معاوية والحسن
بعد أن قضى الإمام علي على شوكة الخوارج تجهز لقتال أهل الشام إلا أن أهل
العراق افترقوا وتنازعوا أمرهم بينهم مما أدى إلى تعطيل الحملة العسكرية
المتجهة لقتال معاوية . .
ولقد عانى الإمام من أهل العراق كثيرا فقد تسببوا
بتقاعسهم وتخاذلهم في عرقلة مسيرته وإضعاف شوكته أمام معاوية وأمام الخوارج . .
يقول الإمام في أهل العراق : أما بعد يا أهل العراق فإنما أنتم كالمرأة الحامل
حملت فلما أتمت أملصت قيمها وطال تأيمها وورثها أبعدها . أما والله ما أتيتكم
اختيارا ولكن جئت إليكم سوقا . ولقد بلغني أنكم تقولون : علي يكذب . قاتلكم
الله فعلى
من الكذب ؟ أعلي ؟ فأنا أول من أمن به . أم على نبيه ؟ فأنا أول من
صدقه . كلا والله . ولكنها لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها . ويل أمه كيلا
بغير ثمن . لو كان له وعاء . ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) . .
( 46 )
ومثلما خذل أهل العراق الإمام علي خذلوا أيضا الإمام الحسن من بعده ودفعوه دفعا
إلى معاوية ثم نقموا عليه واستباحوه . .
( 47 )
يروي ابن حجر نقلا عن الطبري : جعل علي
على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عباده وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت
. فقتل علي فبايعوا الحسن بن على بالخلافة . وكان لا يحب القتال ولكن كان يريد
أن يشترط على معاوية لنفسه فعرف أن قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وأمر
عبد الله بن عباس فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن . . ( 48
)
| |
* هامش * |
|
|
|
( 46 ) أنظر نهج البلاغة
ج1 / خطبة رقم 69 . .
( 47 ) أنظر كتب التأريخ .
. والإصابة ج1 حرف الحاء . القسم الأول . .
( 48 )
أنظر فتح الباري ج13 / 63 . ( * )
|
ويروي ابن حجر : سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه
على إقامة كتاب الله وسنة نبيه . ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس فسميت سنة
الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب . وبايع معاوية كل من كان معتزلا للقتال
كابن عمر وسعد بن أبي
وقاص ومحمد بن مسلمة . وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف
ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل . . وانصرف إلى المدينة وولى معاوية الكوفة المغيرة
بن شعبة والبصرة عبد الله بن عامر ورجع إلى دمشق . . ( 49 )
ويروي البخاري قول
النبي صلى الله عليه وسلم للحسن : إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين
فئتين من المسلمين . . ( 50 )
ويحاول المؤرخون أن يؤكدوا على أن معاوية هو الذي
رغب في الصلح مع الحسن وسعى إليه وأنه عرض عليه المال ورغبه فيه وحثه على رفع
السيف وذكره ما وعده به جده صلى الله عليه وسلم من سيادته في الاصلاح به فقبل
الحسن العرض وصالح معاوية . . ( 51 )
ويؤكد الكثير من المؤرخين أن الحسن اشترط
على معاوية أن يجعل له الأمر من بعده وقبل معاوية هذا الشرط . .
( 52 )
ومن الواضح أن هذه الروايات تفوح منها رائحة السياسة والهدف منها هو التمويه
على حركة الإمام الحسن وطمس معالمها وتشويه أهدافها . .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 49 ) المرجع
السابق . .
( 50 ) البخاري كتاب الفتن . ومناسبة هذه الرواية كما جاءت في أن
الحسن لما سار بالكتائب إلى معاوية . قال ابن العاص لمعاوية : أرى كتيبة لا
تولي حتى تدبر أخراها . فقال معاوية : من لذراري المسلمين ؟ فقال أي ابن العاص
- أنا . فقال عبد الله بن عامر و عبد الرحمن
بن سمرة نلقاه فنقول له الصلح .
فقبل الحسن الصلح متذرعا بهذه . الرواية . أنظر منسد أحمد ج5 . والبخاري
كتاب
الاصلاح بين الناس . والترمذي كتاب المناقب .
( 51 ) أنظر فتح الباري
ج13 / 61 . والإصابة ج1 حرف الحاء . والإستيعاب
باب الأفراد في الحاء
( 52 ) يروي ابن حجر :
لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشأم فالتقوا
فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده . وانظر
فتح الباري والإصابة
. = ( * ) |
ويبدو من رواية الطبري أن الإمام الحسن لم يكن يرغب في السير
على نهج الإمام علي ومواصلة القتال ضد معاوية وهو بمجرد أن بويع بالخلافة قرر
الاستلام لمعاوية وتصفية المعارضين لنهج الصلح معه .
وكيف لإمام يقود أربعين ألف مقاتل بايعوا على الموت أن يميل
إلى السلم بهذه البساطة ؟
كيف له أن يضحي بمبادئه وعقيدته وجنده في مقابل أن يشترط
لنفسه ؟
إن مثل هذه الرواية تعد طعنا في الإمام علي ونهجه كما تعد طعنا في الإمام الحسن
. فكأنها تشير إلى أن الإمام فشل في القيام بدوره وخلف من بعده شخصا ضعيفا لم
يتعلم منه شيئا وهواه مع الدنيا ونفسه وليس مع الآخرة والإسلام . .
وتأتي رواية ابن حجر لتؤكد رواية الطبري وتسير على منوالها في تشويه الإمام
الحسن والتمويه على حقيقة الصراع الذي دار بينه وبين معاوية . فهي تشير إلى أن
الإمام الحسن بايع معاوية وأدخله الكوفة وقبض منه ثمن ذلك ثلاثمائة ألف وألف
ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل وفي هذا تشويه ما بعده تشويه
للإمام الحسن وتعتيم ما بعده تعتيم على حقيقة الصراع . . أما رواية البخاري فهي
رواية واهية لا يستقيم معناها وطبيعة الحدث وقد غاب عن مخترعيها الحقائق
التالية :
| |
* هامش * |
|
|
|
= ويروي ابن
عبد البر في الإستيعاب : ولا خلاف بين
العلماء أن الحسن إنما سلم الخلافة لمعاوية حياته لا غير ثم تكون له من بعد
. وعلى ذلك انعقد بينهما ما انعقد في ذلك ورأى الحسن ذلك خيرا من إراقة
الدماء في طلبها وإن كان عند نفسه أحق بها . .
ويروي أيضا : سم الحسن بن علي . سمته امرأته
بنت الأشعث بن قيس الكندي . وقال طائفة : كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها
وما بذل لها في ذلك . .
ويروي أن الحسن لما حضرته الوفاة قال للحسين
أخيه يا أخي إن أباك لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم استشرف لهذا
الأمر ورجا أن يكون صاحبه . فصرفه الله عنها ووليها أبو بكر . فلما حضرت
أبا بكر الوفاة تشوف لها أيضا فصرفت عنه إلى عمر . فلما احتضر
عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم فلم شك أنها لا تعدوه . فصرفت عنه إلى
عثمان . فلما هلك عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف وطلبها فما صفا له شئ
منها . وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة فلا
أعرفن ما استخفك سفهاء الكوفة
فأخرجوك . . ومن الواضح أن هذه الرواية تهدف إلى التشكيك في الإمام علي
والإمام الحسن والحسين ثلاثتهم فهي تصورهم طلاب للملك وهذا من شأنه أن يطمس
أطروحتهم وخطهم ويبرر من جهة أخرى سلوك ومواقف الطرف الآخر . .
|
- أن الروايات الأخرى تشير إلى أن الإمام الحسن تنازل
لمعاوية لا اصطلح معه . .
- أن المصلح إنما يكون عادة من خارج دائرة الصراع لا أن
يكون أحد طرفي الصراع . .
- أن الرواية لا تفيد الجزم بوقوع الاصلاح . .
- أن قوله بين فئتين من المسلمين يعني أن دعواهما واحدة
بينما فئة الإمام الحسن وفئة معاوية ليست دعواهما واحده . .
- أن الإمام الحسن مات مقتولا بالسم بينما جعل معاوية
ولده يزيد خليفة له وفي هذا إشارة إلى أن الصراع لم ينته بين الحسن ومعاوية حتى
مقتله . .
أن تولية معاوية ولده يزيد هو غدر بالأمة بأكملها لا بالإمام الحسن وحده وهو
برهان ساطع على عدم وجود صلح من الأصل إذ لو كان هناك صلحا ما كان هناك غدرا من
قبل معاوية . فالغدر لا يكون إلا إذا كان معاوية مغبونا بهذا الصلح إن كان
واقعا . . وما حدث بين الحسن ومعاوية إنما هو أمر أشبه بأمر
التحكيم لم يرضخ له الإمام الحسن كما لم يرضخ الإمام علي لنتيجته مما اضطر
معاوية إلى التآمر والغدر للخلاص من الحسن . .
وتركيز الفقهاء والمؤرخون على رواية صلح الحسن هذه إنما يهدف إلى تبرير سلوك
معاوية بنص منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم لا يتطرق إليه الشك من قبل
المسلمين . وهم بهذا قد وقعوا في الفخ الذي نصبه مخترعو الرواية . .
يقول ابن حجر : وفيه - أي في حديث الصلح - فضيلة
الاصلاح بين الناس ولا سيما في حقن دماء المسلمين . ودلالة على رأفة معاوية
بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب . وفيه
ولاية المفضول الخلافة
مع وجود الأفضل لأن الحسن ومعاوية ولى كل منهما الخلافة وسعد
بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان . وفيه جواز خلع الخليفة نفسه
إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدينوية بالمال
وجواز أخذ المال على ذلك . واستدل به على تصويب
رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي . . ( 53 )
لقد بنى الفقهاء أحكاما على
رواية الصلح هذه كما هو واضح من كلام ابن حجر الذي بالغ في الاستنباط إلى درجة
جواز النزول عن الوظائف الدينية مقابل المال . وهذا الأمر أن دل على شئ فإنما
يدل على أن فقه القوم ينظر إلى الوظائف الدينية نظرة استخفاف .
وهذه النظرة هي
التي بررت سلوك الفقهاء مع الحكام وتعايشهم معا . . فما دام الحسن قد تقاضا
مالا على الصلح مع معاوية وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد حكم أن
الطائفتين من المسلمين . . وما دام سعد أو سعيد كلاهما أفضل من الحسن
فإذا
ذلك كله يبرر التنازل عن العقائد والمبادئ من أجل المال . . ويبرر القعود عن
نصرة الحق ما دامت الطائفتين من المسلمين . . ويبرر أن يحكم المسلمين المفضول
مع وجود الأفضل . . وعلى أساس هذه التبريرات قامت عقائد وتأسست
مفاهيم في فقه القوم انعكست على فكرة الدولة والحكم وعلاقة
الحاكم بالرعية . وعلاقة الفقيه بالحاكم . .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 53 ) أنظر فتح الباري
ج13 / 66 / 67 . . ( * )
|