الخوارج

 

 

- السيف والسياسة - صالح الورداني ص 136 :

الخوارج


عاد الإمام إلى الكوفة بعد التحكيم وأخذ يعد العدة لقتال معاوية إلا أن الخوارج الذين خرجوا عليه بعد التحكيم أصبحوا يعيقون مسيرته ويهددون شيعته بعد أن فشلت الجهود السلمية في إعادتهم إلى الصف وإقناعهم بالتنازل عن أفكارهم . .


ولما كثرت اعتداءاتهم على المسلمين دخل الإمام معهم في مواجهة عسكرية فاصلة انتهت لصالح الإمام وقتل فيها عدد كبير منهم فيما سمي بواقعة النهروان . . ( 40 )


والإمام علي في قتاله هؤلاء الخوارج إنما كان على علم وبصيرة بهم وبأحوالهم وجرائمهم كما قاتل عائشة ومعاوية من قبل على علم وبصيرة . . لقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بالخوارج كما تنبأ بدور الإمام علي في مواجهتهم . .


يروي مسلم أن الإمام علي بعث من اليمن بذهب إلى الرسول في المدينة فقسمه الرسول صلى الله عليه وسلم بين أربعة . فغضبت قريش . . فقال الرسول : إنما فعلت ذلك لأتألفهم . فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين نائي الجبين

محلوق الرأس فقال اتق الله يا محمد . فقال الرسول فمن يطع الله إن عصيته أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمننوني . . ثم أدبر الرجل . . فقال الرسول إن من ضئضى هذا
 

 

* هامش *

 

 

( 40 ) كانت وقعة النهروان في التاسع عشر من صفر عام 38 ه‍ بعد صفين . أنظر كتب التأريخ . . ( * )

 

- ص 137 -

قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد . . ( 41 ) .


ويقول الإمام علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة . . ( 42 )


ويقول : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشئ . ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشئ ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ . يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم

لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لا تكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل

حلمة الثدي عليه شعيرات بيض فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله . . ( 43 )


ويروى أن الخوارج لما خرجوا على الإمام قالوا : لا حكم إلا لله . فقال الإمام : كلمة حق أريد بها باطل . أن رسول الله وصف : ناسا أني لأعرف صفتهم في هؤلاء . . ( 44 )


إن مثل هذه الروايات إنما تكشف لنا مدى خطورة خط الخوارج على الإسلام والمسلمين وهي خطورة لا تقل عن خطورة الخط الأموي . وارتباط الإمام بمواجهة
 

 

* هامش *

 

 

( 41 ) أنظر مسلم كتاب الزكاة . باب ذكر الخوارج وصفاتهم والتحريض على قتلهم . .
( 42 )
أنظر مسند أحمد ج1 . وأبو داود الطيالسي . وانظر مسلم والبخاري . .
( 43 )
أنظر مسلم كتاب الزكاة . باب ذكر الخوارج والتحريض على قتلهم . .
( 44 )
المرجع السابق . . ( * )

 

- ص 138 -

هذين الخطين يعني أن هذين الخطين إنما يمثلان توجها واحدا ويحققان نتيجة واحدة .

ارتباط الإمام بمواجهة هذين الخطين يعني استمرارهما في مواجهة الإسلام النبوي على مر الزمان .

فالإمام علي هو ممثل الإسلام النبوي ورمز الحق على مر الزمان . .


والخط الأموي وخط الخوارج يمثلان الإسلام الزائف ويرمزان للباطل على مر الزمان . . ومنهج الخوارج سوف يظل باقيا وإن كان قد ضرب عسكريا وتقوقع فكريا - في مواجهة الإسلام النبوي خط آل البيت .


ولن يتمكن المسلمون من تجنبه واعتزاله إلا بفقه حركة الإمام علي وخط آل البيت . فمن حاد عن هذا الخط وقع فريسة للخوارج . ومن استبصر هذا الخط أمكن له أن يحصن نفسه في مواجهته . .


ولقد كان الإمام علي يواجه كل هذه الأحداث وهو مستبصر بها عالم بنتائجها ودلالاتها حتى أنه كان يعلم طريقة موته كما أخبره بها الرسول صلى الله عليه وسلم . . ( 45 )


من هنا فإن نتائج صراع الإمام مع هذه الجبهات الثلاث يمكن أن يمنحنا المعالم التي ترشدنا إلى فقه حقيقة الإسلام . وفقه حقيقة الرجال الذين موهوا على هذا الإسلام وزيفوا نصوصه ومفاهيمه بما اخترعوه من روايات واجتهادات أضلت الناس

عن سبيل الله . . إن ارتباط الإمام بمواجهة عائشة ومعاوية والخوارج ليس محض صدفة إنما هو عمل تشريعي للأمة تهتدي به على الدوام . . اختيار الإمام لهذا الدور اختيار إلهي فلم يكن من بين الصحابة من هو مؤهل للقيام به . وقد دفعت الأمة

ثمنا باهظا لتقاعسها عن نصرة الإمام والالتزام بخطه . . دفعته فرقة وشتاتا . . ودفعته دما ورجالا . . ودفعته فقها وعلما . .

 

* هامش *

 

 

( 45 ) أنظر مسند أحمد وتأريخ بغداد والبداية والنهاية ج7 / 325 . وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم وأن قاتل الإمام هو أشقى الآخرين . وروى الإمام : عهد إلي الرسول أن لا موت حتى أؤمر ثم تخضب هذه - يعني لحيته - من دم هذه يعني هامته . . ( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب