الشفاعة عند علماء المسلمين

 

 

- الشفاعة حقيقة اسلامية - مركز الرسالة ص 25 :

الفصل الثاني الشفاعة عند علماء المسلمين


يكاد يجمع علماء المسلمين على وجود الشفاعة وأنها تنال المؤمنين . . لكن بعضهم ناقش في سعة المفهوم وضيقه ، ففيما يجمع أغلب أئمة الفرق والمذاهب الإسلامية على أن الشفاعة تنفع في دفع الضرر والعذاب . أولا : آراء وأقوال العلماء حول مفهوم الشفاعة :


 1 - قال الشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري ( ت 413 ه‍ ) : " اتفقت الإمامية على أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته ، وأن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته ، وأن أئمة آل محمد ( عليهم السلام ) كذلك ، وينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين " .


وقال في مكان آخر : " ويشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ويشفعه الله . وعلى هذا القول إجماع الإمامية إلا من شذ

- ص 26 -

منهم " ( 1 ) .
 

 2 - وقال الشيخ محمد بن الحسن الطوسي ( ت 460 ه‍ ) في تفسيره ( التبيان ) : " حقيقة الشفاعة عندنا أن تكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع ، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيشفعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما روي من قوله عليه السلام : ( ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) . والشفاعة ثبتت عندنا للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين . . . " ( 2 ) .



 3 - وقال العلامة المحقق الفضل بن الحسن الطبرسي ( ت 548 ه‍ ) : " . . . وهي ثابتة عندنا للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولأصحابه المنتجبين والأئمة من أهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) ولصالحي المؤمنين وينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين . . " ( 3 ) .



 4 - ويقول العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ( ت 1110 ه‍ ) : " أما الشفاعة فاعلم أنه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنها من ضروريات الدين وذلك بأن الرسول يشفع لأمته يوم القيامة ، بل للأمم الأخرى ، غير أن الخلاف هو في معنى الشفاعة وآثارها ، هل هي بمعنى الزيادة في المثوبات أو إسقاط العقوبة عن المذنبين ؟
 

 

 * هامش *
( 1 ) أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ، للشيخ المفيد : 29 تحقيق مهدي محقق .
( 2 )
التبيان ، للشيخ الطوسي : 213 - 214 . ( 3 ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، للشيخ الطبرسي : 103 . ( * )

 

 

- ص 27 -

والشيعة ذهبت إلى أن الشفاعة تنفع في إسقاط العقاب وإن كانت ذنوبهم من الكبائر ، ويعتقدون بأن الشفاعة ليست منحصرة في النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمة ( عليهم السلام ) من بعده ، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن الله تعالى لهم بذلك . . . " ( 1 ) .


ما تقدم كان نماذج من أقوال علماء الشيعة الإمامية حول الشفاعة معنى وحدودا ، أما علماء المذاهب الإسلامية الأخرى فقد أقروا بالشفاعة والإيمان بها ، وننقل فيما يلي نماذج من آراءهم وأقوالهم .


 1 - الماتريدي السمرقندي ( ت 333 ه‍ ) : عند تفسيره لقوله تعالى : * ( ولا يقبل منها شفاعة ) * ( 2 ) ،
وقوله تعالى : * ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى . . ) * ( 3 ) . " إن الآية الأولى وإن كانت تنفي الشفاعة ، ولكن هنا شفاعة مقبولة في الإسلام وهي التي تشير إليها هذه الآية " ( 4 ) ويقصد بها الآية 28 من سورة الأنبياء .


 2 - أبو حفص النسفي ( ت 538 ه‍ ) : يقول في عقائده المعروفة ب‍ ( العقائد النسفية ) : " الشفاعة ثابتة للرسل
 

 

 * هامش *
( 1 ) بحار الأنوار ، للشيخ المجلسي 8 : 29 - 63 .
( 2 )
البقرة 2 : 48 . ( 3 ) الأنبياء 21 : 28 . ( 4 ) تأويلات أهل السنة ، لأبي منصور الماتريدي السمرقندي : 148 . ( * )

 

 

- ص 28 -

والأخيار في حق الكبائر بالمستفيض من الأخبار " ( 1 ) .


 3 - ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي : يقول في الانتصاف " وأما من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها ، وأما من آمن بها وصدقها وهم أهل السنة والجماعة فأولئك يرجون رحمة الله ، ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادخرت لهم . . . " ( 2 ) .


 4 - القاضي عياض بن موسى ( ت 544 ه‍ ) : " مذهب أهل السنة هو جواز الشفاعة عقلا ووجودها سمعا بصريح الآيات وبخبر الصادق ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين ، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها . . . " ( 3 ) .


وقد ذهب الكثير من علماء المسلمين إلى حقية وجود الشفاعة مما لا يسع في هذا البحث الموجز حصره من أقوالهم وآرائهم لضيق المجال .


ويتضح مما تقدم ، أن الشفاعة - واعتمادا على نصوص القرآن الكريم الصريحة والأحاديث الشريفة المتواترة المنقولة عن النبي الأكرم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) - هي من القضايا المقبولة عند أغلب الفرق والمذاهب الإسلامية ، مع وجود من يناقش في معنى الشفاعة ،
 

 

 * هامش *
( 1 ) العقائد النسفية ، لأبي حفص النسفي : 148 .
( 2 )
الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ، للإمام ناصر الدين الاسكندري المالكي المطبوع بهامش الكشاف 1 : 214 .
( 3 )
نقلا عن : شرح صحيح مسلم ، للنووي 3 : 35 . ( * )

 

 

- ص 29 -

فقد رفض المعتزلة الشفاعة وناقشوا فيها . . حيث يقول أحد أعلامهم وهو أبو الحسن الخياط وهو يفسر قوله تعالى :
* ( أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار . . . ) * ( 1 ) : " إن الآية تنص على أن من استحق العذاب لا يمكن للرسول أن ينقذه من جهنم . . "


وفي رد ذلك يقول الشيخ المفيد ( رضي الله عنه ) : " إن القائلين بالشفاعة لا يدعون بأن الرسول هو المنقذ للمستحقين النار وإنما الذي يدعونه إن الله سبحانه ينقذهم منها إكراما لنبيه والطيبين من أهل بيته ( عليهم السلام ) .


هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن المفسرين يذهبون إلى أن الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم الكفار ، وإن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يشفع لهم " ( 2 )


ومن هنا يكون هذا الاحتجاج بالآية الشريفة الآنفة على نفي الشفاعة احتجاجا غير صحيح .
 

 

 * هامش *
( 1 ) الزمر 39 : 19 .
( 2 )
الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ، لهاشم معروف الحسني : 212 - 213 نقلا عن الفصول المختارة : 50 . ( * )

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب