|
في رحاب النبي وآل بيته
الطاهرين - محمد بيومي ص
99 : - |
|
8 - المهدي المنتظر من آل
البيت
شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى ، انه كما كانت
نجاة العالم من ظلمات الجاهلية على يد سيد أهل البيت
سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان وجود
أهل البيت في الأمة أمانا لهم من الخسف والنسف ، فان
صلاح العالم في آخر الزمان إنما سيكون بإذن الله على
يد ( المهدي ) الذي يصطفيه الله من أهل البيت النبي
الطاهرين المطهرين ، والذي تواترت الأحاديث واستفاضت
عن خروجه في آخر الزمان ، ليملا الأرض عدلا ، كما ملئت
ظلما وجورا ، قال صلى الله عليه وسلم : ( المهدي منا ،
يختم الدين بنا ، كما فتح بنا ) ( رواه المحب الطبري في
الصواعق المحرقة عن الطبراني )
وقال : صلى الله عليه
وسلم ( المهدي من عترتي من ولد فاطمة ) ( رواه أبو
داود وابن ماجه والحاكم من حديث أم المؤمنين أم سلمة )
وروى عن الإمام علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه في
الجنة ، انه قال
: ( المهدي من ولد ابني هذا
) ، وأشار إلى الحسن .
وروى الحافظ الذهبي في المنتقى
عن المهدي : وعن علي انه نظر إلى الحسن . فقال : سيخرج
من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم ، يشبهه في الخلق ، ولا
يشبهه في الخلق ، يملا الأرض قسطا ) .
ويقول الإمام
ابن تيمية : وقول أمير المؤمنين ( الإمام علي ، كرم
الله وجهه في الجنة ) في انه حسني ، لا حسيني صريح ،
ذلك لان الحسن والحسين مشبهان من بعض بإسماعيل وإسحاق
، وان لم يكونا نبيين ولهذا كان النبي صلى الله عليه
وسلم ( اعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان
وهامة ، ومن كل عين لأمة ) ، ويقول : ( ان إبراهيم كان
يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق ) ، وكان إسماعيل هو الأكبر
والاحلم ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو
يخطب على المنبر ، والحسن معه على المنبر : ( ان ابني
هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين ) ،
فكما ان غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق ، فهكذا
كان غالب السادة الأئمة من ذرية الحسين ، وكما ان خاتم
الأنبياء ، الذي طبق أمره مشارق الأرض ومغاربها ، كان
من ذرية إسماعيل ، فكذلك الخليفة الراشد المهدي ، الذي
هو آخر الخلفاء ، يكون من ذرية الحسن .
هذا ويقول ابن
تيمية في رسالة ( فضل أهل البيت وحقوقهم ) : فأما
المهدي
الذي بشر به النبي صلى الله
عليه وسلم فقد رواه أهل العلم العالمون بأخبار النبي
صلى الله عليه وسلم ، الحافظون لها ، الباحثون عنها
وعن رواتها ، مثل أبي داود والترمذي وغيرهما ، ورواه
الإمام احمد في مسنده ، فعن عبد الله بن مسعود قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو لم يبق من الدنيا
إلا يوم لطول الله ذلك اليوم ، حتى يبعث الله رجلا من
أهل بيتي ، يوطئ اسمه اسمي ، واسم أبيه اسم أبي ، يملا
الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت ظلما وجورا ) ( أخرجه أبو
داود ، ومثله عنده ، وعند الإمام احمد عن الإمام علي )
.
وعن أبي سعيد قال قال صلى الله عليه وسلم : ( المهدي
مني ، أجلى الجبهة ، اقني الأنف ، يملا الأرض قسطا
وعدلا ، كما ملئت جورا وظلما ، يملك سبع سنين ) ( عون
المعبود بشرح سنن أبي داود ) .
وعن أبي سعيد ان النبي
صلى الله عليه وسلم قال : ( يكون في أمتي المهدي ، ان
قصر فسبع ، وإلا فتسع ، فتنعم فيه أمتي نعمة لم ينعموا
مثلها قط ، تؤتي أكلها ولا تترك منه شيئا ، والمال
يومئذ كدوس ( أي مجموع كثير ) يقوم الرجل فيقول : يا
مهدي أعطني ، فيقول : خذ ) ( رواه ابن ماجة ) .
وقال
صلى الله عليه وسلم : ( يكون في آخر الزمان خليفة يحثو
المال حثوا ) ( رواه احمد ومسلم عن جابر وأبي سعيد ) .
حفظ ذرية النبي صلى الله عليه وسلم في
أهل البيت
اقتضت حكمة الله تعالى في خلقه ، ورحمته بعباده ، كما
يقول الأستاذ حسين يوسف ، ان تستمر بأهل البيت ذرية
سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم إلى يوم
الدين ، تشع بضيائها على العالمين ، وترشد بهدايتها
الضالين .
روى ابن عساكر من حديث ابن عمر عن النبي صلى
الله عليه وسلم انه قال ( كل نسب وصهر وينقطع يوم
القيامة إلا نسبي وصهري ) ، هذا وكما كانت بعثته صلى
الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، بهداية الطائعين إلى
سواء السبيل ، واثابتهم على ذلك ، وتأخير العقاب عن
العصاة والمكذبين ، فكذلك ، فان بقاء أهل البيت
الطاهرين المطهرين رحمة للعالمين ، لان نورهم من نوره
صلى الله عليه وسلم وبركتهم من بركته ، وكما ان الله
تعالى قد اختص رسوله صلى الله عليه وسلم بان لا يعذب
أمته ما دام فيهم ، فقال تعالى في الأنفال (
وَمَا كَانَ اللّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) ، فكذلك فان الله تعالى ،
ببركة أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم لن يعذب
الأمة الإسلامية عذاب
الاستئصال ، مادام فيهم أهل
البيت ، فهم الشموع المنيرة في الظلمات ، والحصون التي
يركن إليها في الملمات يجيرون كل من لاذ بحماهم ،
ويكرمون كل من نزل بساحتهم .
وقد جاء في تفسير القرطبي
عن ابن عباس انه قال : ( لم يعذب أهل قرية حتى يخرجوا
النبي صلى الله عليه وسلم منها والمؤمنون ، ويلحقوا
بحيث أمروا ) ، فإذا كان وجود المؤمنين بقرية ما سبب
رحمة لها ، فكيف بوجود أهل البيت ، وهم من خاصة
المؤمنين وخيارهم ، وأقربهم إلى الله ورسوله ، وقد قال
صلى الله عليه وسلم .
فيما يروى الطبراني
وأبو يعلى من
حديث سلمة ابن الاكوع ، ( النجوم أمان لأهل السماء ،
وأهل بيتي أمان لأمتي ) . هذا وقد اجمع المسلمون على
ان الإمامين الحسن والحسين ، أبناء السيدة فاطمة من
الإمام علي ، وذريتهما ، رضي الله عنهم أجمعين ، إنما
هم ، كما يقول ابن قيم الجوزية في جلاء الإفهام ، ذرية
النبي صلى الله
عليه وسلم المطلوب لهم من
الله الصلاة وذلك لان أحدا من بناته لم يعقب غيرها ،
فمن انتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أولاد
بناته إنما هم من أولاد السيدة فاطمة الزهراء ، وهكذا
أكرم الله تعالى الزهراء عليها السلام ، بان حفظ
ذرية نبيه صلى الله عليه وسلم في ذريتها ، وأبقى عقبه
في عقبها ، فهي وحدها دون بناته وبنيه ، أم السلالة
الطاهرة ، والعترة الخيرة ، والصفوة المختارة من عباد
الله من أمته صلى الله عليه وسلم ، ذلك لان أبناء
النبي الذكور ماتوا جميعا ، وهم أطفال لم يشبوا عن
الطوق ، ولم يبلغوا الحلم بعد ، وأما بناته صلى الله
عليه وسلم فلم يتركن وراءهن أطفالا ، ما عدا السيدة
زينب ، رضي الله عنها ، التي لم تنجب سوى علي الذي مات
صغيرا ، وامامة التي تزوجها الإمام علي بعد الزهراء ،
بوصية منها ، ولكنها لم تنجب له أولادا ، ولم يبق من
بناته الطاهرات غير الزهراء البتول
، قد أنجبت من الإمام علي ،
الحسن والحسين ( ومحسن الذي مات صغيرا ) وأم كلثوم
وزينب الكبرى ، الشهيرة بعقيلة بني هاشم ، رضي الله
عنهم أجمعين ، ولم يكن لسيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم عقب إلا من الزهراء ، وأعظم بها مفخرة ، وهكذا
كان من ذرية الزهراء ، من أبناء الحسن والحسين ، جميع
السادة الأشراف ، ذرية سيدنا ومولانا وجدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
.
وروى الطبراني والخطيب عن ابن
عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لم يبعث
الله نبيا قط ، الا جعل ذريته من صلبه غيري ، فان الله
جعل ذريتي من صلب علي ، رضي الله عنه ) .
وروى
الإمام
احمد والطبراني وأبو يعلى والمحب الطبري ان عمر بن
الخطاب رضي الله عنه خطب إلى علي بن أبي طالب رضي الله
عنه أم كلثوم ، فاعتل علي بصغرها ، فقال : إني لم أرد
الباه ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
: ( كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة ، ماخلا سببي ونسبي
، وكل ولد أب فان عصبتهم لأبيهم ، ما خلا ولد فاطمة ،
فانا أبوهم وعصبتهم ) .
واخرج الطبراني عن عمر بن
الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل بني أنثى
فان عصبتهم لأبيهم ، ما خلا ولد فاطمة ، فاني عصبتهم ،
وأنا أبوهم ) .
وعن فاطمة عليها السلام عن النبي صلى الله
عليه وسلم لكل بني أنثى عصبة ينتمون إليه ، إلا ولد
فاطمة ، فانا وليهم وأنا عصبتهم ) .
وروى الحاكم عن جابر انه صلى الله عليه وسلم قال : لكل بني
أم عصبة ،
إلا ابني فاطمة ، فانا وليهم وعصبتهم ) .
وعن ابن عباس
رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( خلق الناس من أشجار شتى ، وخلقت أنا وعلي بن أبي
طالب من شجرة واحدة ، فما قولكم في شجرة أنا أصلها ،
وفاطمة فرعها ، وعلي لقاحها ، والحسن والحسين ثمرتها ،
وشيعتنا أوراقها ، فمن تعلق بغصن من أغصانها ساقه إلى
الجنة ، ومن تركها هوى إلى النار ) .
وفي رواية : (
أنا شجرة ، وفاطمة فرعها ، وعلي لقاحها ، والحسن
والحسين ثمرتها ، وشيعتنا ورقها ، فالشجرة أصلها في
جنة عدن ، والأصل والفرع واللقاح والثمر والورق في
الجنة ) .
وهكذا كان نسل فاطمة وعلي نسلا مباركا للنبي
صلى الله عليه وسلم ، ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم
إنما كان يدعو الحسن والحسين ابنيه ، فيقول صلى الله
عليه وسلم في الحسن : ( ان ابني هذا سيد ) .
واخرج
الترمذي عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم
كان يقول لفاطمة : ( ادعي ابني فيشمهما ويضمهما إليه )
، وروى الإمام احمد والحاكم وأبو نعيم والطبراني ان
النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( حسين مني ، وأنا من
حسين ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الأسباط )
، هذا فضلا عن انه لما
نزلت آية المباهلة ( آل عمران
61 ) دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن
والحسين وخرج للمباهلة ، وقد اشرنا من قبل إلى قصة
الفقيه ( يحيى بن يعمر ) مع الحجاج الثقفي ، كما جاءت
عن الشعبي ، وكما رواها الحاكم في المستدرك عن عاصم بن
بهدلة ، وكيف اثبت يحيى للحجاج من الآيتين الكريمتين
84 ، 85 من الأنعام ، ان الحسن والحسين من ذرية النبي
صلى الله عليه وسلم عن طريق أمهما فاطمة الزهراء ، كما
ان عيسى بن مريم من ذرية إبراهيم ، عن طريق أمه مريم
ابنة عمران ، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا
.
|