فضائل الصحابة . باب فضائل علي . . وأنظر الترمذي . . ( * )

 

- ص 107 -

علي مني وأنا منه ( 3 ) .

من كنت مولاه فعلي مولاه . ( 4 ) .

لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ( 5 ) .

سدوا أبواب المسجد إلا باب علي ( 6 ) .

ومثل هذه النصوص كثير لا يتسع المجال لذكرها هنا وما ذكرناه فيه الكفاية للاستدلال على ما نقول . ويكفي في حق علي شموله قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فهذا النص هو الدليل الساطع والبرهان القاطع على ربانيته ( 7 ) .


 الملمح الثاني : العلم فإن من يتربى على يد الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد وأن ينهل من علمه . فما دام الرسول قد أعطاه هذه الخصوصية فلا بد أن يسلحه بالعلم حتى يتمكن من القيام بدوره .


وقد تفوق الإمام علي بفقهه على جميع الصحابة ولم يضاهيه في ذلك أحد حتى أن عمر الذي يشهدون له بالفقه والعلم شهد لصالح علي وأقر بتفوقه عليه ( 8 ) .


هناك الكثير من النصوص النبوية التي تؤكد هذه الحقيقة : أنا مدينة العلم وعلي بابها ( 9 ) .
 

 

* هامش *

 

 

( 3 ) أنظر البخاري . باب فضائل علي . .
( 4 )
أنظر مسند أحمد ج1 .
( 5 )
أنظر مسلم كتاب الإيمان . .
( 6 )
أنظر الترمذي كتاب المناقب . ومسند أحمد ج1 . وفتح الباري ج7 .
( 7 )
أنظر مسلم كتاب فضائل الصحابة . مناقب علي وآل البيت . .
( 8 )
أنظر طبقات ابن سعد ج2 . ومسند أبو داود الطيالسي . .
( 9 )
ورد هذا الحديث في الترمذي كتاب المناقب بلفظ : أنا دار الحكمة وعلي بابها . وورد لفظ أنا مدينة العلم في مستدرك
      الحاكم ب 3 / 126 . وانظر مناقب الخوارزمي وأسد الغابة وتاريخ بغداد والبداية والنهاية لابن كثير ج7 / 358 . .( * )

 

- ص 108 -

أعلمهم بما أنزل الله علي ( 10 ) .

ن أراد أن ينظر إلى آدم في علمه فلينظر إلى علي ( 11 ) .

أعلم أمتي بعدي علي ( 12 ) .

أقضاكم علي ( 13 ) .

وهناك شهادات للإمام علي على لسان كثير من الصحابة وعلى رأسهم عمر الذي كان يستعين بعلي في كل معضلة وكان يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن ( 14 ) .


ويقول الإمام علي عن نفسه : سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت . إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا طلقا ( 15 ) .


ومثل هذه النصوص إنما تشير إلى أن الإمام لديه علم خاص ورثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أساس هذا العلم كان يواجه الواقع والأحداث .

فلم يكن الإمام مجرد قائد وجد في ظرف قاس فواجه هذا الظرف بما لديه من خبرة وكفى .

ولم يكن الإمام مجرد حاكم واجه تمرد من الرعية فتحرك لمواجهته وحسمه .

لم يكن الإمام مجرد صحابي كبقية الصحابة كما يحاول أهل السنة أن يصوروه .
 

 

* هامش *

 

 

( 10 ) أنظر مسند الطيالسي ومسند أحمد . . .
( 11 )
أنظر سنن البيهقي . . ومسلم .
( 12 )
أنظر مناقب الخوارزمي . . ومسلم
( 13 )
أنظر مجمع الزوائد للهيثمي ج9 / 114 . . وحلية الأولياء 1 / 65 . والإستيعاب . .
( 14 )
أنظر طبقات ابن سعد ومستدرك الحاكم . . والإصابة في تمييز للصحابة لابن حجر . وسير أعلام النبلاء للذهبي
( 15 )
المرجع السابق . . ( * )

 

- ص 109 -

لقد كان الإمام نموذجا خاصا تربى تربية خاصة ومنح علما خاصا ووضع على كاهله القيام بدور خاص . . ولعل قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الإمام : إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله ( 16 ) .


وهو علي خاصف النعل كما أشارت الرواية . قول الرسول هذا يؤكد وجود هذا العلم الخاص لدى الإمام . فالرسول كان يقاتل المشركين على علم . والإمام يقاتل المسلمين على علم أيضا . بل الحاجة للعلم في مقاتلة أهل القبلة من المسلمين أشد من الحاجة إليه في مواجهة المشركين .


فكون الإمام يواجه عائشة زوجة النبي ويقاتلها لا بد وأن يكون لديه علم خاص . وكون الإمام يواجه معاوية وابن العاص والمغيرة وغيرهم ويقاتلهم لا بد وأن يكون لديه علم خاص . وكون الإمام يواجه الخوارج وقد كانوا من أتباعه ويقاتلهم لا بد وأن يكون لديه علم خاص . .


إن الإمام علي لم يشهر سيفا في مواجهة المشركين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بل شهر سيفه في مواجهه أهل القبلة وهذا أمر له دلالاته الهامة والتي تشير إلى اختصاصه بهذا العلم .

ولقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم بخروج عائشة وقتالها لعلي ( 17 ) .

وبشر بظهور بني أمية وقتالهم علي ( 18 ) .
 

 

* هامش *

 

 

( 16 ) مسند أحمد ج3 .
( 17 )
تنبأ رسول الله ( ص ) أن عليا سيقاتل قريشا في سبيل الله . أنظر الترمذي . كتاب المناقب ومسند أحمد ج2 ،
        ويروي أن الرسول ( ص ) حذر عائشة من الخروج وتنبأ بقتالها علي . أنظر الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي .
        وانظر طبقات ابن سعد . وتنبأ بقتل عمار على يد الفئة الباغية فئة معاوية . أنظر مسلم كتاب الفتن باب / 18 .
        وانظر طبقات ابن سعد ج3 والحاكم .
( 18 )
أنظر البخاري كتاب الفتن . . ( * )

 

- ص 110 -

وبشر بظهور الخوارج وقتالهم علي ( 19 ) .


ومثل هذه النبوءات التي ارتبطت بعلي من دون بقية الصحابة إنما تؤكد أن للإمام علي خاصية يتفرد بها على الآخرين وهي خاصية العلم .


 أما الملمح الثالث فهو القيادة . وهي صفة خاصة جعلت من الإمام قائدا نبويا وليس مجرد قائد كبقية القادة الذين برزوا على ساحة التاريخ . والقيادة النبوية شئ متفرد واختص به الإمام ليلعب دورا من بعد الرسول ويسد الفراغ الذي حدث بغيابه . وبتأمل سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم مع الإمام وعلاقته به تتحدد لنا بوضوح هذه الخاصية .


يروي ابن عباس : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية إلى علي وهو ابن عشرين سنة ( 20 ) .


وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله . ويحبه الله ورسوله : فلما كان الغد دعا عليا فدفعها إليه ( 21 ) .


وكان الصحابة يرددون لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي . وقد قتل أشهر فرسان العرب يوم الخندق وأصاب المشركين بنكسة معنوية كبيرة ( 22 ) .


وشجاعة الإمام علي ليست بحاجة إلى برهان وسيرته مع الرسول تشهد بذلك .
 

 

* هامش *

 

 

( 19 ) أنظر مسلم كتاب الزكاة . باب ذكر الخوارج وصفاتهم والتحريض على قتلهم .
        ويروي علي عن الرسول ( ص ) قوله : يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية .
        لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة . .

       أنظر مسند أحمد والبخاري كتاب الفتن ومسلم . ، وانظر أحاديث حذيفة في كتاب الفتن بالبخاري وهي تبين أن هناك ردة وكفر بعد
       رسول الله . وحديث كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر .
       وحذيفة من خط الإمام علي . ويمكن للباحث أن يقارن بين روايات أنصار الخط القبلي وروايات أنصار الإمام ليدرك مدى الهوة
      السحيقة بين الطرفين ومدى الفارق العلمي بينهما .

( 20 ) رواه الطبراني . .
( 21 )
أنظر البخاري ومسلم . باب فضائل علي . ومسند أحمد ج2 .
( 22 )
الفارس الذي قتله علي هو عمرو بن الود . ( * )

 

- ص 111 -

وقد كان الرسول يوطن فيه من صغره الشجاعة والمواجهة والخشونة . وكان اختياره له ليبيت في مضجعه ليلة الهجرة صورة من صور التربية النبوية له والتي تعده ليكون قائدا فذا يحمل راية الإسلام النبوي من بعده .


