مفهوم الشفاعة وحقيقتها في القرآن والسنة المطهرة

 

 

- الشفاعة حقيقة اسلامية - مركز الرسالة ص 9 :

الفصل الأول مفهوم الشفاعة وحقيقتها في القرآن والسنة المطهرة


أولا : الشفاعة في اللغة والاصطلاح : في اللغة شفع شفعا ، الشئ صيره شفعا أي زوجا بأن يضيف إليه مثله ، يقال كان وترا فشفعه بآخر " أي قرنه به " .
 

وتقول " شفع لي الأشخاص " أي أرى الشخص شخصين لضعف بصري ، وشفع شفاعة لفلان ، أو فيه إلى زيد : طلب من زيد أن يعاونه وشفع عليه بالعداوة : أعان عليه وضاده . وتشفع لي وإلي بفلان أو في فلان : طلب شفاعتي .


وأما التعريف الاصطلاحي فلم يخرج عن الدلالة اللغوية كثيرا ، إذ الشفاعة هي : " السؤال في التجاوز عن الذنوب " ( 1 ) ، أو هي : " عبارة عن طلبه من المشفوع إليه أمرا للمشفوع له ، فشفاعة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو غيره
 

 

 * هامش *
( 1 ) راجع : التعريفات للجرجاني : 56 . والنهاية في غريب الحديث ، لابن الأثير 2 : 485 . والكليات ، لأبي البقاء : 536 ،
       وفيه ( وأما المشفوع له فصاحب الكبيرة عندنا ) . ( * )

 

 

- ص 10 -

عبارة عن دعائه الله تعالى لأجل الغير وطلبه منه غفران الذنب وقضاء الحوائج ، فالشفاعة نوع من الدعاء والرجاء " ( 1 )


ثانيا : الشفاعة في القرآن الكريم وردت مادة الشفاعة في القرآن الكريم بعدة معاني نفيا وإثباتا ، فقد بلغ مجموع الآيات الشريفة التي تحدثت بصورة مباشرة عن هذا المفهوم خمس وعشرين آية توزعت على ثمانية عشر سورة قرآنية شريفة .

والشفاعة الواردة في القرآن الكريم تتعرض كلها إلى الجانب الأول من المعنى الاصطلاحي وهو رفع العقاب عن المذنبين ، وليس علو الدرجة والمقام .


في موضوع الشفاعة يتحرك النص القرآني الشريف باتجاهين :

الأول : الاتجاه الذي يحدد الشفعاء .

والثاني : الاتجاه الذي يحدد الأفراد والمجموعات الذين تنالهم الشفاعة من جهة ، والذين لا تنالهم الشفاعة من جهة ثانية . والقرآن إذ يحدد ذلك فإنه يحددهم موضوعيا من خلال طبيعة السلوك العام للأفراد في الحياة الدنيا .

 وهناك من يرى أن في الآيات القرآنية اتجاها ثالثا رئيسيا وهو اتجاه نفي مطلق الشفاعة . ونحن هنا نحاول معرفة الشفاعة بين النفي والاثبات .
 

 

 * هامش *
( 1 ) كشف الارتياب ، للسيد محسن الأمين العاملي : 196 . ( * )

 

 

- ص 11 -

لم يرد في القرآن الكريم ما ينفي الشفاعة بصورة مطلقة ، بل الملاحظ هو أن النفي جاء بصورة خاصة متعلقا بفئة معينة من الناس ممن حددهم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بمواصفاتهم ، ومن هنا فإن الثابت هو أن قسما معينا من الناس ممن يدخلون ضمن دائرة التعريف ب‍ " الكفر " بكل معنى من معانيه هم المحرومون من الشفاعة .


والقرآن الكريم حين ينفي استحقاق مجموعة معينة من الناس للشفاعة فإنه من جهة ثانية يؤكد وجودها لصنف آخر من الناس ممن يدخلون ضمن دائرة التعريف ب‍ " المؤمنين " .


ومثال ذلك قوله تعالى : * ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها . . . ) * ( 1 ) .


والاستثناء من نيل الشفاعة كما ورد في الآية الشريفة واضح فهو ينصرف إلى الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا . أو قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) * ( 2 ) .


ومع أن الخطاب القرآني هنا موجه بشكل خاص إلى المؤمنين * ( يا أيها الذين آمنوا . . . ) * إلا أن نفي الشفاعة في الآية الشريفة لم يكن نفيا مطلقا بل هي بقرينة ذيلها ، وهو قوله تعالى : * ( والكافرون هم الظالمون ) *
 

 

 * هامش *
( 1 ) الأنعام 6 : 70 . ( 2 ) البقرة 2 : 254 . ( * )

 

 

- ص 12 -

تدل على حرمان الكافرين من الشفاعة ، غير أن الآية الكريمة جاءت لتقول للمؤمنين : إن الامتناع من الانفاق في سبيل الله كفر ، فيكون " الممتنع عن الانفاق " محروما من الشفاعة لكونه من مصاديق " الكافرين " هكذا قال العلامة الطباطبائي في تفسير الآية المباركة ( 1 ) .


والآية القرآنية الشريفة المتقدمة هي من أكثر الآيات القرآنية التي وقعت في موقع الاستدلال على نفي الشفاعة ، وهذا الاستدلال على نفي مطلق الشفاعة صحيح لو لم تعقب الآية بجملة * ( والكافرون هم الظالمون ) * حيث كان فيها إيضاح
بأن الذين لا ينفقون مما رزقهم الله في سبيله هم الذين لا تنالهم الشفاعة ، لأنهم يدخلون في عداد الكافرين بناء على ما تقدم .


ومن هنا فليس في القرآن الكريم نفي مطلق للشفاعة ، وإنما يصح أن يقال إن النفي الموجود في القرآن المجيد هو نفي مقيد للشفاعة بقيد موضوعي فإذا ارتفع القيد ارتفع النفي . وفي مقابل ذلك نجد أن القرآن الكريم زاخر بالآيات التي تؤكد وجود الشفاعة ، مثل قوله تعالى : * ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) * ( 2 ) .


ومع أن الآية الكريمة تتحدث عن نموذج معين من الناس من الذين كانوا يفترون على الله الكذب ، وهي تنفي أن تنالهم الشفاعة يوم

 

 * هامش *
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، للسيد محمد حسين الطباطبائي 2 : 323 . ( 2 ) الأعراف 7 : 53 . ( * )

 

 

- ص 13 -

القيامة لأنهم كما يقول القرآن قد * ( خسروا أنفسهم ) * فإنها توضح من جهة أخرى حقيقة وجود الشفاعة بحيث يطلبها هؤلاء فلا ينالونها أبدا .

أو قوله تعالى : * ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) * ( 1 ) .

أو قوله عز شأنه : * ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ) * ( 2 ) .

وكقوله تعالى : * ( ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) * ( 3 ) .


وهذه الآيات الشريفة وغيرها كثير تصرح بوجود الشفاعة يوم القيامة ، غاية الأمر أن القرآن الكريم يصف الشفعاء بعدة صفات ، فمنهم * ( من اتخذ عند الرحمن عهدا ) *

ومنهم * ( من أذن له الرحمن ) *

ومنهم * ( من شهد بالحق وهم يعلمون ) *

وأصحاب هذه الصفات الثلاثة وغيرها قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى المنزلة العالية التي تجعلهم قادرين على أن يشفعوا فيمن يرتضي الرحمن شفاعتهم فيهم .


وخلاصة القول هي أن الشفاعة موجودة بصريح القرآن وغاية الأمر هي محدودة بحدود في طرف الشفعاء وفي طرف المشفع فيهم ، وأنها لا تنال قسما من الناس . ولتيسير الأمر على القارئ الكريم نحيله إلى مطالعة الآيات القرآنية
 

 

 * هامش *
( 1 ) مريم 19 : 87 . ( 2 ) طه 20 : 109 . ( 3 ) الزخرف 43 : 86 . ( * )

 

 

- ص 14 -

التي تحدثت عن هذا المفهوم والتي سنذكرها أثناء البحث أيضا وهي كالآتي : سورة البقرة : 48 ، 123 ، 254 ، 255 .

سورة النساء : 85 . الأعراف : 53 . الأنبياء : 28 . الشعراء : 100 . المدثر : 48 . الأنعام : 51 ، 70 ، 94 .

يونس : 3 ، 18 . مريم : 87 . طه : 109 . سبأ : 23 . الزمر : 43 ، 44 . الزخرف : 86 . يس : 23 . النجم : 26 .

الفجر : 3 . غافر : 18 . الروم : 13 .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب