مناقشة روايات خطبة الوداع

 

 

- السيف والسياسة - صالح الورداني ص 15 :

 مناقشة الروايات


من خلال عرض الروايات السابقة نلخص إلى ما يلي :

 - أن رواية البخاري قد حددت أمامنا عدة أمور مستقبلية :

 الأول يتعلق بحفظ الدماء بين المسلمين . .

 والثاني يتعلق بعدم الالتزام بالأول . .

 والثالث يتعلق بشهادة الرسول . .


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : لماذا يركز الرسول في خطبة يودع فيها أمته على الدماء والردة . ثم هو يبلغ ذلك ويشهد عليه ليعلن براءته أمام الله كرسول ناصح لأمته . . ؟ .
 

- ص 16 -

إن هذا البلاغ إنما هو إشارة صريحة من قبل الرسول إلى قطاع من صحابته يبدو من مواقفهم وممارساتهم ما يدعو إلى هذا التحذير . . ولعل هذا هو المعلم الوحيد الذي تبرزه رواية البخاري فيما يتعلق بمستقبل الدعوة وحال الأمة بعد وفاة الرسول

ولا يوجد ما يبرر الصراع والتطاحن وشهر السيوف وضرب الأعناق بعد الرسول إلا الحكم والسعي نحو الفوز به . . ولقد كانت ولاية أبي بكر سببا مباشرا في قيام صراع مسلح بين المسلمين حسمته السيوف بقسوة فيما سمي بقتال مانعي الزكاة . . . ؟ ؟


وما ذكره البخاري هو جزء من خطبة الوداع أما بقيتها فقد شتتها كعادته بين الأبواب التي ترتبط بموضوعاتها . فالجزء الخاص منها بالربا وضعه في باب الربا والجزء الخاص بالنساء وضعه في باب يلائمه وهكذا . . وهذا من شأنه أن يضيع المفهوم العام لخطبة الوداع ويبدد أغراضها . .


أما رواية مسلم فهي رواية متكاملة حددت عدة معالم واضحة : الأول : حفظ الدماء . . الثاني : نبذ الجاهلية . .

الثالث : وضع الربا . . الرابع : احترام النساء . . الخامس : الاعتصام بالكتاب والسنة . السادس : طاعة الحكام . .

السابع : حفظ الحقوق بين المسلمين . . الثامن : البلاغ والشهادة . .

وكون أن الرسول يوصي أمته بحفظ الدماء ونبذ الجاهلية واحترام النساء وحفظ
 

- ص 17 -

الحقوق ووضع الربا فهذا أمر مقبول عقلا . لكن الأمر الغير مقبول هو حضه على الاعتصام بالكتاب والسنة وطاعة الحكام . . فكان من الأولى أن يحض على الكتاب وحده فلم تكن السنة قد جمعت ولم تكن معروفة كمصدر للتشريع . حتى الكتاب - حسب رواياتهم - لم يكن قد جمع ولم يكن يحفظه إلا القلة القليلة من الصحابة .
 

ويبدو أن إضافة السنة هنا هي من اختراع الرواة حيث أن هناك رواية أخرى لمسلم ذكر فيها الكتاب وحده ولم يذكر السنة أما طاعة الحكام فمن الواضح أنها من اختراع السياسة كي تمهد للأنظمة الحاكمة التي سوف تقوم بعد وفاة الرسول . وهي قضية مهدت لها عشرات الأحاديث الأخرى التي تلزم الأمة بطاعة الحكام وإن كانوا فجارا ينتهكون حرمات الناس ( 17 ) .


وما رواه مسلم والبخاري وغيرهما إنما يتعلق بالشق الأول من خطبة الوداع . لكن هناك شق آخر للخطبة تفوق أهميته أهمية الشق الأول . خطبه الرسول في مكان آخر أثناء عودته من الحج مكان يدعى غدير خم بالقرب من المدينة . . وهذا الشق لم

يروه البخاري إنما رواه مسلم وكتب السنن الأخرى . وهو محل جدل بين السنة والشيعة . حيث إن السنة تشكك فيه وإن اعترفت به فهي تشكك في أبعاده والمراد منه . بينما الشيعة تعده من أقوى التصريحات النبوية على وصية الرسول للإمام

علي والتي تؤكد أن الرسول وضع خطوطا عريضة للأمة تهتدي بها بعد وفاته فيما يتعلق بالحكم والإمامة وسائر أمور الدين . . وكون أن الرسول يوصي في حجة الوداع بكتاب الله وآل بيته فإن المسألة يكون لها مدلول آخر . وكونه يمسك بيد علي

ويعلن أنه وليه ويدعو لمن والاه ويدعو على من عاداه فإن المسألة هنا تزداد وضوحا . .
 

 

* هامش *

 

 

( 17 ) أنظر البخاري ومسلم وكتب السنن وهي تكتظ بعشرات الأحاديث التي توجب طاعة الحكام وأن جلدوا ظهور الناس وسلبوا أموالهم وعدم منابذتهم والخروج عليهم وأن الخروج يوجب الحكم بالإعدام ويخرج المسلم من دائرة الإسلام . وانظر لنا عقائد السنة وعقائد الشيعة باب الإمامة . .

 

- ص 18 -

ولعل هذا ما دفع بخصوم علي من الصحابة إلى إنكار ما سمعوه من الرسول بحقه بعد وفاته عندما احتدم الصراع على الحكم . فقد كانت القبلية لا زالت مستحكمة في نفوس الناس آنذاك . كما أن المنافقون وهم قطاع بارز في المجتمع المدني في حياة

الرسول قد برز أكثر بعد وفاته . . ويبدو أن هناك تحالف بين جبهة القبليين وجبهة المنافقين تم في مواجهة جبهة علي وشيعته من الصحابة انتهت بهزيمة جبهة علي . .


ويروى أن عليا شكى الناس لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقام الرسول خطيبا فقال : أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله . . ( 18 ) والناس هنا بالطبع هم قطاع من الصحابة كان يتقول على علي ويحسده على

مكانته من الرسول وعلو شأنه في الإسلام . . وقد حسم رسول الله هذا الأمر بالحكم على مبغضي الإمام علي وكارهيه بالنفاق فيما يروى على لسان علي : عهد إلي النبي الأمي : أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق . . ) ( 19 )


ويروى : كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله بأمرين : صلاة العتمة وبغض عليا . . ومثل هذه الروايات إنما تشير إلى أن الجبهة المعادية لعلي كان لها وجودها في حياة الرسول . كما أن الجبهة المناصرة له كان لها وجودها أيضا . .


وابن تيمية وهو خصم للشيعة ولكل الخارجين على خط بني أمية أقر بأن الرسول أوصى في غدير بأهل البيت وذكر قوله ( أذكركم الله في أهل بيتي ) في عقيدته الواسطية دون ذكر بقية كلام الرسول في علي . . وبالطبع فإن ابن تيمية لا يرى ولا يفهم من كلام الرسول هذا ما يفهمه أصحاب العقول من أنه دلالة على أحقيتهم بالإمامة والاتباع من بعده .


وهذا الفهم لدور آل البيت هو الذي ساد بعد وفاة الرسول وانتصر له ابن تيمية وتلقفته الحكومات
منه حتى آل سعود اليوم ليصبح هو الفهم السائد لدى مسلمي الحقبة النفطية المعاصرة . . ( 20 ) .
 

 

* هامش *

 

 

( 18 ) مسند أحمد ج3 / 86 .
( 19 )
سنن ابن ماجة باب فضائل أصحاب رسول الله . ومثله في الترمذي ومسلم وأحمد . 
( 20 )
أنظر لنا العقل المسلم بين أغلال السلف وأوهام الخلف . وأيضا فقهاء النفط ويذكر أن فتاوى ابن تيمية الكبرى ( 37 ) جزءا طبعت على نفقة خادم الحرمين وتوزع مجانا .( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب