|
في رحاب النبي وآل بيته
الطاهرين - محمد بيومي ص
83 : - |
|
7 - أهل البيت :
أهل البلاء
والاصطفاء
كرم الله أهل البيت وطهرهم من الرجس
والأهواء والمطامع ، ومن ثم فقد اصطفاهم لحماية دينه
ونشر هداته ، وفي نفس الوقف فقد ارتضاهم محلا لبلائه
وهدفا لقدره وقضائه ليضرب بهم للناس أروع المثل في
التضحية ، والناس معادن ، " خيارهم في الجاهلية خيارهم
في الإسلام إذا فقهوا " وأهل البيت ، رضوان الله عليهم
، بحكم صلتهم بأشرف خلق الله ، هم أصدق
الناس إيمانا ، وأرسخهم
يقينا ، وأعرقهم أصلا ، وأشرفهم حسبا ونسبا ، ومن ثم
فهم أولى الناس بمواقف الشرف والبلاء ، والبطولة
والفداء ، وأجدرهم بالصدق عند اللقاء ، والصبر في
البأساء والضراء ، ولهذا كانوا أقرب الناس إلى البلاء
، تخليدا لذكراهم ، وإعلاء
لشأنهم وتلك السنة سنة الله في
خلقه .
روى البخاري وأحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أشد الناس
بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى المرء على
حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان
في دينه رقة ابتلى على قدر دينه ، فما يبرح البلاء
بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " .
ومن ثم فقد كان تاريخ آل النبي الكرام البررة يفيض
بالمآسي والآلام بما تتفطر له القلوب وترتجف له
الأحلام ، غير أن ذلك لم يزدهم إلا مكانة عند الله ،
وحبا عند الناس ، حتى أصبح ذلك الحب هو الفطرة التي
فطر الله عليها عباده المؤمنين ، لأنه حب في الله ،
ولله الذي بعث جدهم صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ،
وبعثه للناس كافة هاديا ومبشرا ونذيرا ، فأحبه
المسلمون وأحبوا أهل بيته ، عملا بوصيته صلى الله عليه
وسلم .
فلقد أخرج ابن سعد والملا في سيرته والمحب
الطبري في الذخائر " استوصوا أهل بيتي خيرا ، فإني
أخاصمك عنهم غدا ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل
النار " .
وأخري الخطيب في التاريخ عن علي عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال : شفاعتي لأمتي من أحب أهل
بيتي " .
وروى الديلمي عن علي عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال " أثبتكم على الصراط ، أشدكم حبا
لأهل
بيتي " .
وفي نفس الوقت حذر النبي صلى الله عليه وسلم
أمته من كراهية أهل بيته وإيذائهم .
فلقد أخرج
الديلمي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : " أشتد غضب الله على من آذاني في عترتي "
.
وروى
أحمد والطبراني عن أبي هريرة قال : نظر رسول الله صلى
الله عليه إلى علي والحسن والحسين وفاطمة ، صلوات الله
عليهم ، فقال : " أنا حرب لمن حاربكم ، سلم لمن سالمكم
" .
وأخرج الإمام أحمد مرفوعا : " من أبغض
أهل البيت
فهو منافق " .
وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عمر أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحب أهل
البيت إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا منافق " .
وأخرج الحاكم
عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه "
لا يبغضنا أهل البيت أحد ، إلا أدخله الله النار "
.
وأخرج القاضي عياض في الشفاء ما حاصله " من سب أبا أحد
من ذريته صلى الله عليه وسلم ولم تقم قرينة على إخراجه
صلى الله عليه وسلم قتل
" .
وروى أن الإمام الحسن رضي الله
عنه خطب في أيامه في أحد مقاماته فقال ، كما جاء في
تاريخ المسعودي ، " نحن حزب الله المفلحون ، وعترة
رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقربون ، وأهل بيته
الطاهرون الطيبون ، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول
الله صلى الله عليه وسلم والثاني : كتاب الله فيه
تفصيل كل شئ ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من
خلفه ، والمعول عليه في كل شئ ، لا يخطئنا تأويله ، بل
نتيقن حقائقه ، فأطيعونا ، فإن طاعتنا مفروضة ، إذ
كانت بطاعة الله والرسول وأولى الأمر مقرونة (
فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ . . وَلَوْ
رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ
مِنْهُمْ ) ، وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان إنه
لكم عدو مبين ، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم (
لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ
مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا
تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ
وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ
تَرَوْنَ " فتلقون
للرماح أزرا ، وللسيوف جزرا ، وللعمد خطأ ، وللسهام
غرضا ، ثم لا ينفع نسفا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو
كسبت في إيمانها خيرا ، والله أعلم " .
وروى أن
الإمام
علي كرم الله وجهه في الجنة ، اعتل فأمر ابنه الحسن
رضي الله عنه أن يصلي بالناس يوم الجمعة ، فصعد المنبر
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله لم يبعث نبيا
إلا اختار له نقيبا ورهطا وبيتا ، فوالذي بعث محمدا
بالحق نبيا لا ينتقص من حقنا أحد ، إلا نقصه الله من
عمله مثله ، ولا تكون علينا دولة ، إلا وتكون لنا
العاقبة ، ولتعلمن نبأه بعد حين " .
ومع ذلك كله وغيره
، فإن كتب التاريخ إنما تمتلئ بقصص محن أهل البيت التي
بدأت في أعقاب عهد الخلافة الراشدة ، ومنذ بداية عهد
الأمويين ، ويحدثنا المؤرخون وأصحاب السير ، أنه في
أثناء حكم معاوية وولده يزيد ، وفي ولاية الحجاج على
العراق ، كان سبيل من يتهم بحب
آل البيت القتل أو الضرب أو
السجن أو التشريد ، حتى أتى على الناس حين من الدهر ،
يقال فيه للرجل إنه زنديق أو كافر ، أحب إلى من أن
يقال له شيعي ، ورغم ذلك فقد ازداد الناس إيمانا
وتمسكا بحبهم وولائهم للعترة الطاهرة .
ويحكي المؤرخون
أن معاوية بن أبي سفيان قتل خلقا كثيرا ممن أبى أن
يلعن الإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه ، أو
يتبرأ
منه أو عارض مبدأ اللعن
والبراءة نفسه ، وأكبر الظن أن الإمام علي كان على علم
بما يلحق شيعته بعد وفاته ، فقال لهم : ستدعون إلى سبي
فسبوني ، ثم تدعون إلى البراءة مني ، فلا تتبرؤوا مني
، فإني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم " .
ومع ذلك فقد فضل جماعة القتل على سب
الإمام والبراءة
منه ، بل فضلوا القتل على سماع المس بمقام الإمام ،
منهم عمرو بن الحمق الصحابي الجليل ، فقتله معاوية
وبعث برأسه إلى امرأته فوضعت الرأس في حجرها ، وقالت
لرسول معاوية سترتموه عني طويلا ، وأهديتموه لي قتيلا
، فأهلا وسهلا من هدية غير قالية ولا بمقلية وروى
اليعقوبي في تاريخ أن الصحابي الجليل عمرو بن الحمق
الخزاعي كان من أصحاب حجر بن عدي الذين لا يسكتون على
سب الإمام علي على منبر الكوفة ، فأمر معاوية عامله
زياد بن أبيه أن يقبض عليهم ويشخصهم إليه في دمشق ،
فهرب عمرو بن الحمق وعدة
معه
إلى الموصل ، وبلغ عبد الرحمن بن أم الحكم ، وكان عامل
معاوية على الموصل ، مكان عمرو بن الحمق الخزاعي ،
ورفاعة بن شداد ، فوجه في طلبهما ، فخرجا هاربين ،
وعمرو بن الحمق شديد العلة ، فلما كان في بعض الطريق
لدغت عمرا حية ، فقال : الله أكبر ، قال لي رسول اله
صلى الله عليه وسلم يا عمرو ، ليشترك في قتلك الجن
والإنس ، ثم قال لرفاعة : إمض لشأنك فإني مأخوذ ومقتول
، ولحقته رسل عبد الرحمن بن أم الحكم فأخذوه وضرت عنقه
، ونصبت رأسه على رمح ، وطيف به ، فك ، ان أول رأس طيف
به في الإسلام ، وقد كان معاوية حبس امرأته بدمشق ،
فلما أتي رأسه بعث به ، فوضع في حجراه ، فقالت للرسول
: أبلغ معاوية ما أقول : طالبه الله بدمه ، وعجل له
الويل من نقمه ، فقد أتى أمرا فيا ، وقتل برا نقيا ،
وكان أول من حبس النساء بجرائر الرجال .
ومنهم " حجر
بن عدي " أو " حجر الخير " ، كما كان يدعي ، وكان
صحابيا جليلا ، كثير الصلاة والصيام ، زاهدا محبا لآل
بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ساءه أن يشتم والي
الكوفة الإمام علي على المنبر فكان يرد عليه ، فقبض
عليه زياد وأرسله إلى معاوية ، وهناك في مرج عذراء ،
على مبعدة 20 كيلا من دمشق ، وصل رسول معاوية ،
وكان أعورا ، فقال لحجر : " إن
أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال ومعدن الكفر
والطغيان ، والمتولي لأبي تراب ( وهو لقب أطلقه رسول
الله صلى الله عليه وسلم على علي ، وكان أحب الأسماء
إلى علي ) وقتل أصحابك ، إلا أن ترجعوا عن كفركم
وتلعنوا صاحبكم ( أي الإمام علي ) ( 1 ) وتتبرأوا منه
، فقال حجر وجماعة من أصحابه : إن الصبر على حد السيف
لا يسر علينا مما تدعونا إليه ، ثم القدوم على الله
وعلى نبيه وعلى وصيه ، أحب إلينا من دخول النار ،
وأجاب نصف أصحابه إلى البراءة من علي ، وقتل حجر وألحق
به من وافقه على قوله من أصحابه "
وكان حجر أول من قتل
صبرا في الإسلام ، وقد هال قتل حجر بن عدي الكثير من الناس ، وعلى رأسهم السيدة عائشة رضي الله عنها وحين
اجتمعت بمعاوية قالت له : يا معاوية أقتلت حجرا
وأصحابه فأين غرب حلمك عنهم ، أما أني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول " يقتل بمرج عذراء نفر يغضب
لهم أهل السماوات " .
وقال محمد بن سيرين المسلمين
كانوا يرون في حجر : المسلم الصادق الأمر بالمعروف
والناهي عن المنكر ، قضى شهيدا في سبيل الجهر ما خلع
طاعة وما فارق جماعة ، وإنما أنكر على الولاة لعنهم
خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روي أن
حجرا أوصى عند قتله " لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا
عني دما ، فإني الاقي معاوية غدا على الجادة " وقيل إن
معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول " يومي منك يا حجر
طويل " ( ثلاث مرات ) ، ولكن الناس على الاساء يحيون ،
فإذا ما ماتوا انتبهوا .
وقيل إن الناس كانوا يقولون :
إن أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي ، وقتل حجر بن
عدي ، ودعوة زياد .
وروى عن الحسن البصري أنه قال ،
فيما يروى الطبري ، " أربع خصال كن في معاوية ، لو لم
يكن فيه منهن واحدة ، لكانت موبقة : إنتزاؤه على هذه
الأمة بالسفهاء
حتى ابتزها أمرها بغير
مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة
| |
( 1 ) روى الإمام أحمد في المسند والفضائل والحاكم في
المستدرك والهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في
الثلاثة وأبو يعلى والنسائي في الخصائص عن أبي عبد
الله الجدلي قال : دخلت على أم سلمة فقالت لي : أيسب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم ، فقلت سبحان الله
أو معاذ الله ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : " من سب عليا فقد سبني . ( * ) |
|
|
وذو الفضيلة ، واستخلافه ابنه
بعده سكيرا خميرا ، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ،
وادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا ، ويلا له
من حجر ، ويلا له من حجر " .
ويروى ابن أبي الحديد في
أول الجزء الثالث من شرح نهج البلاغة ما ملخصه : أن
معاوية بن أبي سفيان كتب إلى عماله : " برئت الذمة ممن
يروي شيئا في فضائل علي وأهل بيته ، وأن لا يجيزوا
لأحد من الشيعة شهادة ، وأن يمحو كل شيعي من ديوان
العطاء وينكلوا به ويهدموا داره ، وامتثل العمال أمر
سيدهم فقتلوا الشيعة وشردوهم وقطعوا الأيدي والأرجل وسملوا الأعين وصلبوهم على جذوع النخل " .
ولعل من أقس
ولاة معاوية زياد ابن أبيه ، وعامله على البصرة سمرة
ابن جندب ، والذي يروي المؤرخون كالطبري وابن الأثير
أنه قتل أكثر من ثمانية الآلف ، ولما سأله زياد :
أخاف أن تكون قتلت بريئا ؟ فقال : لو قتلت معهم مثلهم
ما خشيت .
وقال أبو السوار العدوي : قتل سمرة من قومي في
غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن " .
واستمر معاوية حتى آخر أيامه يحاول جاهدا طمس فضائل آل
البيت بعامة ، والإمام علي بخاصة ، فقد روي أن معاوية
قال لعبد الله بن عباس - حبر الأمة وترجمان القرآن
وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم - قد كتبنا إلا
الآفاق عن ذكر مناقب علي ، فكف لسانك ، فقال ابن عباس
: أتنهانا يا معاوية أن نقرأ القرآن ، قال معاوية : لا
، قال ابن عباس : أتنهانا عن تأويله ( أي تفسيره ) ،
قال معاوية نعم ، قال ابن عباس : أنقرأه ولا نسأله عما
أراد الله بكلامه ، وأيهما أوجب علينا ، قراءه القرآن
أو العمل به ، فقال معاوية : العمل به ، قال ابن عباس
: كيف نعمل به ونحن لا نعلم ما عني الله ، قال معاوية
: سل عن تفسيره غيرك وغير آل بيتك ، قال ابن عباس :
نزل القرآن على أهل بيتي ، فنسأل عنه آل أبي سفيان ،
أتنهانا يا معاوية أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من
حلال وحرام ، إن الأمة إذا لم تسأل عن القرآن وتعمل به
هلكت ، قال معاوية : إقرأوا القرآن وفسروه ، ولكن لا
ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم ، وارووا ما سوى ذلك ،
قال ابن عباس : إن الله يقول (
يُرِيدُونَ أَن
يُطْفِؤُواْ
نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى
اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ ) قال معاوية : " يا
ابن عباس إربع على نفسك ، وكف لسانك وإن كنت لا بد
فاعلا فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية " ، ثم رجع
معاوية إلى بيته وبعث إلى ابن عباس بمائة ألف درهم ،
ونادى مناديه " أن برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب
علي وأهل بيته " .
وزاد الطين بلة ، أن ابتدع معاوية
بدعة خسيسة دنيئة ، حيث أقام هو وخلفاؤه من بعده من
بني أمية منابر يتناوب عليها الخطباء في سب سيدنا
الإمام علي ، كرم الله وجهه في الجنة ، وآل البيت
الطاهرين المطهرين ، وفي افتراء الأباطيل للنيل من
الإمام والزراية عليه ، وظلوا على ذلك طيلة عهد دولتهم
، إلا أيام عمر بن عبد العزيز ، فلما نالوا من ذلك
منالا ، ولا حولوا أحدا من حب الإمام علي وآل بيت
النبي صلى الله عليه وسلم ، على تعاقب الزمان واختلاف
العصور .
يقول أبو جعفر الاسكافي في " نقض رسائل
العثمانية للجاحظ " ، فكان الأمويون لا يألون جهدا في
طول ملكهم أن يخمدوا ذكر علي ، عليه السلام ، وولده ،
ويطفئوا نورهم ، ويكتموا فضائلهم ومناقبهم وسوابقهم ،
ويحملون الناس على سبهم ولعنهم على المنابر ، والعياذ
بالله ، فلم يزل السيف يقطر من دمائهم ، مع قلة عددهم
وكثرة عدوهم ، فكانوا بين قتيل وأسير وشريد وهارب
ومستخف ، وخائف مرتقب ، حتى أن الفقيه والمحدث والقاص
والمتكلم ، ليتقدم إليه ، ويتوعد بغاية الابعاد وأشد
العقوبة ، ألا يذكر شيئا من خصائصهم ، ولا يرخصوا لأحد
أن يطيف بهم ، وحتى بلغ من تقية المحدث إذا ذكر حديثا
عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، كنى عن ذكره فقال :
قال رجل من قريش ، وفعل رجل من قريش ، ولا يذكر عليا
عليه السلام ، ولا يتفوه باسمه .
ومن ذلك - مثلا - ما
يرويه الحاكم في المستدرك عن مالك بن بن دينار قال :
سألت سعيد بن جبير فقلت
: يا أبا عبد الله من كان
حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال فنظر
إلي وقال : كأنك رخي البال ، فغضبت وشكوته لإخوانه من
القراء ، فقلت ألا تعجبون من سعيد : إني سألته من كان
حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر
إلي وقال : إنك لرخي البال ،
قالوا : إنك سألته وهو خائف من الحجاج ، وقد لاذ
بالبيت فسله الآن ، فسألته فقال : كان حاملها علي رضي
الله عنه ، هكذا سمعته من عبد الله بن عباس .
ويبدو لي
في أكبر الظن ، أن معاوية لم يعد يأبه بأحد في تطاوله
على الإمام علي وأهل البيت الطاهرين ، حتى أعرف الناس
به والإمام علي من أكابر الصحابة .
روي أن معاوية حج
فمر بالمدينة فدعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - أحد
العشرة المبشرين بالجنة وبقية أصحاب الشورى ، وكان قد
اعتزل الفتنة ، ولم يبايع عليا - وأخذا بأطراف الحديث
، وغر معاوية إقبال سعد عليه ، فشرع في سب الإمام علي
، وقال لسعد : ما يمنعك أن تسب أبا تراب ، فبان الغضب
في وجه سعد ، وقال في حدة : أجلستني على سريرك وشرعت
في سب علي ، والله لان يكون لي خصلة واحدة من خصال
كانت لعلي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، والله لان
أكون صهرا للنبي صلى الله عليه وسلم لي من الولد ما
لعلي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، والله لان يكون
النبي صلى الله عليه وسلم قال لي ما قال له يوم خيبر :
لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله
ورسوله ، ليس بفرار بفتح الله على يديه ، أحب إلي مما
طلعت عليه الشمس ، والله لان يكون النبي صلى الله عليه
وسلم قال لي ما قاله يوم غزوة تبوك : ألا ترضى أن تكون
مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي " ،
أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، لا أدخل عليك دارا بعد
اليوم ، ثم نقض سعد رداءه وخرج " .
وروى الإمام مسلم
في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه
قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال : ما منعك أن
تسب أبا التراب ( يعني الإمام علي ) فقال : أما ما
ذكرت ثلاثا قالهن له رسوله الله صلى الله عليه وسلم
فلن أسبه ، لان تكون لي واحدة منهم أحب إلي من حمر
النعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له
خلفه في بعض مغازيه ، فقال له علي : يا رسول الله
خلفتني مع النساء والصبيان ، فقال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون
من موسى ، إلا أنه
لا نبوة بعدي ، وسمعته يقول
يوم خيبر : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ،
ويحبه الله ورسوله ، قال فتطاول لها ، فقال : ادعوا لي
عليا ، فأتى به رمد فبصق في عينه ، ودفع الراية إليه
ففتح الله عليه ، ولما نلت هذه الآية : فقل تعالوا ندع
أبناءنا وأبناءكم ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : " اللهم هؤلاء
أهلي
" .
وزاد الضغط أضعافا بعد معاوية ، حيث حدثت في عهد
ولده يزيد كارثة كربلاء ، فكانت كارثة الكوارث ، ووصمة
العار الأبدية في جبين الأمة الإسلامية ، وقتل فيها من
أهل البيت الطاهر المطهر ثمانية عشر شابا ، بخلا سيد
الشباب أهل الجنة وسبط الرسول صلى الله عليه وسلم ،
سيدنا ومولانا الإمام الحسين ، عليه السلام وكلهم من
أبناء فاطمة الزهراء ، بضعة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبيه ، وكاد نسل
النبي صلى الله عليه وسلم في ذرية الحسين يستأصل ،
لولا نجاة الإمام على زين العابدين ، من القتل ، غير
أن عدالة السماء اقتضت أن ترد كيد ابن معاوية في نحره ،
فانقرضت ذرية يزيد ، ولم يبق له عقب ، رغم أنه كان له
من البنين خمسة عشر ، ومن البنات خمس ، ومن المؤلم
أنه ما تكاد الكارثة المروعة تنتهي ، بل ما يزال
الإمام الحسين سيد الشهداء بالعراء صريعا وبنات رسول
الله صلى الله عليه وسلم سبايا ، وذريته مقتلة ، حتى
يصعد ابن الدعي ، عبيد الله بن زياد منبر الكوفة فخطب
فقال " الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ، ونصر أمير
المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه ، وقتل الكذاب بن
الكذاب ، الحسين بن علي ، وشيعته ، فلم يفرغ من كلمته
هذا حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ، فقال له :
يا ابن مرجانه ، إن الكذاب بن الكذاب أنت وأبوك والذي
ولاك وأبوه ، يا ابن مرجانه ، أتقتلون أبناء النبيين
وتتكلمون بكلام الصديقين فقال عبيد الله : من المتكلم
، قال ابن عفيف : أنا يا عدو الله ، أتقتلون الذرية
الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وتزعم أنك علي دين
الإسلام ، واغوثاه ، أين أولاد المهاجرين والأنصار
ينتقمون من هذا اللعين بن اللعين ، فقال ابن زياد
للشرطة : علي به ، غير أن قومه حالوا بينه وبين الشرطة
وأوصلوه إلى داره ، ولكن الشرطة اقتحمت عليه داره ،
ولم يكن فيها إلا
الرجل وابنته الصغيرة ، فلما
أحست بهم صاحت : يا أباه أتاك القوم ، فقال لها
ناوليني سيفي ، وكان قد فقد عينيه مع الإمام علي ،
الواحدة يوم الجمل ، والأخرى يوم صفين ، فأخذ السيف
يذب به عن نفسه ويهوي به بقوة على الحركة ، حتى قبض
عليه وأخذ إلى ابن زياد الذي سأله : ما تقول في عثمان
، فقال له : ما أنت وعثمان ، سلني عنك وعن أبيك وعن
يزيد وأبيه ، فقال ابن زياد : لتذوقن الموت غصة غصة
فقال : الحمد لله الذي رزقني الشهادة على يد ألعن خلقه
بعد ما يئست منها " .
وأرسل ابن زياد بالرؤوس والسبايا
من آل محمد صلى الله عليه وسلم من النساء والأطفال
بغير وطاء في ذل وانكسار والرؤوس على الرماح ، إلى
يزيد بن معاوية في دمشق ، وروى أنهم لما دخلوا دمشق
برأس الإمام الحسين أخرجت زينب بنت الحسين رأسها من
الخباء ، وهي تقول : ماذا تقولون إذ قال النبي لكم
ماذا فعلتم وأنت آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي
منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت
لكم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم ولما دخلوا على يزيد ،
أقبل قاتل الحسين ، ووضع الرأس الشريف بين يدي يزيد في
طست فجعل ينكثه على ثناياه بالقضيب .
روى أن ابن زياد
قد فعل ذلك في الكوفة ، وسواء فعل ذلك أحدهما أو
كلامهما ، فكلا الرجلين أسوأ من الأخر ، وكل منهما
يفوق الأخر في جريمته النكراء ، وأن يوم كربلاء ،
العاشر من محرم عام 61 هـ أكتوبر 680 م ) سوف يظل
يوما أسودا لا في تاريخ الدولة الأموية فحسب ، بل في
تاريخ المسلمين قاطبة ، وأن نتائجه كانت أخطر مما تصور
المعاصرون ، وقد حدث أثناء لقاء يزيد بالسبايا من آل
البيت ما يدلنا إلى أي درك أسفل من الانحطاط والجهالة
بالدين وصل القوم ذلك أن رجلا لئيما من جلساء يزيد
عندما رأى السيدة فاطمة بنت الإمام علي قام إلى يزيد
فقال يا أمير المؤمنين هب لي هذه
، وكانت ذات جمال وجلال ،
فأرعدت السيدة فاطمة ، وظنت أن ذلك جائز له ، وأخذت
بثياب أختها العقيلة الطاهرة السيدة زينب ، وكانت من
العقل والفقه ما تعلم أن ذلك لا يجوز شرعا ، فقالت : "
كذبت والله ولؤمت ، ما ذلك
لك وله ، فغضب يزيد ، وقال إن
ذلك لي ، ولو شئت أن أفعله لفعلت ، قالت كلا والله ،
ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا ، وتدين بغير
ديننا ، فغضب يزيد واستطار ، ثم قال : إياي تستقبلين
بهذا ، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك ، فقالت زينب ،
بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي ، إهتديت أنت وأبوك
وجدك ، قال : كذبت يا عدوة الله ، قالت أنت أمير مسلط
تشتم ظالما وتقهر بسلطانك " .
