الدولة الإسلامية
أقام الأمويون نظاما ملكيا هو الأول من نوعه في الإسلام وسارت الحكومات التي
جاءت من بعدهم على هذا النهج . وساير الفكر الإسلامي هذا الوضع وبنى نظرية
الدولة الإسلامية على أساسه . .
ولقد كانت أهم ملامح نظام الحكم الإسلامي على مر التاريخ تنحصر فيما يلي :
* الاستبداد . . *
البذخ . . * الملكية . . *
افتقاد حرية الرأي واحترام الإنسان . .
ولم يحدث في تاريخ الفكر الإسلامي أن اصطدم الفقهاء بهذه القواعد بل عايشوها
وتفاعلوا معها تماما كما يتعايش فقهاء اليوم مع الحكومات المعاصرة .
فقد كان الحاكم هو الذي يعين القضاة ويتدخل في الأحكام وهو الذي يعين الخليفة
من بعده وهو صاحب الرأي الأوحد في البلاد ويعيش حياة مترفة على حساب المسلمين
الكادحين المطحونين . . وما يأسف له المرء أن هذه الصورة المنحرفة للحكم
الإسلامي باركها الفقهاء
ودعموها ونسجوا من حولها الروايات والفتاوى التي
تبرر هذه الصورة وتدفع بالمسلمين إلى التعاطف معها . . ( 1 )
فهم قد دافعوا عن
انحرافات عثمان وبرروها . . ودافعوا عن بني أمية وبني العباسي . . ثم عن
الأيوبيين والمماليك والعثمانيين . . ثم ها هم يبكون اليوم على دولة الخلافة
العثمانية ويحلمون بعودة حكم الخلفاء . ناسين أو متناسين الجرائم والانتهاكات
والدماء التي أراقها الخلفاء طوال فترات التاريخ الإسلامي من أجل تثبيت عروشهم
. .
إن هؤلاء الفقهاء لا تعنيهم ممارسات الحكام ومواقفهم لكونها لا تمس الدين
ولا تصطدم بهم فما دامت لا تمس الدين ولا تصطدم بهم فهي إذن في صالح المسلمين .
.
وكيف للحكام أن يمسوا الدين وهو ركيزتهم الأساسية ووسيلة تأمين وجودهم
ومستقبلهم ؟ وكيف لهم أن يصطدموا بالفقهاء وهم حلفائهم وآداتهم في تطويع
المسلمين وتحذيرهم . . ؟
| |
* هامش * |
|
|
|
( 1 ) تكتظ كتب السنن بالكثير من
الروايات التي تدعم الحكام وتباركهم وتفرض على المسلمين طاعتهم والاستسلام لهم
. ومن هذه الروايات المنسوبة للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : إسمعوا وأطيعوا -
للحكام - فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم . . تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب
ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع . .
من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق
الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية . . من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيام
لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة - للحكام - مات ميتة جاهلية . .
من أتاكم
وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه . . فمن
أراد أن يرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان . .
أنظر مسلم
كتاب الإمارة والبخاري وكتب السنن الأخرى . . ومثل هذه الروايات هي التي بني
على أساسها الفقهاء موقفهم وتصورهم حول الحكم والدولة وجعلوه من المفاهيم
والعقائد الثابتة التي لا يجوز للمسلم أن يتجاوزها . أنظر كتب العقائد وانظر
لنا فساد عقائد أهل السنة . . ( * ) |
ومثل هذا الموقف إنما هو نابع من التصور الأحادي الذي يجعلهم
يتصورون كل ما يخرج عن دائرتهم ودائرة إسلامهم هو الباطل والضلال المبين .
فمن ثم يحق للحاكم أن يقتل وأن ينهب وأن ينتهك الحرمات ما دام كل ذلك يجري في
دائرة المخالفين . وإن أهم انعكاسات الخط الأموي على فكرة الدولة وشكلها
ومقوماتها إنما يتمثل في اعتماد الفقهاء لثلاثة صور لقيام الحكم في الإسلام هي
مستنبطة من واقع حكم الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان . .
الصورة الأولى : الشورى من خلال
أهل الحل والعقد وهي مستنبطة من السقيفة ومن فعل أبي بكر وفعل عمر حين أوصى
بالستة . .
الصورة الثانية : الوصية وهي
مشتقة من فعل أبي بكر حين أوصى لعمر وقد مهدت هذه الفكرة لقيام الملكية فيما
بعد . .
