|
|
- الشفاعة حقيقة اسلامية - مركز الرسالة ص
41 : |
الإشكال
الخامس : إن العقل قد يحكم بإمكانية وقوع الشفاعة بالإفادة من آيات القرآن
الكريم ، ولكنه لا يستطيع أن يحكم بفعلية وقوعها خصوصا وأن في القرآن ما ينفي
الشفاعة مطلقا كقوله تعالى : * (
. . لا بيع فيه ولا خله ولا
شفاعة ) *
( 1 ) ، وبعضها الآخر يقيد الشفاعة بقيود
كما في قوله تعالى : * (
إلا بإذنه . . ) * ( 2 ) ،
وقوله تعالى * ( . . إلا
لمن ارتضى . . ) * ( 3 )
، ولكن هذه الآيات وغيرها لا تدل دلالة قطعية على وقوع
الشفاعة
وحصولها اليقيني ، فالقرآن الكريم ينفي الشفاعة آونة ، ويقيدها أخرى
برضا الله سبحانه وتعالى ، ويذكر القرآن الكريم مرة أخرى أن الشفاعة لا تنفع ،
كقوله تعالى * ( . . . فما
تنفعهم شفاعة الشافعين ) *
( 4 ) .
والجواب عليه : إن ملخص الجواب هو أن الآيات التي
يستدل بها على نفي الشفاعة ، لا تنفي الشفاعة مطلقا ، بل إنها تنفيها عن بعض
الناس وقد وردت هذه الاستثناءات في آيات عديدة .
أما فيما يتعلق بالقيود الموجودة في حصول الشفاعة من جهة ، وقبولها من جهة أخرى
، فإن ذلك لا يعني نفيها بل يؤكد وقوعها وإثباتها ، على خلاف ما ادعاه النافون
من أنها لا تنفع ، مستدلين على ذلك ، بقوله تعالى : * (
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
) * ( 5 ) .
وهذا الاستدلال غير صحيح ، لأن سياق الآيات التي تسبق هذه
الآية تتحدث كلها عن المجرمين المستقرين في سقر ، حيث تقول الآيات :
| |
* هامش *
( 1 )
البقرة 2 : 254 . ( 2 )
البقرة 2 : 255 . ( 3
) الأنبياء 21 : 28 .
( 4 ) المدثر
74 : 48 . ( 5 )
المدثر 74 : 48 . ( * ) |
|
* ( كل
نفس بما كسبت رهينة *
إلا أصحاب اليمين *
في جنات يتساءلون )
*
ثم تقول الآيات الشريفة : * (
عن المجرمين *
ما سلككم في سقر *
قالوا لم نك من المصلين *
ولم نك نطعم المسكين
* وكنا نخوض مع الخائضين
* وكنا نكذب بيوم الدين
* حتى أتانا اليقين
* فما تنفعهم شفاعة الشافعين
) * ( 1 ) .
وهكذا يتضح من خلال هذا السياق : إن الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين هم هؤلاء
المستقرون في سقر الذين لم يكونوا من المصلين ، وكانوا يكذبون بيوم الدين ، حتى
أتاهم اليقين حين وجدوا أنفسهم في سقر فلا تنفعهم بعد صفاتهم تلك شفاعة
الشافعين .
بعد هذا العرض السريع للإشكالات التي يوردها النافون للشفاعة والردود عليها ،
يتضح أن الشفاعة ليست من الأمور التي تقع ضمن دائرة الاثنينية في الجزاء الإلهي
، والمقصود بالاثنينية " تعدد الجزاء مع وحدة الفعل " ولا هي متناقضة مع عدالة
الله بل هي تثبيت لهذا العدل باعتبارها كانت وعدا تقدم والجزاء به هو وفاء لذلك
الوعد .
كما أنها ليست ناتجة عن علم جديد أو انصراف عن فعل مقرر من قبل ، بل هي علم
سابق وفعل مقرر ، وهي أيضا لا توجب الجرأة على المعصية بل توجب الحيطة والحذر ،
والخشية من ارتكاب الذنب ، إذ لم تصرح الآيات بجميع الذنوب التي تقبل فيها
الشفاعة .
وهي أخيرا ثابتة موجودة ، لكنها لا تنال بعض الأصناف من الناس الذين وردت
صفاتهم في القرآن الكريم ، وأنها لا تحصل إلا بإذن الله تعالى
| |
* هامش *
( 1 )
المدثر 74 : 38 - 48 . ( * )
|
|
ورضاه . قال الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) عن
آبائه الطيبين الطاهرين عن جده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوله : (
من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله شفاعتي - ثم قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) -
إنما شفاعتي لأهل
الكبائر من أمتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل ) ، قال
الحسين بن خالد : فقلت للرضا ( عليه السلام ) : يا بن رسول الله فما معنى قول
الله عز وجل : * ( ولا
يشفعون إلا لمن ارتضى ) *
( 1 ) قال ( عليه السلام ) : ( لا يشفعون إلا لمن
ارتضى الله دينه ) ( 2 ) .
| |
* هامش *
( 1 )
الأنبياء 21 : 28 . (
2 ) أمالي الصدوق : 5 . ( * )
|
|
|