|
|
- الشفاعة حقيقة اسلامية - مركز الرسالة ص 34 :
|
الإشكال
الثاني : إن رفع العقاب عن المذنبين يوم القيامة بعد أن أثبته الله
بالوعيد به " أي العقاب " يوم القيامة إما أن يكون عدلا أو يكون ظلما . فإن كان
رفع العقاب عدلا كان الحكم بالعقاب ظلما " تعالى الله عنه علوا كبيرا " .
وإن كان رفع العقاب ظلما ، فإن طلب الأنبياء والمرسلين
والصالحين للشفاعة ، هو طلب للظلم وهذا جهل لا تجوز نسبته إليهم ( عليهم السلام
) وهم المرسلون الذين عصمهم الله من الخطأ والزلل .
والجواب عليه : وهو
إشكالية التعارض بين أن يكون رفع العقاب ( عدلا ) فالعقوبة الناتجة عن الذنب (
ظلم ) لا يجوز على الله سبحانه وتعالى ، وبين أن يكون رفعه ( العقاب ) ظلما -
بعد أن تقدم الوعيد به في الحياة الدنيا - فإن طلب الأنبياء أو الشفعاء بشكل
عام ، يعد طلبا للظلم ، وهم أبعد وأسمى من ذلك .
قد ذكرنا أن الذنب من المؤمن ليس علة تامة لوقوع العقاب عليه ، وإنما هو مقتض
للعقاب ، فإن حصل هناك ما يمنع من وقوعه من الموانع التي قررها المولى نفسه
كالتوبة والشفاعة ارتفع العقاب ، وإلا أثر الذنب أثره .
وقد ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوله : (
إذا قمت المقام المحمود تشفعت في أصحاب الكبائر من أمتي
فيشفعني الله فيهم ، والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي )
( 1 ) .
وعلى هذا ، فإن عقاب الله سبحانه للعبد المؤمن المذنب عين العدل ، كما أن إعطاء
الثواب للعبد المؤمن المطيع عين العدل ، فلولا استحقاق العاصي للعقاب لم يبق
فرق بينه وبين المطيع ، إلا أن هذا الاستحقاق قد لا يصل إلى مرحلة الفعلية
لتحقق مانع عنها كالشفاعة والتوبة .
وبهذا اتضح عدم التنافي بين قانون العدل الإلهي ، وقانون الشفاعة . وحاصل ذلك :
إن " الشفاعة " ما هي إلا " فضل ورحمة من الله " جعلها
| |
* هامش *
( 1 )
أمالي الصدوق : 177 . ( * )
|
|
عز وجل للمؤمنين ، وبها وقع الفصل بين المؤمن
والكافر ، غير أنها " رحمة " منه ، وأي تعارض بين " الرحمة " و " العدل " ؟ إن
الوعد الإلهي بقبول الشفاعة بحق بعض عباده يختص بأولئك الذين حددهم بصورة عامة
داخل دائرة ومساحة الإيمان به وكتبه ورسله .
ومن هنا فإن رفع العقوبة عن المؤمن المرتكب للذنب هو نوع من التفضل الإلهي على
عباده المؤمنين . قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : (
خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت
الشفاعة لأنها أعم وأكفى أترونها للمتقين ؟ لا ، ولكنها للمذنبين الخطائين
المتلوثين ) ( 1 ) .
وقال الإمام الحسن ( عليه السلام ) : ( إن النبي قال في
جواب نفر من اليهود سألوه عن مسائل : وأما شفاعتي ففي أصحاب الكبائر ما خلا أهل
الشرك والظلم ) ( 2 ) .
أما إنزال العقاب على المشركين والكافرين فقد تقدم بها الوعيد الإلهي ، ومن هنا
فأن الأنبياء والأوصياء والذين ارتضى سبحانه وتعالى شفاعتهم ، لا يشفعون أصلا
في الكافرين أو المشركين أو الذين وعد الله سبحانه وتعالى بخلودهم في جهنم ،
ويتضح من هذا الرد أننا أمام صنفين من الناس ، صنف آمن وأذنب . . وصنف كفر
وأشرك ، ومن هنا فإن افتراض أن يطرد الجزاء وينطبق من ناحية " الهوية " على
الصنفين معا هو افتراض غير صحيح .
| |
* هامش *
( 1 )
سنن ابن ماجة 2 : 1441 / 4311 . ومسند
أحمد 6 : 23 و 24 و 28 . ( 2 )
الخصال ، للصدوق : 355 . ( * )
|
|
نعم الإشكال يرد فيما لو تم رفع العقاب عن فرد من
الصنف الأول ولم يرفع عن فرد آخر من نفس الصنف مع أنهما متساويان في الصفات
تماما . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن " وقوع الشفاعة وارتفاع العقاب . . وذلك
إثر عدة من الأسباب ،
كالرحمة والمغفرة والحكم والقضاء وإعطاء كل ذي حق
حقه ، والفصل في القضاء ، لا يوجب اختلافا في السنة الجارية وضلالا عن الصراط
المستقيم " ( 1 ) .
| |
* هامش *
( 1 )
الميزان في تفسير القرآن ، للطباطبائي 1 :
164 . ( * )
|
|
|