في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي  ص 3 : -

في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين
السيدة فاطمة الزهراء
دكتور محمد بيومي مهران الأستاذ بكلية الآداب جامعة الإسكندرية

- ص 4 -

بسم الله الرحمن الرحيم
اسم الكتاب السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام
المؤلف دكتور محمد بيومي مهران استاد جامعة الإسكندرية

تاريخ الطبع : رمضان المبارك 1418 قمري 1376 شمسي المطيعة : سفير أصفهان ليتوگرافى : إسلامي عدد 2000 نسخة الطبع الثاني باهتمام : سيد محمود ابن مرحوم سيد محمد مير هندي أصفهاني

- ص 5 -

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين مولانا وسيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين ، انك حميد مجيد

- ص 7 -

إهداء

إليك يا ابنة رسول الله
إليك يا أحب الناس إلى رسول الله
إليك يا زوج إمام الأئمة
إليك يا أم الحسن والحسين
إليك يا أم السادة الأشراف نسل النبي
إليك يا سيدة نساء المؤمنين
إليك يا سيدة نساء أهل الجنة
إليك يا سيدة نساء العالمين
إليك يا من قال عنها رسول الله فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها فقد أغضبني
إليك يا سيدتي يا قرة عين النبي
إليك يا سيدتي يا فاطمة الزهراء البتول اشرف بإهداء هذا الدراسة وكلي أمل من ربي - جل جلاه - أن يتقبلها
 

- ص 9 -

تقديم انتهينا من الأجزاء الثلاثة الأولى من هذه السلسلة ( في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين ) من سيرة سيد الأنبياء والمرسلين ، سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونتحدث في هذا الجزء الرابع ، من السلسلة عن ( السيدة فاطمة الزهراء ) وهو في نفس الوقت انما يمثل الجزء الأول من الأجزاء الأربعة التي خصصناها لآل البيت الطيبين الطاهرين ، وقد قسمناه إلى قسمين رئيسيين :
 الأول عن : أهل البيت كمقدمة للأجزاء الأربعة التالية :
والثاني عن : السيدة فاطمة الزهراء - كجزء أول من هذه الأجزاء الأربعة . ( 1 )

والحديث عن ( أهل البيت ) حديث قديم جديد ، فمنذ صدر الإسلام ، والى يوم الناس هذا ، والى ما بعد يوم الناس هذا والمؤرخون وأهل السير يكتبون في مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وستظل الاقدام تسطر عظمتهم ، ما كان للعظمة من ذكر ، فلقد استوقفت تعاليمهم الباحثين من أمم مختلفة ، ومذاهب متباينة ، لأنهم وجدوا فيها عظمة الله ، وهيبة الحق ، وقوة العلم ، وكرامة الإنسان ، واحترام الحياة ، وجلال الكون ، فاستلهموها واتخذوا منها مقياسا للحق والفضيلة ، ومصدرا للعلم والتشريع

- ص 10 -

وبدهي أنه لا غرابة في ذلك ، فأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - كما قيل فيهم - هم عيش العلم وموت الجهل ، يخبرك حلمهم عن علمهم ، وصمتهم عن حكم منطقهم ، لا يخالفون الحق ، ولا يختلفون فيه ، هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحق في نصابه وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدين ، عقل وعاية ورعاية ، لا عقل سماع ورواية ، فان رواة ، العلم كثير ، ووعاية قليل .

وأهل البيت - بيت النبي صلى الله عليه وسلم - انما هم شجرة النبوة ، ومحط الرسالة ، ومنبع الرحمة ، ومعدن العلم ، وينابيع الحكمة ، وكنوز الرحمن ، ناصرهم ومحبهم ينتظر رحمة الله ونفحاته ، ومبغضهن يستقبل نقمة الله وسطوته ، بهم هدايتنا من الظلماء ، وهم سر جدهم المصطفى ، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين .

هذا وقد حاولنا في هذا الجزء من هذه الدراسة ، ان نحدد من هم أهل البيت النبوي الشريف ؟ فتناقشنا الآراء المختلفة التي دارت حول هذا التحديد ، وارتضينا - عن اقتناع وإيمان - أن أهل البيت انما هم سادتنا الخمسة الكرام البرزة : سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن ، والحسين ، عليهم السلام ، قال بذلك كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفيف من أهل الحديث والتفسير ، فمن الصحابة أبو سعيد الخدري وانس بن مالك وواثلة بن الاسقع وأم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين أم سلمة وابن أبي سلمة ، ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وسعد وغيرهم ، وقال به الكثيرون من أهل التفسير والحديث ، قال به الفخر الرازي في التفسير الكبير والزمخشري في الكشاف والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ، والشوكاني في فتح القدير ، والطبري في جامع البيان عن تأويل أي القرآن ، والسيوطي في الدر المنثور ، وقال به الإمام احمد في المسند وابن حجر العسقلاني في الإصابة والحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه .

وقد قدمنا الكثير من الأدلة على ذلك من الحديث الشريف ومن كتب التفسير ، ومن أقوال أهل البيت الكرام البرزة ، والحق ان لفظ ( أهل البيت ) إذا أطلق انما ينصرف إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ، عليهم السلام ، وذريتهم ،

- ص 11 -

وإن لم يكن له إلا شهوته فيهم لكفى .

هذا وقد تحدث القرآن الكريم والحديث الشريف عن فضائل أهل البيت ، ففي القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تشير إلى فضل أهل البيت ، لعل من أشهرها : آية الأحزاب ( 33 ) يقول تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وهذه الآية الكريمة - فيما يرى جمهور العلماء - هي منبع فضائل انزلها في حقهم .

وآية الشورى ( 23 ) يقول تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) وروي الإمام احمد والطبراني وابن أبي حاتم والواحدي عن ابن عباس انه قال : لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله : من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما .

وآية الأحزاب ( 56 ) قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) روى البخاري في صحيحه - عن كعب بن عجزة - قال : ( قيل يا رسول الله اما السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف الصلاة ؟ قال قالوا : اللهم صلى على محمد وآل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد ) .

وفي هذا دليل على ان الأمر بالصلاة على آل محمد ، مراد من الآية ، وإلا لما سألوا عن الصلاة على أهل البيت عقب نزولها ، ولم يجابوا بما ذكر ، على أن النبي صلى الله عليه وسلم أن ينيله مولاه ، عزوجل ، من الرحمة المقرونة بتعظيمه بما يليق به ، ومن ذلك ما يفيضه ، عزوجل منه على أهل بيته ، فإنه من جملة تعظيمه وتكرمه صلى الله عليه وسلم ، ويؤيد ذلك ما جاء في طرق أحاديث الكساء من قوله صلى الله عليه وسلم : اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( اللهم انهم مني وأنا منهم ، فاجعل صلواتك وبركاتك عليهم ) .

وأما الحديث الشريف ، فلقد ورد الكثير من أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبين فضل أهل البيت ، وتحض المسلمين على مودتهم وموالاتهم ، وتنفر من 

- ص 21 -

بغضهم وكراهتهم ، بل وتعلن توضوح وجلاء أن حب آل النبي صلى الله عليه وسلم من حبه ، وأن بغضهم من بغضه ، وأنه لا أمل لمن يكره آل النبي صلى الله عليه وسلم من رضاه صلى الله عليه وسلم في الدنيا وشفاعته في الآخرة

وقد روي الإمام مسلم في صحيحه - عن زيد بن أرقم - قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ، ثم قال : أما بعد ألا أيها الناس ، فإنما أنا بشر ، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أولهما : كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكر كم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ) .

ورواه الإمام احمد والنسائي ، وفي رواية للترمذي إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، احدهما اكبر من الأخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفون فيهما ، وروى ذلك أيضا أبو ذر وأبو سعيد وجابر وحذيفة بن أسيد ، وأورده ابن تيمية في الفرقان .

وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن أهل بيته ثقلين ، والثقل كل نفيس خطير مصون ، وهما كذلك ، إذ كلا منهما معدن العلوم اللدنية ، والحكم العلمية ، والأحكام الشرعية ، وقال الطيبي - كما في تحفة الاحوذي - لعل السر في هذه التوصية ، واقتران العترة بالقرآن ، أن إيجاب محبتهم لائح من معنى قوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) فإن الله تعالى انما جعل شكر إنعامه وإحسانه بالقرآن منوطا بمحبتهم على سبيل الحصر ، فكأنه صلى الله عليه وسلم يوصي الأمة بقيام الشكر ، وقيد تلك النعمة به ، ويحذرهم عن الكفران ، فمن أقام بالوصية وشكر تلك الصنيعة بحسن الخلاقة فيهما لن يفترقا ، فلا يفارقانه في مواطن القيامة ومشاهدها حتى يردا على الحوض ، فشكر صنيعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ هو 

- ص 13 -

بنفسه يكافئه ، والله تعالى يجازيه الجزاء الأوفى ، ومن أضاع الوصية وكفر النعمة فحكمه على العكس ، وعلى هذا التأويل حسن موقع قوله صلى الله عليه وسلم : ( فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) أي تأملوا وتفكروا واستعملوا الرويد في استخلافي إياكم ، هل تكونون خلف صدق أو خلف سوء ) .

