|
|
- الشفاعة حقيقة اسلامية - مركز الرسالة ص 45 : |
الفصل الثالث
أثر الشفاعة في المصالح الدنيوية
تقدم في الفصول السابقة ، الحديث عن الشفاعة فيما يتعلق بالآخرة ، حيث الغفران
من الذنوب ورفع العقاب يوم الحساب .
وقد ناقشنا هناك الإشكالات التي وردت على الشفاعة ، وبات
واضحا أن الشفاعة وأثرها في الحياة الآخرة هي قضية ثابتة بصريح القرآن الكريم
والأحاديث النبوية الشريفة .
لكن هناك مناقشات ، تدور حول أثر الشفاعة في الحياة الدنيا ،
وهي مناقشات تتمحور حول الإجابة عن السؤال التالي : هل أن طلب الشفاعة في أمور
الدنيا من غير الله جائز شرعا ، وهل أن لها أثرا إيجابيا في الحياة الدنيا
كالرزق والشفاء من الأمراض والنجاح في الأعمال ، أو الإنقاذ من الأخطار وغيرها
من شؤون الحياة الدنيا ، أم إنها غير جائزة ، وغير ذات فائدة في الدنيا ؟
أما في مسألة الجواز : فقد تقدم أن الله سبحانه وتعالى قد أخبر عن رجال ارتضاهم
ليشفعوا عنده في عباده الذين ارتضى . . وقد وردت عدة روايات تؤيد ذلك نقلناها
سابقا ، هذا فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال .
أما فيما يتعلق بالشق الثاني منه ، وهو : هل أن للشفاعة أثرا
وفائدة في تحصيل المصالح والمنافع الدنيوية أم لا ؟
فنقول : إن الشفاعة تعطي -
بالإضافة إلى المعاني التي تقدمت في أول البحث - معنى الدعاء أيضا ، فالنبي (
صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما يشفع لمؤمن فإنه يدعو الله سبحانه وتعالى ،
فقد ذكر السيد العاملي أن " شفاعة النبي ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) أو غيره عبارة عن دعائه الله تعالى لأجل الغير وطلبه منه غفران الذنب
وقضاء الحوائج ، فالشفاعة نوع من الدعاء والرجاء .
حكى النيسابوري في تفسير قوله تعالى : * (
من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة
سيئة يكن له كفل منها ) *
( 1 ) عن مقاتل أنه قال : الشفاعة إلى الله إنما
هي الدعوة لمسلم ، لما روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : من دعا
لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك "
( 2 ) .
وعلى هذا الأساس ، فإن دعاء المؤمن لأخيه المؤمن في حياته في حاجة من حوائج
الدنيا أمر مقبول لا غبار عليه ولا مناقشة فيه بعد الذي تقدم ، ولما ورد من
الحث على دعاء المؤمنين للمؤمنين : عن إبراهيم بن أبي البلاد رفعه وقال : قال
رسول الله
( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( من سألكم بالله فاعطوا ، ومن
أتاكم معروفا فكافوه ، وإن لم تجدوا ما تكافونه فادعوا الله له حتى تظنوا أنكم
قد كافيتموه ) ( 3 ) .
| |
* هامش *
( 1 )
النساء 4 : 85 . ( 2 )
كشف الارتياب ، للسيد محسن العاملي : 196 .
( 3 ) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة
، للشيخ محمد الحر العاملي 11 : 537 / 5 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ،
أبواب فعل المعروف . ( * ) |
|
وقولك لأخيك المؤمن " جزاك الله خيرا " هو نوع من الدعاء
والشفاعة له عند الله ، أو غير ذلك من الدعاء الذي نمارسه في حياتنا العادية مع
أصدقائنا وإخواننا وأقاربنا .
وهذا اللون من الدعاء والشفاعة لا غبار عليه ولا مناقشة فيه كما قدمنا . لكن
المناقشة تدور عادة بين المنكرين لجواز الشفاعة وتأثيرها في حاجات الدنيا ،
وبين القائلين بجوازها وتأثيرها ، حول طلب الشفاعة من الأموات أو الذين غادروا
الحياة الدنيا على قول أدق .
رأي ابن تيمية ومناقشته : فقد ذهب ابن تيمية ومن
تابعه إلى أن طلب الشفاعة في حاجات الدنيا أو غيرها من " الأموات " شرك " . . .
وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع في هذه الأمور ، لأني أتوسل
إلى الله كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من أفعال الذين يزعمون
أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم ، والمشركين الذين
أخبر الله عنهم أنهم قالوا : * (
ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى
) * . . " ( 1 ) .
وتهافت وفساد هذا الرأي الذي يذهب إليه ابن تيمية أنه جعل طلب الدعاء والشفاعة
بمنزلة مساوية ل " عبادة غير الله " ، مع أن الشفاعة أصلا لا تعني العبادة لا
بمعناها اللغوي ولا بمعناها الاصطلاحي ، كما أن الداعي الداخلي والنفسي لطلب
الشفاعة تعني شيئا آخرا غير الداعي النفسي لعبادة الأصنام والبشر أو غير ذلك
مما يتوسل بها المشركون والكافرون
| |
* هامش *
( 1 )
زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور ، لابن
تيمية : 156 . والآية من سورة الزمر 39 : 3 .
( * ) |
|
لتقربهم على حد زعمهم إلى الله زلفى .
وقد تقدم في هذا البحث أن أبا بكر جاء إلى رسول الله ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) بعد وفاته وكشف عن وجهه وسلم عليه وطلب منه الدعاء له
عند الله ، كما ورد نفس الأمر عن الإمام علي ( عليه السلام ) . وطلبه ذلك من
رسول الله ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) وهو الذي قال عنه رسول الله ( صلى الله عليه
وآله وسلم ) : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) ( 1 )
يدل بما لا مزيد عليه على صحة الطلب من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
حتى بعد وفاته . وإذا دققنا في الآية القرآنية
الشريفة : * (
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند
ربهم يرزقون . . ) *
( 2 ) .
والآية الشريفة : * ( ولا
تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون . . .
) * ( 3 ) . نجد أنهما واضحتان في الدلالة
على الحياة بعد مفارقة الدنيا ، ولكن الإنسان بطبيعته المادية لا يدرك هذه
الحياة ولا يلمسها ولا يعرف حقيقتها إلا بعد الموت .
ويقول العلامة الطباطبائي في تفسيره لآية * (
ولا تقولوا لمن يقتل . . )
* : فالآية تدل دلالة واضحة على حياة الإنسان البرزخية ، كالآية النظيرة لها
وهي قوله تعالى : * ( ولا
تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون . .
) * ( 4 ) .
أما الموتى من المؤمنين من غير الشهداء فإنهم كما عبرت روايات
| |
* هامش *
( 1 )
فتح الملك العلي في إثبات صحة حديث باب مدينة العلم
علي ، للسيد أحمد بن الصديق الغماري الشافعي - طبعة حديثة 1995 م .
( 2 ) آل عمران 3 : 169 .
( 3 ) البقرة 2
: 154 . ( 4 ) الميزان
في تفسير القرآن ، للطباطبائي 1 : 347 - 348 . ( * ) |
|
كثيرة يعيشون في البرزخ ويزورون أهلهم . . . عن علي بن
إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد الله (
عليه السلام ) قال : ( إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب ويستر عنه ما يكره ،
وإن الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحب ، . . . ومنهم من يزور كل
جمعة ، ومنهم من يزور على قدر عمله ) ( 1 ) .
وبعد وضوح كل ذلك ، فما المانع من أن يكون هؤلاء الذين غادروا الحياة الدنيا
إلى الحياة الآخرة ، يسمعون ويرون ويدعون الله للذين لم يلحقوا بهم من المؤمنين
والشهداء في قضاء حوائجهم * (
فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم
يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله
وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين . . )
* ( 2 ) .
وكل ما تقدم يدل دلالة واضحة على أن الإنسان بعد الانتقال من الحياة الدنيا
فإنه يعيش حياة أخرى ، يرى الكافر فيها العذاب فيتألم ، ويرى المؤمنون فيها
النعيم فيفرحون ويستبشرون ، وهكذا يبطل زعم القائلين بأن الإنسان إذا مات
انقطعت كل أسباب العلاقة بينه وبين الأحياء في الدنيا وهو مذهب القائلين بعدم
جواز التوسل بالأموات ، وهو مذهب فاسد كما علمت لأنه مخالف لصريح القرآن الكريم
.
وقبل أن نختم هذا الفصل لا بأس بإيراد رواية صحيحة تروى عن
| |
* هامش *
( 1 )
الكافي 3 : 230 / 1 باب أن الميت يزور أهله .
( 2 ) آل عمران
3 : 170 - 171 . ( * ) |
|
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مما تنفع في هذا الباب
. بعد أن انتهت معركة بدر الكبرى بانتصار المسلمين ، وقف رسول الله ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) على قتلى المشركين فقال : ( يا أهل القليب بئس عشيرة النبي
كنتم لنبيكم كذبتموني
وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني
الناس . . . - حتى قال - : هل وجدتم ما وعدكم ربي حقا )
( 1 ) .
فلو كان هؤلاء القتلى الذين غادروا الحياة الدنيا لا يسمعون ، فهل كان عبثا
حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معهم ، وهو الذي لا ينطق عن الهوى
إن هو إلا وحي يوحى ؟
| |
* هامش *
( 1 )
السيرة النبوية 1 : 639 . والسيرة
الحلبية 2 : 179 - 180 . كما أشار إلى قصة حديث الرسول الأكرم محمد
( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع قتلى قريش وقوله للسائلين يا رسول الله
أتكلم قوما موتى ؟ ( وما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن
يجيبوني )
ذكر ذلك الكثير من المحدثين والمؤرخين من
الفريقين ، وتجد ذلك في صحيح البخاري 5 : 76
- 77 و 86 - 87 في معركة بدر . وصحيح مسلم 8
: 163 كتاب الجنة باب مقعد الميت . وسنن النسائي
4 : 89 - 90 باب أرواح المؤمنين . وبحار الأنوار
19 : 346 . ( * ) |
|
|