بين المرض والوفاة
روى البخاري عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس .
. وما يوم الخميس ؟ اشتد برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وجعه : فقال :
إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا . فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع
: فقالوا ما شأنه أهجر
استفهموه . فذهبوا يردون عليه . فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني
إليه . وأوصاهم بثلاث . قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب . وأجيزوا الوفد
بنحو ما كنت أجيزهم . وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها . .
وفي رواية : لما حضر رسول الله ( صلى الله عليه
وسلم ) وفي البيت رجال : فقال النبي هلموا أكتب لم كتابا لا تضلوا بعده . فقال
بعضهم أن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن . حسبنا كتاب الله . فاختلف
أهل البيت واختصموا .
فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده . ومنهم من يقول غير
ذلك . فلما أكثروا اللغو والاختلاف . قال رسول الله : قوموا . قال ابن عباس :
إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب
لاختلافهم ولغطهم . . ( 31 )
وفي رواية ثالثة عن ابن عباس : لما اشتد بالنبي
وجعه قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده . قال عمر : إن النبي
غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا . فاختلفوا وكثر اللغط . قال : قوموا عني
ولا ينبغي عندي التنازع . فخرج ابن عباس يقول : أن الرزية كل الرزية ما حال بين
رسول الله وبين كتابه . . ( 32 )
قال القرطبي وغيره ائتوني أمر وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال . لكن ظهر
لعمر مع طائفة أنه ليس على الوجوب وأنه من باب الارشاد إلى الأصلح فكرهوا أن
يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قول الله تعالى
(
ما فرطنا في الكتاب من شئ
) وقوله :
(
تبيانا لكل شئ ) .
.
| |
* هامش * |
|
|
|
( 31 ) البخاري كتاب العلم وانظر كتاب المرضى .
وانظر مسلم كتاب الوصية ومسند أحمد ج1 / 355
( 32 ) المراجع السابقة . ( * )
|
وقال الخطابي : إنما ذهب عمر إلى أنة لو نص بما
يزيل الخلاف لبطلت فضيلة العلماء وعدم الاجتهاد . . وقال ابن الجوزي . . وإنما
خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حالة غلبة المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلا إلى
الطعن في ذلك المكتوب . .
ويقول ابن حجر معلقا على قول ابن عباس : إن الرزية كل
الزرية ما حال بين رسول الله وبين كتابه . . وليس الأمر في الواقع على ما
يقتضيه هذا الظاهر . بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا
الحديث .
وجزم ابن تيمية في الرد على الرافضي - الحلي - بما قلته . ، إنما تعين
حمله على غبر الظاهر لأن عبيد الله بن عباس راوي الحديث تابعي من الطبقة
الثانية لم يدرك القصة في وقتها لأنه ولد بعد النبي بمدة طويلة ثم سمعها من ابن
عباس بعد ذلك بمدة أخرى . . ( 33 )
وروت عائشة أن الرسول في حال احتضاره كان
يقول : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
( 34 ) .
ويروى أن
الناس قد ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا . فقالت : متى أوصى إليه فقد كانت
مسندته إلى صدري ( أو قالت حجري ) فدعا بالطست . . فلقد انخنث في حجري وما شعرت
أنه مات . فمتى أوصى إليه . . ؟ ( 35 )
وروي عن عائشة أن رسول الله ( صلى الله
عليه وسلم ) كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده . فلما اشتكى
وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد
النبي عنه . . وقد أذن له في أن يمرض في بيت عائشة من قبل نسائه لما يعلمن
محبته لها وارتياحه إليها . . ( 36 )
| |
* هامش * |
|
|
|
( 33 ) أنظر فتح الباري
ج13 / 336 و ج 8 / 132 وما بعدها وقول ابن حجر هذا يفتح باب الشك في طرق الرواية
عند أهل السنة .
( 34 ) البخاري ومسلم .
( 35 ) البخاري ومسلم
.
( 36 ) البخاري
. كتاب المغازي . باب مرض النبي ووفاته . . وانظر مسلم . ( * ) |
وفي بيت عائشة اشتد به الوجع . وكان يقول : أهريقوا
علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس . ثم خرج عاصبا رأسه بعد
أن صب عليه الماء فجلس على المنبر ثم قال : أيها الناس إن آمن الناس علي في
ماله وصحبته أبو بكر .
ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . ولكن إخوة
الإسلام . لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر . وإني فرط لكم . وأنا
شهيد عليكم . وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن . وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض
. وإني والله ما أخاف
أن تشركوا من بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا
فيها . . ( 37 )
ويروى عن عائشة قالت : قال لي رسول الله في مرضه أدعي لي أبا
بكر أباك وأخاك . حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل : أنا
أولى . ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر . . ( 38 ) ولما حال المرض بين رسول
الله وبين
الخروج قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . فقالت عائشة : يا رسول
الله : إن أبا بكر رجل أسيف ( رقيق ) وأنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس .
فقال : أنكم صواحب يوسف . مروا أبا بكر فليصل بالناس . . ( 39 )
ويروى عن عائشة
أنها قالت : ورأساه : فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك لو كان وأنا
حي وأستغفر لك وأدعو لك . فقال عائشة ، واثكلتاه والله إني لأظنك تحب موتى ولو
كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك . .
فقال النبي : بل أنا وارأساه .
لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبى بكر فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى
المتمنون . ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون . .
(
40 )
وإذا ما قمنا بمناقشة هذه النصوص المتعلقة بمرض الرسول ووفاته فسوف تتكشف
| |
* هامش * |
|
|
|
( 37 )
البخاري . كتاب المغازي . باب مرض النبي . وكتاب فضائل
الصحابة . باب فضل أبي بكر .
( 38 ) مسلم . كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر
. وانظر البخاري كتاب الأحكام باب الاستخلاف . .
( 39 ) مسلم كتاب الصلاة . باب
استخلاف الإمام إذا عرض له عذر . .
( 40 ) البخاري . كتاب الأحكام . باب
الاستخلاف . . ( * ) |
أمامنا بعض النتائج التي من الممكن أن تقودنا إلى
حل بعض النقاط الغامضة المتعلقة بوصية الرسول فرواية ابن عباس المتعلقة بطلب
الرسول كتابة كتاب تهتدي به الأمة بعد وفاته التزم أمامها أهل السنة بسياستهم
التبريرية المعتادة لذلك السلوك
وتلك المواقف المتناقضة مع روح الإسلام ومع
العقل التي سلكها الصحابة وفي مقدمتهم عمر أمام نبيهم مما هو واضح من خلال
أقوالهم التي عرضناها والتي ترتكز في صميمها على هدم أية محاولة لتفسير النص
تفسيرا يمس الصحابة ؟
ولو بشئ من النقد حتى لا تهتز صورتهم في أعين الناس
فيفقدوا قدوتهم وتضيع مثاليتهم حتى لو أدى ذلك إلى إلجام العقل وتكبيله .
فالعقل لا يمثل أهمية كبيرة عندهم ولو كانوا يحترمونه ما اخترعوا كل تلك
القواعد التي تزجره عن الخوض في
خلافات الصحابة أو في النصوص المنسوبة للرسول
الخاصة بطاعة الحكام أو تلك المتناقضة مع القرآن والتي هي صحيحة بطرقهم . .
(
41 )
وقد نقل ابن حجر أن المقصود بالكتاب في حديث ابن عباس هو تعيين الخليفة
(
42 ) .
وقال عياض : معنى كلمة هجر التي ذكرها عمرة أفحش . يقال هجر الرجل إذا
هذى . وأهجر إذا أفحش . . ( 43 ) إذا كان معنى كلمة هجر بهذه الصورة فهل يحق
لصحابي أن يقولها لنبيه . . ؟
يقول ابن حجر : وقوع ذلك عن النبي ( صلى الله
عليه وسلم ) مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى
( وما ينطق عن الهوى
. . ) ( 44 ) فهل كان عمر يجهل أن الرسول معصوما . . ؟
وليت أهل السنة يسيرون في تأويل مواقف الصحابة على أساس القرآن كما فعل ابن حجر
في مواجهة موقف عمر من الرسول . . لو فعلوا ذلك لكانوا قد
| |
* هامش * |
|
|
|
( 41 ) أنظر لنا
العقل المسلم
. وانظر العواصم من القواصم . .
( 42 ) فتح الباري ج13 / 206 .
( 43 ) المرجع
السابق . .
( 44 ) المرجع السابق . . ( * ) |
أغلقوا الباب في وجه السياسة إلى الأبد . فقد
استثمرت السياسة مواقف الصحابة أفضل استثمار . واشتقت من أحداث السقيفة ومواقف
عمر وعثمان ما بنيت على أساسه قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم . .
( 45 )
إلا أن هذا الاستدلال الذي بناه ابن حجر على الآية يعد من فلتاته . فقد تابع
أهل السنة في مواقفهم التي تبرر أفعال الصحابة وممارستهم على أساس السياسة وعلى
أساس كونهم عدول مجتهدون . . ( 46 )
والحق أن موقف عمر كان رزية كبيرة تسببت في
تعويق مسيرة الإسلام وضياع الأمة وشتاتها بين الحكام والفقهاء وأهل الأهواء . .
وهو فعل يضاف إلى سيئات الرجل وليس محمدة له كما يحاول فقهاء التبرير تصوير ذلك
. والعقل لا يقبل أن
يحمل مثل هذا السلوك من قبل عمر على محمل الخير . أي خير
في معارضة نبي ؟ وإذا اعتبرناه مجتهدا فهل يحق له الاجتهاد على أمر رسول الله .
. ؟ وقول عمر حسبنا كتاب الله قول مغرض . فهو لم يكن من الحافظين لكتاب الله
المسلمين
بأحكامه وإن كان مخترعو الأحاديث وفقهاء التبرير قد حاولوا أن يضفوا
عليه صفة الفقيه المجتهد ويدل على ذلك موقفه بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه
وسلم ) حين ادعى عدم موته وهدد القائلين بموته وهو موقف لا ينم عن علمه بطبيعة
الرسالة
ودور الرسول . ولم يتخذ هذا الموقف أحد سواه حتى جاء أبو بكر ففقهه
بالآية . فقال كأني أسمعها أول مرة . . ( 47 ) إن موقف عمر ومن حالفه إنما يشير
إلى أن هناك جبهة من الصحابة كانت ضد كتابة الوصية وموقف هذه الجبهة إنما ينبع
من
يقينها أن هذه الوصية ليست في صالحها . إذ لا يعقل أن ترفض
أمة وصية نبيها في احتضاره وهي تعلم أنه خاتم الرسل . فإن عدم وجود رسل من بعده
يجعل الحاجة لهذه الوصية أشد وأكثر مصيرية .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 45 ) سوف نبين الأمر في الفصول
القادمة . .
( 46 ) أنظر العواصم وكتب العقائد . ويعتبر أهل السنة عدالة
الصحابة من العقائد . .
( 47 ) أنظر المحطة الثالثة ( * ) |
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو :
لماذا استجاب الرسول لعدم الكتابة وطرد الجميع . . وكان من الأولى له كرسول
خاتم أن يصر على كتابها لكونها مسألة مصيرية تتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين .
. ؟
إن الجبهة المعارضة لكتابة الوصية كانت تعلم بموقفها هذا أنها لن تحول بين
الرسول وبين الوصية . فهي لن تستطع بحال أن تمنع الرسول من أداء مهمته لكونه
مؤيد من قبل الله تعالى ومن مهمته أن يوصي أمته حال وفاته . فالوصية جزء من
البلاغ
الذي هو أساس مهمته والذي بعث من أجله . . لكن هناك فرق بين
أن يكتب الرسول الوصية وبين أن يبلغها شفاهية . عندما يكتبها تكون حجة على
المخالفين إلى يوم الدين ويصبح من العسير تحريفها . . وعندما تكون شفاهية فهنا
يكون الباب مفتوحا
للتأويل والتزييف . فإن تحريف القول أيسر من تحريف الكتاب . .
وهذا هو هدف جبهة عمر أن تحول دون كتابة الوصية وليس منعها وهو ما حدث .