هذا وقد اختص الله تعالى أهل البيت بخصائص كثيرة ، منها ان من كرامة أهل البيت عند الله تعالى ، أن جعل الصلاة عليهم - كما اشرنا - انفا - مقرونة بالصلاة على جدهم العظيم ، سيد الأولين والآخرين ، وأفضل الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في كل صلاة ، وفي كل تشهد ، ومنها ان الله تعالى قد أمر - كما أوصى الرسول الله صلى الله عليه وسلم بحب أهل البيت ، لأنهم غصون هذه الدوحة المباركة ، التي أصلها في الأرض وفرعها في السماء والتي اصطفاها الله تعالى من بين خلقه ، واصطنعها على عينه ، فبلغت أوج الكمال في الروح والجسد ، وفي السر والعلن ، وذلك لأنها بضعة اشرف الخلق وأكرم الأنبياء

ويقول ابن كثير : ولا ننكر الوصاية بأهل البيت ، والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم ، فإنهم من ذرية طاهرة ، من اشرف بيت وجه الأرض ، فخرا وحسبا ونسبا وصدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول - فيما يروي مسلم في صحيحه ان الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم .

ثم لان مقام أهل البيت من مقام النبي صلى الله عليه وسلم فهم في كل عصر زمان خير الناس ، وخيرهم بيوتا ، لان الله تعالى اختار نبيه من خير البيوت وأشرفها الله اعلم حيث يجعل رسالته ) هذا فضلا عن ان حكمة لله في خلقه ورحمته بعباده ، اقتضت ان تستمر بأهل البيت ذرية سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم غالى يوم الدين ، تشع بضيائها على العالمين ، وترشد بهدايتها الضالين ، ومن ثم فإن التاريخ لم يعرف أهل بيت أحبهم الناس من قوميات ومذاهب شتى ، كأهل البيت ، احبوهم أحياء وأموات ، فألف العلماء الكتب في منزلتهم عند الله تعالى وعند الناس ، ونظم الشعراء الداوين والقصائد في مديحهم ، وردد الخطباء فضائلهم على المنار وفي 

- ص 14 -

المحافل ، وما من مسلم في شرق الأرض وغربها يصلي لله ، إلا ويذكر رسول الله وآله بالصلاة والتسليم .

وبدهي ان هذه ليست كلها خصائص أهل البيت فهناك غيرها الكثير ، من ذلك ان أهل البيت ، سلالة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هم أهل الحسب والنسب ، والطهر والشرف ، لا يلوثهم رجس ولا ينالهم دنس ، فلقد طهرهم الله فضلا منه وكرما ، ثم دعا لهم جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى ، ان هو إلا وحي يوحي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما أنهم أهل البلاء والاصطفاء وجعل لهم في الغنائم حقا معلوما .

وحرم عليهم الصدقة لأنها أوساخ الناس ، وجعل الإمام الحجة منهم ، وفي الحديث ( ان الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي ، يبين لهم أمور دينهم ) ومن ثم فقد ذهب قوم إلى ان القطب في كل عصر ، لا بد وان يكون من أهل البيت النبوي الشريف ، وإن رأى العباس المرسي - كما نقل عنه تلميذه ابن عطاء - أن القطب قد يكون من غيرهم ، ولكن قطب الأقطاب لا يكون الا منهم لأنهم أزكى الناس أصلا ، وأوفرهم فضلا ، كما ان المهدي المنتظر من آل البيت ، قال صلى الله عليه وسلم : المهدي منا ، يختم الدين بنا ، كما فتح وقال صلى الله عليه وسلم : المهدي من عترتي من ولد فاطمة ) .

بقيت الإشارة إلى ان هذا القسم الأول ( أهل البيت ) انما كان مقدمة ضرورية لدراسة سير سادتنا آل النبي الطاهرين المطهرين : السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب والإمام الحسن بن علي والإمام الحسين بن علي . ( 2 )

وأما القسم الثاني من هذه الدراسة ، والذي يحمل اسمها الأصلي ( السيدة فاطمة الزهراء فإنما يتحدث عن أم الذرية الطاهرة فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة ، بنت النبي صلى الله عليه وسلم وزوج الإمام علي ، وأم السبطين ، عليهم السلام .

وقد ولدت الزهراء في بيت النبوة والرسالة ومهبط الوحي والتنزيل ، 

- ص 15 -

وهكذا تأدبت الزهراء بأدب أبيها النبي الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ومن ثم فقد كانت سيدتنا فاطمة الزهراء ، المثل الأعلى من الخلق الكريم ، والطبع السليم ، وقد عنى بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عناية تامة ، فكان يثقفها ثقافة إسلامية ، ويروضها على الهدى النبوي والصراط المستقيم ، ومن ثم فقد نشأت الزهراء نشأة كانت المثل الأعلى من الكمال والجلال فهي انما تمثل اشرف ما في المرأة من إنسانية وكرامة وعفة وقداسة ورعاية إلى ما كانت عليه من ذكاء وقاد ، وفطنة حادة ، وعلم واسع ، وكفاها فخرا انها تربت في مدرسة النبوة ، وتخرجت في معهد الرسالة ، وتلفت عن أبيها الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ما تلقاه عن رب العالمين .


ومن البدهي ان الزهراء تعلمت في دار أبويها ، ما لم تتعلمه طفلة غيرها في مكة ، بل وفي الدنيا كلها ، وصدقت أم المؤمنين أم سلمة ، رضي الله عنها ، حيث تقول ( تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوض أمر ابنته إلي فكنت اودبها وأدلها ، وكانت والله أدب مني واعرف بالأشياء كلها .

اوليست هي - يا أم المؤمنين - بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليست هي أم أبيها كما كان يسميها سيد المرسلين أو ليست هي التي اصطفاها الله لتكون التيار الذي يحمل نور النبي صلى الله عليه وسلم عبر أسلاك الزمن ، ولتضاء البشرية بعد ذلك من هذا النور الفياض وصدق الأستاذ العقاد حيث يقول : ( في كل دين صورة للأنوثة الكاملة المقدسة ، يتخشع في المسيحية صورة مريم العذراء ، ففي الإسلام لأجرم ، تتقدس صورة فاطمة البتول .

وكانت الزهراء عليها السلام - فيما تروي كتب السيرة - أشبه الناس بابيها سيد الأنبياء والمرسلين وكانت السيدة خديجة ، رضي الله عنها ، ترى في هذا الشبه بركة من بركات الله عليها وعلي آل البيت الكرام ، وقد اخرج الترمذي بسنده عن عائشة أم المؤمنين قالت : ما رأيت احد أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها ، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : وكانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها 

- ص 16 -

قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها ) .

هذا وقد اختص الله - بمنه وكرمه - الزهراء من بين أخواتها بنات النبي صلى الله عليه وسلم بالدرجة الرفيعة التي رفعها إليها ، فجعلها في مقام مريم ابنة عمران ، حيث وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها خير نساء العالمين ، واختصها أيضا بان جعلها وحدها - من دون أبناء النبي وبناته - هي التي كان منها سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين ، ومنهما كان نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم فقد كان للزهراء - بضعة النبي وسيدة آل البيت ، وأم الأئمة ، وسيدة نساء المؤمنين - كثيرا من الفضائل التي انعم الله بها عليها ، إكراما وتشريفا لأبيها النبي الرسول ، سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء بعض هذه الفضائل في كتاب الله وجاء بعضها الآخر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ففي القرآن الكريم ، تشارك الزهراء أهل البيت فيما نزل فيهم من أي الذكر الحكيم ، كما في آية المباهلة ( آل عمران 61 ) وآية التطهير ( الأحزاب 33 ) وآية مودة القربى ( الشورى 23 ) ، وآيات سورة الإنسان ( 7 - 12 ) وغيرها.

وأما الحديث الشريف فقد جاء عن الزهراء الكثير وفي هذا الكثير يعلمنا سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة الزهراء عليها السلام ومن ذلك ما رواه البخاري وسيدة نساء المؤمنين ، وما رواه الإمام احمد وأبو يعلى والطبراني والحاكم وابن عبد البر من انها إحدى سيدات النساء أهل الجنة الأربع : مريم بنت عمران وفاطمة بنت رسول الله وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون .

ويلمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي صحيح البخاري يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها فقد أغضبني )

وفي صحيح مسلم ( إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها )

وفي رواية الترمذي ( إنما فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها )
وعن مجاهد قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو آخذ بيد فاطمة فقال : من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد ، وهي بضعة مني ، وروحي التي بين
 

- ص 17 -

جنبي ، فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذي الله تعالى .

وروي ابن سعد في شرف النبوة عن علي ، رضي الله عنه ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا فاطمة ، إن الله عزوجل يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك ، وروي أبو نعيم في فضائل الصحابة ، وابن عساكر في تاريخه وأبو يعلى في مسنده عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا فاطمة ، إن الله ليغضب لغضبك ، ويرضي لرضاك .

هذا ولما أقسم أبو لبابة ، عند ما ربط نفسه في المسجد ( في غزوة بني قريظة ) ألا يحله أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاءت فاطمة لتحله فأبى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما فاطمة مضغة مني ، فحلته ، ويقول الإمام السهيلي في ( الروض الأنف ) بعد ذكر الحادث ، فصلى الله عليه وفاطمة ، فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر ، وأن من صلى عليها ، فقد صلى على أبيها ، صلى الله عليه وسلم .

ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الزهراء أحب الناس إليه فلقد اخرج الطبراني عن علي أنه قال : يا رسول الله أينا أحب إليك ، أنا أم فاطمة ، قال صلى الله عليه وسلم فاطمة أحب إلي منك ، وأنت اعز علي منها )

وروى ابن عبد البر : سئلت عائشة ، رضي الله عنها ، أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : فاطمة ، قبل فمن الرجال ، قالت : زوجها ، إذ كان ما علمته صواما قواما ، ومن ثم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فميا يروى الحاكم - إذا رجع من سفر أو غزاة أتى المسجد فصلى ركعتين ثم ثنى بفاطمة ثم يأتي أزواجه

وعن ابن عمر بسنده انه قال ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر كان آخر الناس عهدا به فاطمة وإذا قدم من سفر كان أول الناس به عهدا فاطمة رضي الله تعالى عنها .

هذا وقد أكرم الله الزهراء بأن حفظ ذرية نبيه صلى الله عليه وسلم في ذريتها وأبقى عقبه في عقبها ، فهي وحدها - دون بناته وبنيه - أم السلالة الطاهرة والعترة الخيرة ، والصفوة المختارة من عباد الله من أمته صلى الله عليه وسلم وأعظم بها مفخرة وهكذا كان من ذرية الزهراء من أبناء الحسن والحسين جميع السادة الأشراف ، ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم : كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة ، ما خلا

- ص 18 -

سبي ونسبي ، وكل ولد أب فإن عصبتهم لأبيهم ، ما خلا ولد فاطمة ، فإني أنا أبوهم وعصبتهم ) .

ولعل ختام المسك لهذا التقديم ، أن الزهراء انما كانت سيدة نساء العالمين وأفضلهن ، روى ابن عبد البر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة : يا بنية ألا ترضين انك سيدة نساء العالمين : قالت : يا أبت فأين مريم ، قال : تلك سيدة نساء عالمها ، ومن ثم فقد ذهب كثير من العلماء المحققين - ومنهم التقي السبكي والجلال السيوطي والبدر الزركشي التقي المقريزي والبلقيني والسهيلي - أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل نساء الدنيا حتى مريم ابنة عمران ، لأنها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يعدل احد ببضعة رسول الله أحدا ، وذهب الآلوسي في تفسيره إلى ان فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات ، من حيث إنها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

بقيت كلمة أخيرة ، عما تردد في هذه الدراسة وغيرها من ذكرنا لعبارة عليها السلام بعد اسم السيدة فاطمة الزهراء ونحن هنا متبعون لا مبتدعون .

يقول ابن قيم الجوزية في كتابه ( جلاء الإفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام : إن آل النبي صلى الله عليه وسلم يصلى عليهم بغير خلاف بين الأمة وذلك لان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حق له ولآله دون سائر الأمة ، ولهذا تجب عليه وعلى آله عند الإمام الشافعي وغيره ، ومن لا يوجبها ، فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله ، ويكرهها لسائر المؤمنين أو لا يجوزها على غير النبي وآله ، وأما من قال آل النبي في الصلاة كالأمة ، فقد ابعد غاية الابعاد ، هذا إلى ان النبي صلى الله عليه وسلم شرع في التشهد السلام والصلاة ، فشرع السلام من المصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم أولا ، وعلى نفسه ثانيا ، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثا .

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فإذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في الأرض والسماء وأما الصلاة ، فلم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم إلا على نفسه وعلى آله فقط ، فدل ذلك على أن آله هم أهله وأقاربه ، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة عليه ، قال : قالوا : اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ) فالصلاة على آل 

- ص 19 -

النبي صلى الله عليه وسلم هي تمام الصلاة عليه وتوابعها ، لان ذلك مما تقر به عين النبي صلى الله عليه وسلم ، ويزيده الله تعالى به شرفا وعلوا ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما

وروى ابن حجر الهيثمي عن الإمام الشافعي قوله :

يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله من القرآن انزله
يا أهل عظيم القدر إنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له

وهناك رأيان في الصلاة على النبي استقلالا ، الأول : يجوز القول ( اللهم صلى على آل محمد ويكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في آله فالافراد عنه وقع في اللفظ ، لا في المعنى والثاني افراد واحد منهم بالذكر فيقال : اللهم صلى على علي أو على الحسن أو على الحسين أو علي فاطمة ) وقد اختلف في ذلك كما اختلف في الصلاة على غير آله من الصحابة فقد كره الإمام مالك ذلك وقال : لم يكن ذلك عمل من مضى وهو مذهب الإمام أبي حنيفة كذلك ، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة .

وأما السلام فكره البعض ذلك ، ان كان في معنى السلام معنى الصلاة ، فلا يقال : السلام على فلان ، أو فلان عليه السلام بينما فرق آخرون بينه وبين الصلاة وقالوا : السلام يشرع في حق كل مؤمن ، حي أو ميت ، حاضر وغائب ، فإنك تقول بلغ فلانا مني السلام ، وهي تحية أهل الإسلام بخلاف الصلاة ، فإنها من حق الرسول وآله .

وهكذا رأينا الإمام البخاري مثلا ، يذكر في صحيحه عبارة عليه السلام بعد اسم الإمام علي وعبارة عليها السلام بعد ذكر اسم السيدة فاطمة الزهراء في عدة أحاديث فأما عن السيدة فاطمة الزهراء فقد جاء في باب مناقب علي من حديث ابن أبي ليلي قال : حدثنا علي ان فاطمة عليها السلام ، شكت ما تلقى من اثر الرحا . . . ( صحيح البخاري 5 / 24 ) وفي باب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم ( صحيح البخاري 5 / 25 )

ومن حديث عروة بن الزبير عن عائشة أن فاطمة عليها السلام ، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم ( صحيح البخاري 5 / 25 ) وفي ( باب عمرة 

- ص 20 -

القضاء من حديث أنس ( فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي فاخذ بيدها وقال لفاطمة عليها السلام : دونك ابنة عمك . . . ( صحيح البخاري 5 / 180 )

وفي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم من حديث انس قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة عليها السلام : واكرب أباه فقال لها : ليس على أبيك كرب بعد اليوم ( صحيح البخاري 6 / 18 ) .

وأما عن علي بن أبي طالب فلقد عنون البخاري بعثه على اليمن كالتالي بعث على بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد رضي الله عنه ، إلى اليمن قبل حجة الوداع ( صحيح البخاري 5 / 206 ) .

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن انس ، رضي الله عنه أتى عبيدالله بن زياد برأس الحسين عليه السلام ، فجعل في طست فجعل ينكث . . . الحديث ( صحيح البخاري 5 / 33 ) .

وبعد : فالله - جل وعلا - اسأله - وهو الرحمن المنان - ان يكون في هذه الدراسة بعض النفع ، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب ) .

وصلى الله على سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين والحمد لله حمدا يليق بجلاله ويقربنا إلى مرضاته سبحانه ليتفضل علينا - بمنه وكرمه - فيقبلنا عنده في امة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عباد الله فانتين وتابعين للنبي الأمي الكريم ، وباخلاه مقتدين بإذن الله رب العالمين ، إنه سميع قريب مجيب الدعوات ، والحمد لله رب العالمين .

دكتور محمد بيومي مهران الأستاذ بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية وكلية الشريعة - جامعة آم القرى بمكة المكرمة الثاني عشر من ربيع الأول عام 1405 ه‍ . مكة المكرمة في الرابع من ديسمبر عام 1984 م

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

فهرس الكتاب