الصورة الثالثة : ولاية العهد
وهي مستنبطة من سلوك معاوية وحكام بني أمية وبني العباس وقد أضفت هذه الصورة
المشروعية على نظم الحكم الملكية التي قامت في بلاد المسلمين طوال فترات
التاريخ . .
يقول القاضي أبو يعلى عن كيفية اختيار الحاكم :
وهي فرض على الكفاية مخاطب بها طائفتان من الناس
إحداهما : أهل الاجتهاد حتى
يختاروا .
والثانية : من يوجد فيه شرائط
الإمامة حتى ينتصب أحدهم الإمامة .
أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاثة
شروط
أحدها : العدالة .
والثاني : العلم الذي يتوصل به
إلى معرفة من يستحق الإمامة .
والثالث أن يكون من أهل الرأي
والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح . .
وأما أهل الإمامة فيعتبر فيهم أربع شروط .
أحدها : أن يكون قرشيا من
الصميم وقد روى أحمد : لا يكون من غير قريش خليفة .
الثاني : أن يكون على صفة من
يصلح أن يكون قاضيا : من الحرية والبلوغ والعقل والعلم والعدالة .
الثالث : أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة وإقامة
الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة .
الرابع : أن يكون من أفضلهم في
العلم والدين .
وقد روي عن أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم
والفضل . فقال : ومن غلبهم بالسيف - أي المسلمين وحاكمهم - حتى صار خليفة وسمي
أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما
عليه برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين .
وروي عنه : فإن كان أميرا يعرف بشرب
المسكر والغلول - أي سرقة الغنائم - يغزو معه وإنما ذاك له في نفسه . .
( 2 )
ويقول ابن تيمية عن أهل السنة والجماعة : يرون إقام الحج والجهاد والجمع
والأعياد ، مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا . . ( 3 )
ويقول البيجوري : ونصب
إمام عادل واجب على الأمة عند عدم النص من الله أو رسوله على معين وعدم
الاستخلاف من الإمام السابق بخلافه . ولا يتحقق إلا بشروط خمسة : الإسلام
والبلوغ والعقل والحرية وعدم الفسق . ثم إن هذه الشروط إنما هي في الابتداء
وحالة الاختيار وأما في الدوام فلا يشترط . ولو تغلب عليها - الإمامة - شخص
قهرا انعقدت له وإن لم يكن أهلا . . ( 4 )
ومن الواضح أن هذه الرؤى التي يجمع عليها فقهاء القوم إنما هي مشتقة من الواقع
القبلي والواقع الأموي . وقد بنيت على أساس سلوك الخلفاء الثلاثة وسلوك معاوية
ومن بعده من الخلفاء الذين اغتصبوا الحكم بالقوة وفرضوا أنفسهم على الأمة
وإن لم تتوافر فيهم الشروط المطلوبة في الحاكم حتى ولو كانوا
صبيانا أو عبيدا . . ولقد دفعت الأمة الثمن غاليا ولا زالت تدفع بسبب هذا الطرح
السياسي الذي
| |
* هامش * |
|
|
|
( 2 ) أنظر
الأحكام
السلطانية لأبي يعلى ط القاهرة . . والأحكام السلطانية للماوردي أيضا . .
( 3 )
أنظر العقيدة الواسطية لابن تيمية ط القاهرة أو السعودية . .
( 4 ) أنظر شرح
البيجوري على متن الجوهرة المسمى تحفة المريد على جوهرة التوحيد ط القاهرة .
وهو كتاب مقرر على طلبة المعاهد الأزهرية في مصر . . ( * ) |
لا صلة له بالدين وإنما هو من نتاج واقع باركه
فقهاء يسيرون في ركاب الحكام وأضفوا عليه المشروعية بروايات واجتهادات ألزمت
بها الأمة بتوجيه الحكام . . يقول مالك للمنصور العباسي : لو لم تكن أهلا لما
ولاك الله تعالى . . ( 5 )
ومثل هذا القول إنما يعكس فقه المتغلب الذي تبناه
القوم في مواجهة حالات اغتصاب الحكم من قبل من هو على شاكلة المنصور . .
ويقول
أبو يوسف : إن أمير المؤمنين - هارون - سألني أن أضع له كتابا جامعا يعمل به في
جباية الأموال والعشور والصدقات والجوالي - الجماعات الجائلة غير المستقرة في
مكان محدد - وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه والعمل به . .
( 6 )
وقد حدد أبو
يوسف واجبات الحاكم فيما يلي :
- إقامة حدود الله . .
- رد الحقوق لأصحابها . .
- إحياء سنة الحكام الصالحين . .
- منع الظلم والمساواة بين الناس في تطبيق
أحكام الشرع . .
- أمر الناس بما أمر الله ونهيهم عما نهى عنه . .
- لا يؤخذ من
الرعية إلا بالحق ولا ينفق إلا بالحق . . ( 7 )
أما واجبات المسلمين تجاه الحاكم فقد حددها بما يلي : - ألا يعصوه أو يقاتلوه .
. - ألا يسبوه أو يغشوه . .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 5 ) أنظر
مناقب أبو حنيفة للكردي . وقد قام مالك بتأليف كتاب
الموطأ بتكليف من المنصور . أنظر مقدمة الموطأ ط القاهرة . .
( 6 ) أنظر مقدمة
كتاب الخراج لأبي يوسف . .
( 7 ) أنظر المرجع السابق . . ( * ) |
- أن يصبروا عليه ويخلصوا النصح له . . - أن ينهوه
عن المنكر ويعاونوه على الخير . . ( 8 )
إن الشروط التي اشترطها الفقهاء في
الحكام لم تتوافر في حاكم ممن ولي أمر المسلمين منذ وفاة الرسول ( صلى الله
عليه وسلم ) وحتى اليوم .
كما أن الواجبات التي من المفروض أن يؤدوها تجاه
الأمة لم يلتزموا بشئ منها وضربوا بها عرض الحائط ولم يعترض الفقهاء على هذا
الوضع بل عايشوه وطالبوا الأمة بالصبر عليه . . ( 9 )
إن الفقهاء قد حددوا شكل
الدولة الإسلامية ومقوماتها وصفات الحاكم من خلال سلوك ومواقف الخلفاء الثلاثة
وبني أمية وبني العباس متجنبين الإمام علي ومواقفه ونموذج دولته لكون طرحه
ونموذجه يتناقض مع الطرح والنموذج السائد الذي يسيرون في ركابه . .
لقد كانت
تجربة الإمام علي في الحكم هي التجربة التي تعكس صورة الدولة الإسلامية الحقة
والتي قام الخط الأموي بالتعتيم عليها وتشويهها حتى لا تكتشف حقيقة الحكم
الأموي وتناقضه مع الإسلام . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي ملامح دولة
الإمام علي . . ؟
إن الإمام علي كان زاهدا في الحكم كما كان زاهدا في الدنيا .
وما كان يهدف إليه هو أن تستقيم الأمة على نهج الإسلام النبوي وتسترشد بعلمه
الذي ورثه عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . من هنا فحين طالبه الناس بالبيعة
بعد مصرع
عثمان قال : دعوني والتمسوا غيري . . واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم
ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب . . وأنا لكم وزير خير لكم مني
أميرا . . ( 10 )
| |
* هامش * |
|
|
|
( 8 ) المرجع السابق . .
( 9 ) أنظر شرح مسلم
للنووي كتاب الإمارة . وشرح البخاري لابن حجر كتاب الأحكام وكتاب الفتن . ج13 وانظر كتب العقائد والفقه
وهي تحوي شروحات وتبريرات واسعة لهؤلاء الفقهاء تجاه
الحكام ومواقفهم وانحرافاتهم وانظر كتاب العواصم من القواصم .
وكتابنا فساد
عقائد أهل السنة . .
( 10 ) أنظر نهج البلاغة خطبة رقم 9 / 259 . . ( * ) |
ولقد حدد الإمام علي نهجه في الحكم فور تسلمه
السلطة بقوله : لم تكن بيعتكم إياي فلتة . وليس أمري وأمركم واحد . إني أريدكم
لله وأنتم تريدونني لأنفسكم . أيها الناس أعينوني على أنفسكم وأيم الله لأنصفن
المظلوم من ظالمه . ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها
. . ( 11 )
إن الإمام يوضح من خلال كلمته عدة حقائق وإشارات هامة حول صورة
الحكم . فهو يوجه نقده لطريقة وصول أبي بكر للحكم مشيرا أن بيعته إنما تمت
بإرادة المسلمين وحريتهم دون ضغوط كما حدث في أمر السقيفة .
ثم هو يعلنها صراحة
أنه سوف يضرب أصحاب المصالح والأهواء والقبليين الذين استثمروا الأوضاع السابقة
لصالحهم وحققوا المكاسب على حساب المسلمين وبواسطة أنظمة الحكم السابقة . .
ولقد أوضح الإمام الرؤية للمسلمين كحاكم بقوله :
لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق
وصلة رحم وعائدة كرم . فاسمعوا قولي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد
هذا اليوم تنتضى فيه السيوف وتخان فيه العهود حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة
وشيعة لأهل الجهالة . . ( 12 )
والإمام بتوضيح هذه الرؤية للرعية إنما يضرب
مثلا رائعا في الأمانة والمصارحة لهم في مواجهة الأحداث القادمة التي تهدد وحدة
الأمة . . والإمام يرفض اغتصاب السلطة والاستسلام للأمر الواقع بقوله : أيها
الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم
عليه وأعلمهم بأمر الله فيه فإن شغب شاغب
استعتب فإن أبى قوتل . ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس
فما إلى ذلك سبيل ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا
للغائب أن يختار . . ( 13 )
| |
* هامش * |
|
|
|
( 11 ) أنظر المرجع السابق خطبة رقم
134 / 339
( 12 ) المرجع السابق خطبة رقم 137 / 344 . .
( 13 ) المرجع السابق
خطبة رقم 171 / 408 . . ( * ) |
ويؤكد الإمام من خلال قوله هذا أيضا رفضه لبيعة
الحكام في معزل عن الجماهير كما وقع مع الخلفاء الثلاثة من قبله وكما وقع
للمسلمين من بعده . .
لقد رفع الإمام شعار العدل في وجه الظالمين ومغتصبي حقوق
المسلمين وفي وجه أقارب عثمان وقام بمصادرة ممتلكاته وقطائعه التي ملكها بأموال
المسلمين والتي وزعها على أقاربه وأعوانه . .
يقول الإمام عن عثمان وقطائعه :
والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة ومن
ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق . . ( 14 )
وفي عهد الإمام علي لمالك الأشتر
حين وجهه إلى مصر ملامح نظرية الحكم الإسلامي على نهج النبوة وأسس دستور يحقق
العدل والاستقرار والأمن والتقدم للأمة . .
يقول الإمام لمالك بعد أن أمره
بطاعة الله وتقواه : . . وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا
تكون عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم . . أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة
أهلك وممن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إلا
تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله
خصمه دون عباده . وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل
وأجمعها لرضا الرعية فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع
رضا العامة . وليكن أبعد
رعيتك منك وأشنأهم عندك - أبغضهم - أطلبهم لمعائب
الناس . وإن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا
يكونن لك بطانة . وألصق بأهل الورع والصدق . ولا يكونن المحسن والمسئ عندك
بمنزلة سواء . وأعلم أنه
ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن راع رعيته من إحسانه إليهم
وتخفيفه المؤونات عليهم . ، ولا تنقضن سنة صالحة عمل بها صدر هذه الأمة واجتمعت
به الألفة وصلحت عليه الرعية . وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت
ما صلح عليه
أمر بلادك . وأعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض
ولا غنى ببعضها عن بعض . ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك . ثم أكثر تعاهد
قضائه
| |
* هامش * |
|
|
|
( 14 ) المرجع السابق خطبة رقم 15 / 118 . . ( * ) |
وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته
إلى الناس . ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة وأثرة .
ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول
ما تحت أيديهم . وتفقد أمر
الخراج بما يصلح أهله . ثم استوص بالتجار وذوي
الصناعات وأوص بهم خيرا . ثم الله . الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة
لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى - المرضى وأصحاب العاهات -
وتفقد أمور من لا يصل إليك
منهم . وتعهد أهل اليتيم وذوي الرقة في السن ممن لا
حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه . واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه
شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما . . فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فإن احتجاب الولاة
عن الرعية شعبة من
الضيق وقلة علم بالأمور . والزم الحق من لزمه من القريب
والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا . وإن ظنت الرعية بك حيفا - ظلما - فأصحر -
أظهر - لهم بعذرك وأعدل عنك ظنونهم بإصحارك . ولا ترفضن صلحا دعاك إليه عدوك
ولله فيه رضا
وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك
بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة . وإياك والدماء وسفكها بغير حلها . وإياك والإعجاب
بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء . وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها .
. ( 15 ) .
ولا شك أن هذه الأسس التي حواها عهد الإمام للأشتر لا وجود لها في
واقع الدول التي سادت من بعد صفين . ولا وجود لها في سلوك الحكام ومواقفهم
أولئك الحكام الذين باركهم الفقهاء وطالبوا المسلمين بالصلاة والحج والجهاد من
خلفهم . .( 16 ) ولقد أبرز لنا الإمام من خلال
سلوكه ومواقفه ملمحا هاما وخاصية فريدة يجب
| |
* هامش * |
|
|
|
( 15 ) المرجع السابق
ج2 / خطبة رقم 54 / 621
( 16 ) أنظر عهد الأشتر للشيخ محمد مهدي شمس الدين ط بيروت وعهد الأشتر لمحمد
باقر الناصري
والراعي والرعية للفكيكي ط بيروت . وانظر
شرح نهج البلاغة لابن
أبي الحديد وغيره . . ( * ) |
أن تتوافر في الحاكم المسلم ألا وهي خاصية الحوار
مع الخصوم حتى ولو شهروا سيوفهم في وجه الدولة . والإمام بانتهاجه هذا السلوك
والتزامه بهذا الموقف إنما يبرز روح التسامح ويفسح المجال أمام الرأي الآخر
ليقدم حججه وبراهينه التي تدعم موقفه ورؤيته .
ويمنح الفرصة للمنشقين كي يعودوا
إلى صفوف الجماهير بقناعة ورضا . . برز هذا الموقف في حواره مع أصحاب الجمل . .
وبرز في حواره مع أنصار معاوية في صفين . . وبرز في حواره مع الخوارج المنشقين
عليه . .
يقول الإمام لابن عباس حين أرسله إلى الزبير قبل وقعة الجمل : لا
تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه يركب الصعب ويقول : هو الذلول
ولكن الق الزبير فإنه ألين عريكة فقل له : يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز
وأنكرتني بالعراق . فما عدا مما بدا . . ( 17 )
ويقول الإمام في أهل صفين وقد
نهى أصحابه عن سبهم : اللهم أحقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم
من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوى عن الغي والعدوان من لهج به . .
( 18
) و
في كتاب للإمام إلى معاوية يقول فيه : ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون
هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى
فتجن ما بدا لك والسلام . . ( 19 )
وفي كتاب له أيضا إلى معاوية يقول الإمام : وكيف
أنت صانع إذا تكشفت
| |
* هامش * |
|
|
|
( 17 ) أنظر
نهج البلاغة ج1 / خطبة رقم
31 / 149 . .
( 18 ) المرجع السابق ج1 خطبة رقم 204 / 492 . .
( 19 ) المرجع
السابق ج2 خطبة رقم 6 / 543 ( * ) |
عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها
وخدعت بلذتها دعتك فأجبتها وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها . .
( 20 )
وفي كتاب
آخر يقول له : أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة ففرق
بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم . واليوم أنا استقمنا وفتنتم وما أسلم مسلمكم
إلا كرها وبعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حزبا
. . ( 21 )
ويقول الإمام في الخوارج حين رفعوا شعار لا حكم إلا لله : كلمة حق
يراد بها الباطل . نعم لا حكم إلا لله . لكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا لله .
. ( 22 )
ويقول مخاطبا الخوارج لما حكموا على الإمام بالخطأ في التحكيم وشرطوا
للعودة إلى طاعته أن يعترف بأنه كان قد كفر ثم آمن : أصابكم حصب - ريح شديدة -
ولا بقي منكم آبر . أبعد إيماني بالله وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي
بالكفر . لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين . . ( 23 )
وكان الإمام علي قد أرسل
ابن عباس ليحاور الخوارج بعد أن انشقوا عليه . وأقام ابن عباس عليهم الحجة وعاد
معه منهم ثلاثة آلاف . . ( 24 )
ولقد اضطر الإمام لمقاتلة الخوارج فيما بعد إلا أنه لم يقاتلهم بسبب الأفكار
التي تبنوها أو بسبب خروجهم عليه وإنما قاتلهم بسبب عدوانهم على المسلمين
واستباحتهم دماءهم وأموالهم وهم بهذا الفعل قد استووا مع المحاربين الذين يسعون
في الأرض فسادا ويجب على الإمام استئصالهم .
إن تبني الإمام علي لنهج الشورى والعدل والمساواة والحوار قد جذب إلى نهجه
| |
* هامش * |
|
|
|
( 20 ) المرجع السابق ج2 / 10 / 546 .
( 21 ) المرجع السابق ج2 / 65 / 662 . .
( 22 ) المرجع السابق ج1 خطبة 4 / 163 . .
( 23 ) المرجع السابق
ج1 / خطبة 58 / 179 . .
( 24 ) أنظر محاورة ابن عباس للخوارج في كتاب جامع بيان
العلم ط القاهرة . . ( * ) |
الموالي والجنسيات الأخرى غير العربية وعلى رأسهم الفرس الذين
وجدوا في طرحه ما ينشدون من العدل والمساواة والحرية وهو ما كانوا يفتقدونه في
الطرح الأموي الذي كان يقوم على أساس القبلية والعنصرية . .
ولعل هذا يفسر سر ارتباط الفرس بالإمام علي وآل البيت من بعده إذ وجدوا في خطهم
الخلاص من الظلم والتفرقة العنصرية التي كانوا يعيشونها في ظل بنى ومما سبق
يتبين لنا مدى الفروق الشاسعة والهوة السحيقة بين دولة الإمام علي ودولة بني
أمية التي يمكن تحديدها فيما يلي :
* إن دولة الإمام علي هي دولة متغيرة حسب
متطلبات الواقع ومصالح الجماهير بينما دولة الأمويون ثابتة المعالم والأطر .
* إن دولة الإمام علي
دولة جماهير بينما دولة معاوية وقومه دولة حكام . .
* إن دولة الإمام هي دولة
العدل والمساواة والشورى بينما هذه الأسس الثلاث لا وجود لها في واقع الدول
الأخرى . .
* إن دولة الإمام علي هي
دولة الحوار بينما الدول الأخرى عدوة له وتغلق الأبواب أمامه . .
لقد ارتبطت فكرة الدولة في الطرح السني بالاستبداد والفصل بين سلطة الفقهاء
وسلطة الحكام وعدم التدخل في شئون الحاكم والاستسلام المطلق له وهذه هي أخطر
انعكاسات الإسلام الأموي مما أدى إلى ضياع الشورى والعدل والمساواة من واقع
المسلمين . .
بينما ارتبطت فكرة الدولة في طرح آل البيت بالشورى وعدم الفصل بين السلطتين
لضرورة أن يكون الحاكم فقيها كما ارتبطت بالعدل والمساواة والجماهير ووضعت
الحاكم تحت رقابتها . .
ويحاول الطرح السني أن يلزم الأمة بفكرة ثابتة وشكل ثابت للدولة الإسلامية وهو
الشكل الذي تمخض عن الواقع القبلي الأموي والذي يقوم على سلطة
الحكام وسلطة الفقهاء ونتيجته الدائمة هي سقوط
الفقهاء في شباك السياسة وخضوعهم للحاكم . . ويبدو أن هناك تخبط واضح لدى الطرف
السني في تحديد معالم الدولة وشكلها وهذا التخبط إنما هو ناتج من اختلاف
ممارسات الحكام ومواقفهم واختلاف
شكل الدولة من حكم لآخر . فدولة أبي بكر غير
دولة عمر . ودولة عمر غير دولة أبي بكر . ودولة عثمان غير دولة عمر . ودولة
معاوية تختلف عن دولة الثلاثة . . ( 25 )
أما دولة الإمام علي فهي نموذج آخر
غير هذه النماذج والقوم لم يعتدوا به من الأصل ولعل لهم عذرهم في هذا فهم لم
يعايشوه وإنما عايشوا حكم بني أمية وبني العباس .
إن الدولة الإسلامية في منظور
آل البيت ليس لها شكل محدد ومعالم وأطر ثابتة وهي متحررة تماما من النزعة
الإلهية . ومثل هذه الأمور إنما هي متروكة للاجتهاد . ولعل طرح فكرة ولاية
الفقيه من قبل الإمام الخميني وتطبيقها في إيران اليوم يشير إلى ذلك . .
( 26 )
| |
* هامش * |
|
|
|
(
25 ) أنظر كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي وهو يؤرخ من دولة أبي بكر إلى عصر
المماليك . ويبدو للمطالع لهذا الكتاب مدى الفوارق والخلافات بين دول الإسلام
التي قامت منذ وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وحتى اليوم .
( 26 ) قام الإمام الخميني بطرح فكرة ولاية
الفقيه وتطبيقها عمليا لأول مرة في تأريخ الشيعة . وقد اصطدم به كثير من
فقهاء الشيعة وعارضوه في هذه الفكرة حيث أن أغلب فقهاء الشيعة يرون عدم
جواز حكم الفقيه في عصر غيبة الإمام المهدي .
وفي هذا الموقف إشارة
إلى أن مسألة الحكم عند الشيعة ليس بالضرورة أن يتولاها فقيه من رجال الدين
وليست فكرة الدولة تقوم على أساس الماضي كما هو الحال عند السنة . والشيعة
لا ترفض فكرة الجمهورية أو الانتخاب الحر أو الأحزاب . . ( * ) |