في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي  ص 105 : -

القسم الثاني السيدة فاطمة الزهراء

قال النبي صلى الله عليه وسلم : فاطمة سيدة أهل نساء أهل الجنة ( رواه البخاري )
وقال صلى الله عليه وسلم ( لفاطمة ): أما ترضين ان تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين ( رواه البخاري )
وقال صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها فقد أغضبني ( رواه البخاري ) .

- ص 107 -

الفصل الأول في رحاب النبي صلى الله عليه وسلم

 1 - مولد الزهراء

رزق النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه الطاهرة خديجة رضي الله عنها في مكة المكرمة بالزهراء في يوم الجمعة العشرين من جمادي الآخرة ، وقريش تبني الكعبة ، وذلك قبل البعثة بخمس سنين .

فيما يرى كبار كتاب السيرة من أمثال ابن إسحاق وابن هشام والطبري ، وهي اصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا كانت قريش قد أعادت بناء الكعبة حوالي عام 606 م ، فهذا يعني ان الزهراء قد ولدت عام 606 م ( 18 قبل الهجرة ) ، على ان هناك من يرى إنها ولدت قبل البعثة بستة أشهر ، وهناك وجه آخر للنظر يذهب إلى ان الزهراء إنما ولدت على أيام النبوة ، وليس قبلها .

فلقد روى الحاكم في المستدرك وابن عبد البر في الاستيعاب إنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، أي بعد البعثة بسنة ( عام 611 / 612 م ) ، بل ان الشيخ الطوسي إنما يذهب في مصباح المتهجد إلى إنها ولدت بعد المبعث بسنتين ، بل ان هناك رواية تنسب إلى الإمام الباقر ، تذهب إلى ان مولد الزهراء عليها السلام ، إنما كان في العام الخامس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ( عام 614 / 615 م ) .

وهكذا اختلف العلماء في مولد الزهراء ، وبالتالي فقد اختلفوا في سنها يوم زفت إلى الإمام علي ، وفي سنها يوم ان انتقلت إلى الرفيق الأعلى في الثالث من رمضان عام 11 ه‍ ( اخريات عام 632 م ) ، على ان أكثر العلماء من أهل البيت يرون انها 

- ص 108 -

ولدت قبل البعثة بخمس سنين ، وقد روى ان العباس دخل على علي وفاطمة ، رضي الله عنهم ، واحدهما يقول للآخر : أينا اكبر ، فقال العباس : ولدت يا علي قبل بناء قريش البيت بسنوات وولدت أنت يا فاطمة ، وقريش تبني البيت .

وهكذا كان مولد الزهراء عليها السلام ، بشير سلام وامن لقريش جميعا ، ذلك لان مولدها إنما وافق اجتماع قريش لبناء الكعبة ، ويحدثنا التاريخ ان القوم كادوا يقتتلون على من يحوز شرف إعادة الحجر الأسود إلى مكانه ، لولا حكمة سيد الأولين والآخرين ، سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بان وضع الحجر في ثوب ، ثم أمر بأن تأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم رفعوه جميعا ، فلما بلغوا موضعه ، وضعه بيده الشريفة ثم بنى عليه ، وهكذا استبشر النبي صلى الله عليه وسلم بمولد الزهراء ، إذ اقترن مولدها بإقامة البيت الحرم وتجديده ، دون ان تختصم قريش ، ودون ان تتفرق كلمتها ، وانما جمع الله شملها على يد أبي الزهراء في أيام مولد الزهراء ، هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بشر بمولدها قبل ان تولد .

روى انه صلى الله عليه وسلم قال لزوجه خديجة : ( يا خديجة هذا جبريل يبشرني إنها أنثى ، وإنها النسمة الطاهرة الميمونة ، وان الله سيجعل نسلي منها ، وسيجعل من نسلها أئمة من الأمة ، ويجعلهم خلفاء في أرضه ) .

ووضعت خديجة فاطمة طاهرة مطهرة ، فلما سقطت إلى الأرض أشرق منها نور حتى دخل بيوت مكة ، ولم يبق من شرق الأرض ولا غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور ، وما ان عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بولادتها حتى سجد شكرا لله تعالى وقد الهم بأنه سيكون منها سلالته وعترته فكانت أحب ولده إليه ، واقرهم لعينه .

 

 2 - أسماء الزهراء

حملت فاطمة الزهراء عليها السلام تسعة أسماء هن : فاطمة والصديقة ولمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمحدثة والزهراء كما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقبها ب‍ ( أم أبيها ) لحنانها عليه وحبها الدائم ، وأما اسمها الأول ( فاطمة ) فهو اسم لم يكن غريبا عند العرب فقد كانت زوج أبي طالب وأم الإمام 

- ص 109 -

علي تسمى فاطمة ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يناديها ( يا أماه ) وهناك فاطمة بنت حمزة سيد الشهداء ، وأسد الله ورسوله وهناك فاطمة بنت عتبة وغيرهن غير ان اسم فاطمة للزهراء إنما كان له معنى خاصا .

روى المحب الطبري في ( ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ) فقال : اخرج الحافظ الدمشقي عن الإمام علي ، كرم الله وجهه في الجنة ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة : يا فاطمة ، أتدرين لم سميت فاطمة ؟ قال علي : يا رسول الله لم سميت فاطمة ؟ قال ان الله عزوجل قد فطمها وذريتها من النار يوم القيامة ) .

وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان ابنتي فاطمة حوراء إذ لم تحض ولم تطمث ، وإنما سماها فاطمة لان الله عزوجل فطمها ومحبيها من النار ) .

وأما لقب ( الزهراء ) فلأنها ، كما يقول الأستاذ أبوعلم ، بيضاء اللون .

وروى عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد الباقر عن أبيه الإمام علي زين العادين قال : ( سالت ابا عبد الله عليه السلام ( أي مولانا الإمام الحسين ) عن فاطمة ، لم سميت الزهراء ؟ فقال : لأنها كانت إذا قامت في محرابها يزهو نورها لأهل السماء كما يزهو نور الكواكب لأهل الأرض ) .

وروى انها عليها السلام سميت الزهراء لان الله عزوجل خلقها من نور عظمته ، وقيل انها حين وضعتها السيدة خديجة ، رضي الله عنها ، حدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم ، وبذلك لقبت بالزهراء ، وقيل انها سميت الزهراء ، لأنها كانت لا تحيض ، وكانت إذا ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة حتى لا تفوتها صلاة .

وأما لقب المحدثة فلان الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها ، كما كانت تنادي مريم ابنة عمران ، عليها السلام ، ويحدثها روح القدس .

وأما ألقاب الصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية ، فهي آيات على ما اتسمت به الزهراء ، رضي الله عنها ، من الصدق والبركة والطهارة والرضي والطمأنينة .

وأما لقب ( البتول ) فذلك لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسبا ، وقيل لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى .

وفي تاج العروس للزبيدي : لقبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبتول تشبيها لها بمريم في المنزلة عند الله تعالى ،

- ص 110 -

وأما ثعلب فالرأي عنده انها سميت بالبتول لانقطاعها عن نساء زمانها ، وعن نساء الأمة ، فضلا ودينا ، وحسبا وعفافا ، وهي سيدة نساء العالمين ، وقيل البتول من النساء المنقطة عن الدنيا إلى الله تعالى ، وبه لقبت فاطمة ، رضي الله عنها .

وعن عمر بن علي رضي الله عنهما ، ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البتول ، وقد قيل له : سمعناك يا رسول الله تقول : مريم بتول ، وفاطمة بتول ، فماذا فقال صلى الله عليه وسلم : ( البتول التي لم تر حمرة قط ) أي لم تحض ، فان الحيض مكروه في بنات الأنبياء ، عليهم الصلاة السلام .

وفي الواقع فلقد كانت فاطمة الزهراء ، عليها السلام ، إلى جانب إنسانيتها ، تحمل صفات الملائكة وصفات الحور العين ، كانت إنسانة ، وكانت حوراء ، أو هي ( حوراء إنسية ) .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب