ركائز الإسلام الأموي

 

 

- السيف والسياسة - صالح الورداني ص 161 :

ركائز الإسلام الأموي
- مصحف عثمان . . - الصحابة . . - الروايات . .

 

- ص 163 -

كانت صفين هي المنعطف التأريخي الذي انبثق منه الإسلام الأموي وساد واقع المسلمين . وكان ضرب خط الإسلام النبوي الذي رفع لواءه الإمام علي وتقوقعه هو بداية غياب التصور الإسلامي الصحيح من هذا الواقع . .


ومنذ ذلك الحين بدأ معاوية وبني أمية من بعده عملية تأسيس جديدة للإسلام معتمدين فيها على الخط القبلي ورموزه البارزة وعلى الرموز الأخرى التي تحالفت معهم . .


وأصبح هذا الإسلام هو الإسلام الشرعي الذي حاز على رضا الحكام على مر الزمان من بني العباس وغيرهم فقد وجدوا فيه الحصانة والشرعية التي تؤهلهم لمواجهة الإسلام النبوي والخارجين عليهم . أصبح الإسلام الأموي مباحا وخط الإمام علي محظورا ومجرما يبطش بأتباعه وينكل بهم . .


وأصبح الإسلام النبوي إسلام باطل يقود إلى النار . . وأصبح الإسلام الأموي حق يقود إلى الجنة . . ولقد عاش الإسلام الأموي في كنف الحكومات ورعايتها وحمايتها فتحققت له السيادة والبقاء . . وضرب الإسلام النبوي واغتيل أئمته فاضطر إلى الاختفاء .


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هي ركائز الإسلام الأموي . . ؟

والإجابة هي أن هذا الإسلام قد قام على ثلاثة ركائز أساسية :
 

الركيزة الأولى : مصحف عثمان

أحدث عثمان فتنة كبيرة بإحراقه المصاحف وإلزامه الأمة بمصحف محدد بهدف خدمة الخط السائد وضرب خط آل البيت والتعتيم على الإسلام النبوي . ( 1 ) .
 

 

* هامش *

 

 

( 1 ) أنظر لنا الخدعة فصل القرآن . ولولا إحراق عثمان للمصاحف ما قامت دولة بنو أمية . . ( * )

 

- ص 164 -

ولقد مهد عثمان بعمله هذا لبروز الإسلام الأموي ودعم أطروحته إذ أن المصاحف الأخرى كانت بين يدي صحابة من شيعة على الملتزمين بالإسلام النبوي . .


كان هناك مصحف ابن مسعود . . ومصحف أبي بن كعب . . ومصحف ابن عباس . . ثم مصحف الإمام علي . . وهؤلاء الأربعة تلقوا القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة فمن ثم هم قاوموا عثمان ورفضوا قراره هذا مما اضطره إلى البطش بالرافضين . .


ووجه الخلاف بين مصحف عثمان وبين مصحف الإمام علي ومصاحف الصحابة ينحصر في أمرين :

 - أنه مرتب ترتيبا خاصا . .

 - أنه مجرد من الحواشي والتفسيرات التي كانت بالمصاحف الأخرى . .

وبالنسبة لأمر الترتيب فقد اعتمد فيه عثمان على عدد من الصحابة الذين ليس لهم سابقة في كتابة القرآن أو حفظه . ( 2 ) .


ومن وجهة أخرى هو اعتمد مصحف حفصة من دون بقية المصاحف التي كانت موجودة . ومصحف حفصة هو المصحف الذي جمعه أبو بكر وعمر : فكأنه بهذا لا يريد للمسلمين أن يخرجوا عن حدود القرآن الذي جمعه أبو بكر ولا يريد أن

يلتزم المسلمون بمصحف الإمام علي أو ابن مسعود أو أبي أو ابن عباس لأن هؤلاء من شيعة على ومصاحفهم لا تخدم الخط القبلي وخط بن أمية الذي يقوم بالتمهيد له . ( 3 ) .
 

 

* هامش *

 

 

( 2 ) أنظر كتب تاريخ القرآن . والبخاري كتاب فضل القرآن وفتح الباري ج13 . وكتابنا الخدعة .
( 3 )
أنظر المراجع السابقة . . ( * )

 

- ص 165 -

إن عثمان بإلزامه الأمة بمصحف حفصة إنما يريد أن يلزمها بالخط القبلي وأن يقضي على أية بادرة تنحرف بالأمة عن هذا الخط . .


وما دامت المصاحف كانت موجودة بين الصحابة فلم يكن هناك من دافع قوي يدفع بعثمان إلى فعله هذا سوى ضرب الإسلام النبوي ومحاصرة الإمام علي الذي بدأ نجمه في البروز نتيجة لكثرة المظالم والانحرافات في عهده . .


وإذا كانت مسألة القراءات هي الدافع لعمل عثمان هذا كما يصور المؤرخون وفقهاء القوم فتد كان ممن الممكن لعثمان أن يلزم الأمة بقراءة واحدة دون أن يحرق المصاحف . ( 4 )


لو كانت المسألة مسألة قراءات ما تصدى له الصحابة ولا اصطدم به ابن مسعود . . ومن المعروف تأريخيا أن مصحف الإمام علي كان مرتبا ترتيبا زمنيا ولا شك أن مثل هذا الترتيب من شأنه أن يسهم في فهم مدلولات النص القرآني . ( 5 ) .


وعندما تكون هناك آيات مدنية في سورة مكية وآيات مكية في سورة مدنية فإن هذا سوف يخلخل مضمون السورة . والهدف من الترتيب العثماني هو التمويه على نصوص القرآن الخاصة بآل البيت والتي ترمي إلى معان محددة لا تخدم الخط السائد بوضعها في وسط آيات تموه على معناها الحقيقي وتذهب بها مذهبا آخر . .

ومن أمثلة ذلك وضع قوله تعالى في سورة الأحزاب : ( إنما يريد الله ليذهب
 

 

* هامش *

 

 

( 4 ) أنظر المراجع السابقة ومقدمات كتب التفسير وليس المقصود بالقراءات هنا الأحرف السبعة وإنما قراءة الآيات بتفسيراتها التي أخذت عن الرسول ، مثل قراءة ابن عباس لقوله تعالى ( فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - فآتوهن أجورهن ) سورة النساء . . وفقهاء القوم يهاجمون هذه القراءة ويعتبرونها شاذة سيرا مع الخط القبلي . . .

( 5 ) اصطدم ابن مسعود وهو من حملة القرآن بعثمان ورفض الاعتراف بمصحفه حتى مات . وهذا الموقت يشير إلى أن المسألة لم تكن مسألة قراءات . وإذا كان هذا موقف ابن مسعود وهو تلميذ الإمام علي فكيف يكون موقف الإمام ؟ إن كتب التاريخ قد عتمت على هذا الموقف . وللمزيد من التفاصيل حول هذا الأمر أنظر المراجع السابقة . . ( * )

 

- ص 166 -

عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) في وسط آيات خاصة بنساء النبي حتى يتوطن في ذهن المسلم أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البيت وبالتالي يضيع المفهوم الحقيقي لأهل البيت والخاص بالإمام علي وفاطمة وذريتهما ويتشتت بين نساء النبي وذرية على . ( 6 ) .


وبالنسبة للأمر الثاني فإن تجريد المصحف من المعاني والتفسيرات التي تلقاها الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم يعني حرمان المسلمين من الوسيلة الشرعية لفهم القرآن التي تحسم الخلاف الذي من الممكن أن يقع حول تفسيره .


وقد وقع هذا الخلاف . . ويعني من جهة أخرى الحيلولة دون فهم القرآن على نهج النبي صلى الله عليه وسلم ودفع المسلمين إلى تلقي هذا الفهم من جهة محددة هي الجهة التي سوف يفرضها الحكم . .


ومن أمثلة ذلك ما كان في مصحف ابن عباس فقد كان يقرأ قوله تعالى في سورة النساء : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) كان يقرأها : فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - فآتوهن أجورهن . ( 7 ) .


ولا شك أن مصحف كهذا سوف يخدم خط بني أمية ويسهم في دعم نموذج الإسلام الذي فرضوه على الأمة . فهو مصحف قابل للتأويل ويمكن استثمار نصوصه بهذا الشكل لصالحهم . .
 

 

* هامش *

 

 

( 6 ) أنظر المراجع السابقة . وقد كان مصحف الإمام يبدأ بسورة العلق . . وانظر تفسير سورة الأحزاب في كتب التفسير . وقد ذم القرآن نساء النبي في سورة التحريم . أنظر كتب التفسير . وهذا الذم فيه دلالة على أنهن لسن المقصودات بالتطهر في الآية . .

( 7 ) أنظر مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل آل البيت . وانظر لنا عقائد السنة وعقائد الشيعة . ( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب