ثبوت الشفاعة لمن أذنب بواسطة الأنبياء والصالحين

 

 

- الشفاعة حقيقة اسلامية - مركز الرسالة ص 39 :

 الإشكال الرابع : إن معرفة الناس بثبوت الشفاعة لمن أذنب بواسطة الأنبياء والصالحين يخلق عندهم الجرأة على ارتكاب الذنب على أمل نيل الشفاعة منهم يوم القيامة . وهذا الأمر سيؤدي إلى عبثية الأحكام المتعلقة بالجزاء حيث سيضطرب النظام الاجتماعي ويشيع الفساد في الناس وتنتهك أحكام الله التي وضعها لعباده .


والجواب عليه : إن مشكلة هذا الإشكال وضعفه : هو أنه تجاهل ظاهرة مهمة في الآيات القرآنية التي تناولت بصورة مباشرة موضوع الشفاعة وقبولها ، وكذلك الآيات التي تحدثت عن خلود الكافرين في النار . .


وهذه الظاهرة هي : إن آيات الشفاعة لم تعين على سبيل التحديد أفراد الناس ومجاميعهم ممن تنالهم الشفاعة ، كما أنها لم تعين الذنوب التي تقبل الشفاعة فيها . . فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف تطمئن نفس أن تنالها الشفاعة ، وكيف تطمئن أيضا إلى أن ذنبها الذي ترتكبه هو من الذنوب التي تقبل بها الشفاعة .


ومن هنا فإن النفس والحال هذه ستبقى متعلقة ، وجلة تتملكها الخشية من ارتكاب الذنب والمعصية خوفا أن لا تكون ممن تنالها الشفاعة ، أو أن يكون ذنبها مما لا تقبل فيه الشفاعة .
 

- ص 40 -

أما الآيات الشريفة التي تحدثت عن الكافرين وخلودهم في النار وأنواع العذاب ، وعدم غفران ذنوبهم ، فإنها شخصت الاطار العام للصفات والأفعال التي إذا تميز بها الإنسان فإنه يدخل النار ، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( 1 ) .


والآية كما ترى تتحدث عن المغفرة يوم القيامة ، وأنها لا تنال الذين ماتوا وهم مشركون . وعلى هذا فكيف تكون الشفاعة موجبة لجرأة الناس على الذنوب والمعاصي ؟ مع أن ارتكاب الذنب من قبل المؤمن لا بد أن تعقبه التوبة طلبا للغفران . .


لأن هذه صفة المؤمن بالله تعالى واليوم الآخر ، فإنه دائما يراقب نفسه لئلا يقع في معصية ، فإن استولى عليه الشيطان وأغواه وارتكب المعصية تذكر وتاب إلى الله توبة نصوحا فضلا عن أن يصر على الذنب الواقع منه .


فالإيمان ليس لونا نضفيه على الإنسان ، بل هو يتجسد في المحتوى الداخلي للإنسان وعلاقته بربه وسلوكه الاجتماعي المنضبط بأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه .


ولعل ما يشير إلى ذلك الآية الشريفة : * ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم

 

 * هامش *
( 1 ) النساء 4 : 48 . ( * )

 

 

- ص 41 -

يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) * ( 1 ) . فالآية القرآنية هنا تتحدث عن صنف من الناس حددت طبيعة سلوكهم ولم تعين أشخاصهم . . كما أنها لم تحدد نوع الفاحشة أو الظلم . . ولكنها تشير إلى أنهم بعد ارتكابهم الظلم والفاحشة يذكرون الله

ويستغفرون لذنوبهم وأنهم لا يصرون عليها . . هؤلاء الناس يغفر الله ذنوبهم ، ولولا الاستغفار لما نالوا هذا الوعد الإلهي بغفران ذنوبهم . وإلى ذلك يشير الحديث الشريف ، فعن علي بن إبراهيم ، عن محمد ابن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الله

بن سنان ، قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت هل يخرجه ذلك من الإسلام ؟ وإن عذب كان عذابه كعذاب المشركين ، أم له مدة وانقطاع ؟


فقال ( عليه السلام ) : ( من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام وعذب أشد العذاب ، وإن كان معترفا أنه أذنب ومات عليه - أي مصرا على الذنب - أخرجه من الإيمان ولم يخرجه من الإسلام وكان عذابه أهون من عذاب الأول ) ( 2 ) .
 

 

 * هامش *
( 1 ) آل عمران 3 : 135 . ( 2 ) أصول الكافي 2 : 285 / 23 كتاب الإيمان والكفر باب الكبائر . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب