حمل أئمة آل البيت وشيعتهم لواء البيان والقلم لتبصير الأمة
بحقيقة الإسلام النبوي ودعوتها للالتزام به . .
وتبنى حكام بني أمية خطة الدفاع عن الإسلام الأموي وتشويه
الإسلام النبوي . . لقد سطر الإمام الحسين بدمائه نهج الثورة والمواجهة للإسلام
الأموي وكل صور الإسلام الزائفة التي نبعت منه .
ووضع الخطوط العريضة للأمة لتبنى على أساسها التصدي ومواجهة الصور الزائفة
للإسلام . .
إن ثورة الإمام الحسين هزت واقع الأمة وشهادته
زلزلتها . ووجهت ضربة قوية إلى معاوية ونهجه أيقظت الأمة من ثباتها وبعثت فيها
روح التحدي والمواجهة . .
إن هذه الثورة هي نتاج طبيعي لمرحلة الإمام الحسن
ورد مباشر على غدر بني أمية ومؤامراتهم وهي تؤكد للأمة أن الصراع لا زال مستمر
ولن ينتهي بين الإسلام النبوي والإسلام الأموي وتبطل من جهة أخرى كل محاولات
التشكيك والتعتيم التي أحاطت بحركة الإمام الحسن . .
وكما حاول الفقهاء والمؤرخون تشويه هوية الصراع بين الإمام علي ومعاوية وبين
الإمام الحسن ومعاوية حاولوا أيضا تشويه الصراع الذي دار بين الإمام الحسين
وبين يزيد بن معاوية والتعتيم عليه وطمس معالمه وتبييض وجه يزيد أو وجه الإسلام
الأموي الذي يمثلونه .
يروي ابن عبد البر : لما مات معاوية وأفضت
الخلافة إلى يزيد وذلك في سنة ستين وردت بيعته على الوليد بن عقبة بالمدينة
ليأخذ البيعة على أهلها أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير ليلا .
فأتي بهما فقال : بايعا . فقالا : مثلنا لا يبايع
سرا . ولكننا نبايع على رؤس الناس إذا أصبحنا فرجعا إلى
بيوتهما وخرجا من ليلتهما إلى مكة . وأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوالا وذا
القعدة وخرج يريد الكوفة فكان
سبب هلاكه يوم الأحد لعشر مضين من المحرم يوم
عاشوراء سنة إحدى وستين بموضع من أرض الكوفة يدعى كربلاء قرب الطف . .
( 54 )
ويتضح من خلال هذه الرواية ما يلي :
- أن الإمام الحسين كذب على الوليد بن عتبة
وخشى أن يواجهه بالحقيقة . .
- أن الإمام الحسين فر من المدينة ليلا خوفا من
بطش الوليد . .
- أن ثورة الحسين كانت حركة عشوائية كان نتيجتها هلاكه . .
ويروي ابن حجر عن ابن عمر أنه قال عندما رأى الحسين مقبلا : هذا أحب أهل الأرض
إلى أهل السماء اليوم وكانت إقامة الحسين بالمدينة إلى أن خرج مع أبيه إلى
الكوفة فشهد معه الجمل ثم صفين ثم قتال الخوارج وبقي معه إلى أن قتل ثم مع
أخيه
إلى أن سلم الأمر إلى معاوية فتحول مع أخيه إلى المدينة واستمر بها إلى أن مات
معاوية فخرج إلى مكة ثم أتته كتب أهل العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية فأرسل
إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب فأخذ بيعتهم وأرسل إليه فتوجه وكان من
قصة قتله ما كان . . ( 55 )
وهذه الرواية إنما تعضد سابقتها إلا أنها تحاول
إثبات أن الإمام الحسين أسهم في تسليم الأمر إلى معاوية مع الإمام الحسن . وهذا
الموقف من شأنه أن يثير الشكوك حول حركته . فما دام قد شارك في تسليم الأمر إلى
معاوية وتقاضى الأموال مقابل ذلك فإن حركته ضد يزيد من الممكن أن تشوبها أغراض
دنيوية .
ويروى أن الحسين لما بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل
هم بالرجوع . فقال البعض : والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل فساروا .
وكان عبيد الله بن زياد قد جهز الجيش لملاقاته فوافوه بكربلاء منزلها ومعه خمسة
وأربعون نفسا من الفرسان
ونحو مائة راجل فلقيه الحسين وأميرهم عمر بن سعد بن أبي وقاص
وكان عبيد الله ولاه بعهده عليها إذا رجع من حرب الحسين . فلما التقيا قال له
الحسين : اختر مني إحدى ثلاث : إما أن ألحق بثغر من الثغور . وإما أن أرجع إلى
المدينة .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 54 ) أنظر الإستيعاب باب الأفراد في الحاء . .
( 55 ) أنظر
الإصابة ج1 / حرف الحاد القسم الأول . ( * ) |
وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية . فقبل بذلك
عمر منه وكتب إلى عبيد الله فكتب إليه لا أقبل منه حتى يضع يده في يدي . فامتنع
الحسين فقاتلوه فقتل معه أصحابه وفيهم سبعة عشر شابا من أهل بيته ثم كان آخر
ذلك أن قتل وأتى برأسه إلى
عبيد الله بن زياد فأرسله ومن بقي من أهل بيته إلى
يزيد ومنهم علي بن الحسين وكان مريضا ومنهم عمته زينب فلما قدموا على يزيد
أدخلهم على عياله ثم جهزهم إلى المدينة . . ( 56 )
وهذه الرواية تعد من أسوأ
الروايات التي رويت حول الصراع بين الإمام الحسين ويزيد فهي تضع الإمام الحسين
في موضع غاية في المهانة بينما تبيض وجه يزيد . . وأول ما تحاول إثباته هذه
الرواية هو أن الإمام الحسين أصيب بالإحباط فور علمه
بنبأ مقتل مسلم بن عقيل
وقرر العودة وفي هذا إشارة إلى أن خروجه لم يكن بهدف الثورة كما لم يكن يقوم
على أساس خطة منظمة . . وما تحاول الرواية إثباته ثانيا هو أن أصحاب الحسين قد
خالفوه وأصروا على مواصلة المسير طلبا للثأر .
أي أن موقفهم هذا كان مجرد رد
فعل لمقتل مسلم ولم يكن نابغا من إيمانهم بالإسلام النبوي الذي يقاتلون تحت
لواءه وبالإمام الحسين قائدهم . . ولقد وجهت هذه الرواية طعنة شديدة للإمام
الحسين ولأبيه وأخيه وخط آل البيت والإسلام النبوي الذي
يمثله حين طرحت على
لسانه هذا الطرح الانهزامي الخانع الذي يعكس شخصية منهارة قدمت التنازلات فور
حدوث المواجهة ومن قبل وقوع الصدام . وبدا وكأن الإمام الحسين لم يكن يحسب حدوث
مواجهة ولم يكن يتوقع أي صدام مع بني
أمية . . فحين يطلب منحه الفرصة للذهاب للقتال في ثغر من
الثغور فكأنه بهذا يطلب تجنيده في جيوش في أمية ليقاتل تحت رايتهم . وما دام هو
يحمل هذا التصور الذي لا يعكس أية صورة من صور العداء لبني أمية فلماذا خرج من
الأساس . . ؟
| |
* هامش * |
|
|
|
( 56 ) المرجع السابق . . ( * )
|
وحين يطلب الرجوع إلى المدينة كأنه بهذا يضحي بكل القيم
والمبادئ التي آمن بها وتبعة الناس عنى أساسها من أجل النجاة بنفسه . . وحين
يطلب أن يضع يده في يد يزيد فكأنه بهذا يضحي بالإسلام النبوي وجهاد أبيه وأخيه
وينفي وجود أية بوادر عداء وصراع بين الحق الذي يمثله والباطل الذي يمثله يزيد
وبني أمية . .
وكيف للإمام الحسين يطلب وضع يده في يد يزيد ويقدم مثل هذه التنازلات ثم في
النهاية يرفض أن يضع يده في يد عبيد الله بن زياد ويقاتل على ذلك . . ؟
أن الذي يقدم مثل هذه التنازلات لا تعجزه مثل هذه الخطوة ولا تشكل له حرجا .
وهو قد قدم هذه التنازلات حتى يتقي شر القتال فكيف يوقع نفسه فيه بهذا السبب .
. ؟
أن مثل هذه الروايات وغيرها إنما هي من صنع السياسة واخترعت خصيصا
لخدمة الخط الأموي ونصرته وضرب خط آل البيت وتشويهه . .
تروي كتب التأريخ أن
عبيد الله بن زياد صعد منبر المسجد الجامع في الكوفة وخطب في الناس بعد مجزرة
كربلاء قائلا : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه
وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته . . ( 57 )
ويحاول مؤرخو وفقهاء
البلاط الأموي أن يدافعوا عن يزيد وتبرأته من تهمة سفك دم الحسين مستغفلين عقل
الأمة بروايات واهية لا يستريح لها عقل ولا تطمئن لها نفس . .
يروى أن يزيد حين
رأى رؤوس الحسين ورفاقه بكى وقال : كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين لعن
الله ابن سمية أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه . . ( 58 )
| |
* هامش * |
|
|
|
( 57
) أنظر الطبري والكامل والبداية والنهاية . .
( 58 ) أنظر الطبري ج4 / 352 .
والكامل ج2 / 298 . ( * )
|
ورغم ذلك لم تثبت لنا الروايات التي جاءت عن طريق
مؤرخي البلاط أن يزيد أنزل أية صورة من صور العقاب بابن سمية ( ابن زياد ) بل
لم يعاتبه على هذا الفعل من الأصل . . وهذا الأمر إن دل على شئ فإنما يدل على
تواطئ يزيد وموافقته بل وتحريضه على قتل الحسين وأهل بيته .
وهذا هو السلوك
الذي تلائم معه ومع شخصيته . وهذا هو الموقف الذي يتبناه حكام بني أمية في
مواجهة آل البيت . . ولقد قالها عبد الملك بن مروان حين ارتقى منبر الرسول صلى
الله عليه وسلم في المدينة عام 57 ه : أني لن أداوي أمراض هذه الأمة بغير
السيف . والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه . .
( 59
)
| |
* هامش * |
|
|
|
( 59 ) أنظر
الكامل ج4 . والمراجع التأريخية الأخرى . . ( * )
|