وهكذا يبدو واضحا مدى
علم من وضعته الأقدار على رأس المسلمين بسلطانك " ،
وهكذا يبدون واضحا مدى علم من وضعته الأقدار على رأس
المسلمين وبطانته ، فهما لا يعلمان أن طلبهما لا يقره
الإسلام ، ويزيد خليفة المسلمين يكفر الإمام علي
والإمام الحسين والأول بشره النبي صلى الله عليه وسلم
بالجنة مرات ، والثاني سيد شباب أهل الجنة ، ثم تأخذه
العزة بالإثم فيتطاول على العقيلة الطاهرة ويصفها
بالكذب وبأنها عدوة
الله ، وهي بضعة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وابنة بنته فاطمة الزهراء التي
فطمها الله وولدها ومن أحبهم من النار ، ولكن ما ذا
نقول وهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان .
هذا ويكاد
كثير من الباحثين يجمعون على أن الأمويين قد نكلوا بآل
البيت أخذا بثارات بدر وأحد ، لان الإمام علي قتل في
هاتين الغزوتين شيوخ بني أمية وساداتهم ، ويستشهدون
على ذلك بقول يزيد عندما قتل الإمام الحسين ووضع رأسه
الشريف بين يديه : ليت أشياخي ببدر شهدوا جذع الخزرج
من وقع الاسل لأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد
لا تشل وليس ببعيد أن يتذكر يزيد الحفائظ والحروب
القديمة بين الرسول صلى الله عليه وسلم جد الحسين ،
وجده أبي سفيان وبين الإمام علي أبي الحسين وبين أبيه
معاوية ، وأن ينطق بكلمة التشفي والحقد ، ولكن الباعث
الأول على الفجيعة هو نظام الجور وعهد الأب للابن
بالخلافة وجعلها حقا موروثا ، فها هو
ذا معاوية لا يكتفي باغتصاب
الخلافة ، ثم لا يرغب ، وهو على وشك لقاء ربه في
التكفير عن خطئه ، تاركا أمر المسلمين للمسلمين ، بل
يمعن في تحول الإسلام إلى ملك عضوض وإلى
مزرعة أموية ، فيأخذ البيعة
ليزيد بالذهب والسيف ، قال بعض من ندبه معاوية لهذا
الأمر : أيها الناس ، أمير المؤمنين هذا ( مشيرا إلى
معاوية ) فإن مات فهذا ( مشيرا إلى يزيد ) فمن أبى
فهذا ( مشيرا إلى السيف ) .
وهكذا يتربع يزيد على عرش
أبيه بعد وفاته ، فيهمل أمر المسلمين ويعكف على اللهو
بفهوده وقرود حتى يقلب " يزيد القرود " ثم يسلط من
قواده ورجاله من ينزلون بالعباد والبلاد ، من الهول ما
يخجل الشيطان نفسه من اقترافه ، فابن زياد في الكوفة
والبصرة يحز رأس كل من تسول له نفسه أن يقول " لم " ثم
يقتل أبناء الرسول وأحفاده وآل بيته في كربلا قتلا
تناهى في البشاعة والرجس ، فضلا عن الخسة والدناءة ،
ومسلم بن عقبة مبعوث يزيد إلى المدينة المنورة ، دار
الهجرة ، ووطن الأنصار ، وعاصمة الإسلام يصنع بها
وبأهلها من الوحشية والجريمة ما يتعاظم كل وصف ، فقتل
من الصحابة ومن غيرهم
خلق كثير ، ونهبت المدينة
واستبيحت ثلاثة أيام ، وافتضت فيها ألف عذراء فيما
يقولون ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من
أخاف أهل المدينة أخافه الله ، وعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين " ( رواه مسلم ) .
وحتى مكة
بمسجدها الحرام يرسل إليها " يزيد القرود " من
يستبيحها ، ويستبيح البيت الحرام ، ثم حين يختفي بيت
أبي سفيان بموت يزيد ، ويسطو على الخلافة بين مروان ،
وهو شعبة أخرى ، وامتداد آخر للأمويين ، يظهر الحجاج
لبشر الخراب والدمار والقتل في كل مكان باسم الأمويين
، وفي سبيل دعم ملكهم .
وهكذا قتل الحجاج على حب أهل
البيت ألوف الرجال ، وفيهم الصحابي والتابعي والفقيه
والزاهد والمحدث ، منهم على سبيل المثال الفقهية
الزاهد سعيد بن جبير ، فلقد قال له الحجاج يوما : أعلي
في الجنة أم في النار ؟ فلم يجب سعيد بغير البكاء ،
فأمر الحجاج بإحضار الذهب والفضة وقال لسعيد
: أتحب أن لك شيئا منه ،
قال سعيد : لا أحب ما لا يحبه الله ، ولما يئس الحجاج
من أن يستمله بالمال أمر بقتله ، فقال سعيد : أشهدك يا
حجاج أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، قال
الحجاج أقتلوه ، فضحك سعيد ، فقال الحجاج ما يضحكك ،
قال : جرأتك على الله وحلمه عليك ، ولما قتل سعيد ،
قال الحسن البصري : والله لو اشترك أهل
المشرق والمغرب في قتله لأكبهم
الله على وجوههم في النار ، وكان الحجاج يرى سعيد في
المقام قابضا على تلابيبه ويقول يا وعد الله ، فيما
قتلتني ، فيستيقظ مذعورا ويصيح مالي ولسعيد )
ويروى
الشعبي انه كان بواسط فحضر صلاة العيد مع الحجاج فدعاه
وقال له : هذا يوم أضحى وقد أردت ان أضحي يرجل من
العراق وأحب ان تسمع لقوله لتعلم إني أصيب الرأي فيما
افعل ، فقلت أيها الأمير كان رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم يضحى بكبش فاستن أنت بسنته ، قال : إذا سمعت
ما يقول صوبت رأيي فلما احضروه فإذا هو ( يحيى بن يعمر
) فاغتممت غما شديدا ثم قال له الحجاج : أنت فقيه أهل
العراق ، قال يحيى أنا من فقهائهم قال الحجاج كيف زعمت
ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم قال يحيى : ما أنا بزاعم ذلك ، بل قائله بحق
، قال الحجاج وأي حق ، قال يحيى : كتاب الله نطق بذلك
قال لعلك
تريد قوله : (
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ
تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ
وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ
ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى
الْكَاذِبِينَ ) ( آية المباهلة ) وان رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم خرج للمتأهلة ومعه علي والحسن
والحسين وفاطمة ، قال يحيى وانها والله لحجة بليغة ،
ولكني مع ذلك لا احتج بها قال ان جئت بغيرها من كتاب
الله فلك عشرة آلاف درهم ، وإلا قتلتك وكنت في حل من
دمك ، قال يحيى نعم وتلا الآية 84 - 85 من الإنعام (
وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ
وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ *
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى
. . . وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ
الصَّالِحِينَ ) فترك كلمة ( وعيسى ) فقال الحجاج ( ومن
عجب انه كان حافظا للقرآن ) وأين تركت ( عيسى ) قال
يحيى : ومن أين كان عيسى من ذرية إبراهيم ولا أب له ،
قال الحجاج من قبل أمه مريم ، قال يحيى : أيكون عيسى
من ذرية إبراهيم بواسطة
أمه مريم ، وبينها وبينه ما
تعلم من الأجداد ( ما يقرب من عشرين قرنا فيما نرى )
ولا يكون الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله
عليه وسلم بواسطة أمهما فاطمة وهي ابنته بلا واسطة ،
وكأنما ألقم الحجاج حجرا ، فقال : أعطوه عشرة آلاف
درهم لا بارك الله له فيها .
وهناك ورواية أخرى للقصة
، روى الحاكم في المستدرك عن عاصم بن بهدلة
قال : اجتمعوا عند الحجاج فذكر
الحسين بن علي ، فقال الحجاج : لم يكن من ذرية النبي
صلى الله عليه وسلم وعنده ( يحيى بن يعمر ) فقال له :
كذبت أيها الأمير ، فقال : لتأتيني على ما قلت ببينة
ومصداق من كتاب الله عزوجل أو لأقتلنك قتلا ، فقال (
وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ
وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى . . .
إلى
قوله تعالى عزوجل : (
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ
مِّنَ الصَّالِحِينَ ) (
الإنعام آية 84 - 85 ) ، فاخبر الله عزوجل ان عيسى من
ذرية آدم بأمه ، والحسين بن علي من ذرية محمد صلى الله
عليه وسلم بأمه ، قال : صدقت ، قال فما حملك على
تكذيبي في مجلسي ، قال : ما أخد الله على الأنبياء
ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، قال الله عزوجل : (
فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ
وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) ، فنفاه
إلى خراسان ) .
ولتعرف أي نوع من الناس كان ينال
الحظوة عند أمراء المسلمين من عمال بني أمية ،
فلنقرأ قصة الحجاج مع عبد الله بن
هانئ ، وهو من اود ، حي من
اليمن - كما رواها المسعودي - شهد مع الحجاج كل حروبه
حتى تحريقه البيت الحرام ، وكان من أنصاره وشيعته ،
فأراد الحجاج ان يكافئه فزوجه من بنت أسماء بن خارجة
الفزاري وبنت سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليمانية ،
رغم انف أبويهما ، فقال له الحجاج ( يا عبد الله قد
زوجتك بنت سيد بني فزارة وبنت سيد همدان وعظيم كهلان ،
وما أود هنالك ، فقال عبد الله : لا تقل أصلح الله
الأمير ذلك ، فان لنا مناقب ما هي لأحد من العرب ، قال
وما هي : قال : ما سب أمير المؤمنين عثمان في ناد لنا قط
، قال والله هذه منقبة ( ونحن نقول ذلك ) وشهد منا
صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلا ، وما شهدها
مع أبي تراب إلا رجل واحد ، وكان والله ما علمته أمر
أسوء ، قال وهذه والله منقبة ، قال ومنا رجل تزوج
امرأة تحب أبا تراب ولا تتولاه ، قال والله هذه منقبة
، قال وما منا امرأة إلا نذرت ان
قتل الحسين ان تنحر عشر
جزائر لها ففعلت ، قال هذه والله منقبة ، قال وما منا
رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعنه إلا فعل ، وقال
وأزيدكم ابنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة ، قال وهذه
والله منقبة ، وقال وما احد من العرب له من الملاحة
والصباحة مالنا ثم ضحك وكان دميا شديد الأدمة مجدورا في
رأسه اعجر مائل
الشدق أحول قبيح الوجه وحش
المنظر ) ، هذا وقد استمر الحجاج في إيذاء أهل البيت
والتنكيل بمحبيهم حتى كتب له عبد الملك بن مروان (
جنبني دماء آل أبي طالب ، فاني رأيت الملك استوحش من
آل حرب ( معاوية وولده ) حين سفكوا دماءهم ) ، فكان
الحجاج يتجنبها خوفا من زوال الملك عنهم ، لا خوفا من
الخالق عزوجل .
ويروي المسعودي في قتل
الأمويين لآل
البيت ان بنات مروان بن محمد ( آخر خلفاء بني أمية )
دخلن على ( صالح بن علي العباسي ) يطلبن العفو عنهن ،
فقال صالح : انا لن نستبقي منكم أحدا رجلا ولا امرأة ،
الم يقتل ابوكن بالأمس ابن أخي إبراهيم بن محمد بن علي
بن عبد الله بن العباس في محبسه في حران ، الم يقتل
هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب وصلبه في كناسة الكوفة ، وقتل امرأة زيد بالحيرة
، على يدي يوسف بن عمر الثقفي ، الم يقتل الوليد بن
يزيد بن عبد الملك
، يحيى بن زيد وصلبه في
خراسان ، الم يقتل عبيدالله بن زياد الدعي ، مسلم بن
عقيل بن أبي طالب ، بالكوفة ، الم يقتل يزيد بن معاوية
بن أبي سفيان ، الحسن بن علي أبي طالب ، على يدي عمر بن
سعد مع قتل بين يديه من أهل بيته ، الم يخرج محرم رسول
الله صلى الله عليه وسلم سبايا حتى ورد بهن على يزيد
بن معاوية ، وقبل مقدمهن بعث إليه برأس الحسين بن علي
، قد ثقب دماغه على رأس رمح يطاف به كور الشام
ومدائنها حتى قدموا به على يزيد في دمشق ، كأنما بعث
إليه برأس رجل من المشركين ، ثم أوقف حرم رسول الله
صلى الله عليه وسلم موقف السبي يتصفحهن جنود أهل الشام
الجفاة الطغاة ، ويطلبون منه ان يهب لهم حرم رسول الله
صلى الله عليه وسلم استخفافا بحقه صلى الله عليه وسلم
وجرأة على الله عزوجل ، وكفرا لأنعمه ، فما الذي
استبقيتم منا أهل البيت ، لو عدلتم فيه علينا ) .
ومن
عجب فان العباسيين لم يكونوا اقل قسوة وتنكيلا بال
البيت من ولد الحسن والحسين من الأمويين ، فلقد لقي
أبناء علي بن أبي طالب من بني عمومتهم العباسيين أمرا
نكرا ، وان كان بعضهم كانوا على غير ذلك كالمأمون
والمطيع ، كما ان بني العباس ، وهم من بني هاشم ، لم
ينزلوا إلى الدرك الأسفل الذي نزل إليه
بنو أمية حين لعنوا الإمام علي
كرم الله وجهه ورضي الله عنه ، ولعنوا بنيه الطاهرين
المطهرين بني الزهراء ، بضعة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، الأمر الذي فعله الأمويون جميعا ، حاشا عمر بن
عبد العزيز ويزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان .
ويروي ابن الأثير قصة ترك عمر بن عبد العزيز سب الإمام
في الجزء الخامس من الكامل فيقول : كان بنو أمية يسبون
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، إلى ان
ولي عمر بن العزيز الخلافة ، فترك ذلك وكتب إلى العمال
في الآفاق بتركه ، وكان سبب محبته عليا انه قال : كنت
بالمدينة أتعلم العلم ، وكنت ألزم عبيدالله بن عبد
الله ابن عتبة بن مسعود ، فبلغه عني شئ من ذلك ،
فأتيته يوما وهو يصلي ، فأطال الصلاة ، فقعدت انتظر
فراغه ، فلما فرغ من صلاته التفت إلي فقال لي : متى
علمت ان الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان ، بعد ان
رضي عنهم ، قلت
: لم اسمع ذلك ، قال : فما
الذي بلغني عنك من علي ، فقلت معذرة إلى الله واليك ،
وتركت ما كنت عليه ، وكان أبي إذا خطب فنال من علي ،
رضي الله عنه ، تلجلج ، فقلت : يا أبه انك تمضي في
خطبتك ، فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا ، قال
: أو فطنت لذلك ، قلت نعم ، فقال : يا بني ان الذين
حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم ، تفرقوا عنا إلى
أولاد ، فلما ولي عمر الخلافة لم يكن عنده من الرغبة
في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجلها ، فترك
ذلك ، وكتب بتركه ، وقرا عوضه (
إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء
وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ ) ، فحل هذا الفعل عند
الناس محلا حسنا ، وأكثروا مدحه بسببه ، فمن ذلك قول
كثير عزة : وليت فلم تشتم عليا ولم تخف بريا ولم تتبع
مقالة مجرم تكلمت بالحق المبين وانما تبين آيات الهدي
بالتكلم وصدقت معروف الذي قلت بالذي
فعلت فاضحي راضيا كل مسلم
الا انما يكفي الفتى بعد زيغه من أولاد البادي ثقاف
المقوم فقال عمر ، حين انشد هذا الشعر : افلحنا إذا
.
|