وتروي كتب التاريخ . أن عليا كان صاحب لواء الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر وفي كل المشاهد ( 23 ) وشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي في حجة الوداع أمام أكبر حشد من الصحابة والمسلمين في تاريخ الدعوة إنما تؤكد هذه

الخاصية وهذا الدور الذي وكل إليه . وهي تؤكد من جانب آخر شرعية هذا الدور وارتباط خطوات الإمام ومواقفه المستقبلية بحدود الشرع وبالإسلام النبوي . .


يروى أن عليا نشد الناس قائلا : من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم إلا قام . فقام اثنا عشر بدريا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي يوم غدير خم : أليس الله أولى بالمؤمنين قالوا : بلى قال : اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ( 24 ) .


ويوم غدير خم أيضا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي ( 25 ) .


وقال صلى الله عليه وسلم : أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي ( 26 ) .


وغدير خم موضع ماء يقع في واد بين مكة والمدينة توقف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حين عودته من حجة الوداع وخطب فيه خطبة طويلة جزء منها كان خاصا بالإمام علي وبأهل البيت وهم علي وفاطمة والحسن والحسين .
 

 

* هامش *

 

 

( 23 ) أنظر طبقات ابن سعد ج3 .
( 34 )
أنظر مسند أحمد 1 .
( 25 )
أنظر مسلم كتاب فضائل الصحابة . باب مناقب علي . .
( 26 )
المرجع السابق . . ( * )

 

- ص 112 -

وكون الرسول يوصي بعلي وأهل البيت في خطبة الوداع فكأنه يؤكد للأمة ضرورة الالتزام بالإسلام النبوي الذي سوف يمثله علي من بعده . ويحذرها من الانحراف عن هذا الإسلام بترك موالاة الإمام علي وأهل البيت .


لقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة الكتاب وربط هذا الكتاب بآل البيت بزعامة الإمام علي فمن التزم بالكتاب التزم بآل البيت . ومن حاد عن الكتاب حاد عن آل البيت .


إن ربط الكتاب بالإمام يضفي المشروعية على كل خطوات الإمام ومواقفه . فهو قد اختير من قبل الرسول ليكون مفسر هذا الكتاب والمعبر عنه والناطق بلسانه .


ومن هنا يتبين لنا أن شخصية الإمام ومكانته ودوره لا يقاس به أحد . وإن محاولة فهم حركة الإمام علي بمعزل عن هذه الرؤية سوف يموه على حقيقة الصراع الذي دار بينه وبين أنصار الخط القبلي بقيادة أبي بكر وعمر وعثمان والذي تطور

إلى الصدام العسكري مع عائشة وطلحة والزبير ومع الخوارج ثم في النهاية مع بني أمية بقيادة معاوية . وأن محاولة رفع بني أمية أو التقليل من شأن الإمام علي أو مساواته بمعاوية كما هي عقيدة أهل السنة ليست فقط سوف تؤدي إلى التمويه

على حقيقة الصراع الذي دار بين الإمام وخصومه كما هو الهدف الظاهر منها . وإنما سوف تؤدي إلى التمويه على حقيقة الإسلام النبوي الذي يمثله الإمام نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وبالتالي سوف تكون النتيجة هي ارتفاع الإسلام

القبلي إسلام بني أمية وعلو مكانته على حساب الإسلام النبوي ( 27 ) .


وتلك هي النتيجة التي استقرت عليها الأمة بعد وقعة صفين وبعد اختفاء الإسلام النبوي وسيادة الإسلام القبلي على يد بني أمية ذلك الإسلام الذي تعبر عنه عقيدة أهل السنة والذي تحول إلى دين الأغلبية بدعم الحكومات المتعاقبة من عصر بني أمية وحتى اليوم .
 

 

* هامش *

 

 

( 27 ) يروى عن عبد الله بن حنبل قال : سألت أبي ما تقول في علي ومعاوية ؟ فأطرق . ثم قال : إعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوه ، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيادا منهم لعلي . .

وقال ابن حجر معلقا على هذا الكلام . فأشار بهذا - أي ابن حنبل - إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له . .
أنظر فتح الباري ج7 / 104 . ( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب